التقديرات

تغيرات جوهرية:

حدود التحولات الحالية في المسار السياسي للأزمة السورية

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

السبت, 19 أغسطس, 2017

تغيرات جوهرية:

تُشير المعطيات الحالية للموقفين السياسي والعسكري في الأزمة السورية، إلى أن الجانب العسكري لا يزال هو الطاغي على الأزمة في ظل استمرار تعثر المسار السياسي في جنيف والأستانة، ورغم ذلك جرت متغيرات سياسية في الملف السوري مؤخرًا لا يمكن التقليل من أهميتها في تحديد مستقبل الأزمة.

تأهيل النظام:

تتواصل مساعي النظام السوري لإعادة تأهيل ذاته؛ حيث أقدم النظام على اتخاذ خطوات عديدة هدف من خلالها إلى توجيه رسائل مباشرة للقوى المعنية بالأزمة السورية، مفادها أن النظام يستعيد سيطرته الميدانية تدريجيًّا داخل سوريا، وذلك على غرار ما يلي:

1- وضع صورة رئيس النظام "بشار الأسد" على الليرة السورية بعد إعادة طبعها في ورقة جديدة من فئة 2000 ليرة، باعتبار أن الظروف الآن باتت مواتية لطرحها للتداول بعد التحولات الميدانية الأخيرة.

2- الجولات التي يقوم بها "الأسد" في بعض المدن السورية مثل حماة التي أدى فيها صلاة عيد الفطر في 25 يونيو الماضي، في أول زيارة معلنة لتلك المدينة منذ بداية الأزمة.

مرونة دولية:

اتسم الموقف الإقليمي والدولي بنوع من التغير بخصوص الأزمة السورية، ويتضح ذلك من خلال تصاعد الحديث عن ضرورة الحل السياسي للأزمة، وتراجع الحديث عن الحل العسكري، بالإضافة إلى قبول أطراف دولية وإقليمية لفكرة مشاركة النظام في ترتيبات الحل السياسي والمرحلة الانتقالية، ويرتبط بذلك ما يلي:

1- المساعي التونسية الأخيرة لاستئناف العلاقات مع النظام السوري: رغم رفض أعضاء البرلمان التونسي في 19 يوليو الماضي مشروع لائحة لإعادة العلاقات مع النظام السوري بسبب عدم حصوله على الأغلبية المطلوبة، أعلن وزير الخارجية التونسي "خميس الجهيناوي" في 30 يوليو الماضي أن علاقات تونس الدبلوماسية مع سوريا لم تنقطع أبدًا منذ بداية الأزمة السورية، وأن البعثة الدبلوماسية التونسية بدمشق على اتصال مباشر ويومي بالنظام السوري، كما قام الاتحاد العام التونسي للشغل بزيارة إلى سوريا مؤخرًا، التقى خلالها الرئيس "الأسد".

2- المرونة الفرنسية الأخيرة تجاه النظام السوري: ويتضح ذلك في التصريحات الأخيرة المتكررة للرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، التي يشير فيها إلى أن رحيل رئيس النظام السوري "بشار الأسد" أو تنحيته لم يعد شرطًا لفرنسا، وأن الهدف الرئيسي هو القضاء على الإرهابيين في سوريا. يُضاف إلى ذلك تأكيد "ماكرون" خلال لقائه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في منتصف يوليو الماضي عزمه وضع خريطة طريق لحل الأزمة السورية ستكون بدايتها تشكيل مجموعة اتصال تضم الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي ودولاً إقليمية وممثلين عن النظام السوري والمعارضة. 

3- تراجع تركيا عن مواقفها الحادة السابقة ضد النظام السوري: حيث أصبحت المقاربة التركية الحالية للأزمة السورية مرتبطة -إلى حدٍّ كبير- بالقضية الكردية، وليس باستراتيجيتها القديمة التي قامت على إسقاط النظام، وأن أولويتها حاليًّا أصبحت كيفية تطويق التهديد الكردي المتنامي، وحماية الداخل التركي من تداعيات الصعود الكردي، وذلك كمحاولة استباقية لمنع قيام كيان كردي في الداخل التركي في المستقبل.

4- التطورات الأخيرة في الموقف اللبناني من النظام السوري: ويرتبط بذلك الزيارة المرتقبة للوفد الوزاري اللبناني إلى سوريا يوم 16 أغسطس الجاري، والذي يقول الوفد إن الهدف منها هو بحث الملف الاقتصادي، وجهود إعادة إعمار سوريا فقط دون التطرق إلى الملفات السياسية. وتشير وسائل الإعلام اللبنانية إلى أن الزيارة تأتي بموافقة رئيس الوزراء "سعد الحريري"، خاصة وأنه لا يُمكن لوزير أن يقوم بزيارة إلى أي دولة من دون موافقة رئيس مجلس الوزراء.

مشاريع فيدرالية:

شهدت الفترة الأخيرة في سوريا تصاعدًا في المشاريع السياسية الهادفة إلى تطبيق الفيدرالية في البلاد، ويتضح ذلك من خلال ما يلي:

1- تواصل جهود حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني بزعامة "صالح مسلم" لاتخاذ المزيد من الإجراءات التنفيذية الجديدة الهادفة إلى التحول للنظام الفيدرالي، والذي تم الإعلان عنه في 17 مارس 2016 في المناطق الخاضعة لسيطرتهم بشمال البلاد إلى أمر واقع، ويرتبط بذلك تحديد الجمعية التأسيسية لـ"اتحاد شمال سوريا" في 29 يوليو الماضي مواعيد إجراء أول انتخابات محلية وتشريعية في شمال سوريا، وذلك بعد مصادقتها على قانوني التقسيمات الإدارية والانتخابات. 

2- إعلان "الحكومة السورية المؤقتة" في 11 أغسطس الجاري عن تشكيل ما يُسمى "هيئة الإدارة العليا في المنطقة الجنوبية" باتفاق ممثلي الحكومة السورية الموقتة ومجلسي محافظتي درعا والقنيطرة، وذلك في خطوة تستهدف بناء مؤسسات للإدارة الذاتية في الجنوب السوري على غرار الإدارة الذاتية للأكراد في شمال سوريا، ومتابعة الأمور الإدارية في مناطق خفض التصعيد في الجنوب السوري، وذلك بالتوازي مع جهود إعادة هيكلة فصائل الجبهة الجنوبية.

ضبط الأدوات:

سعت بعض الدول المنخرطة في الصراع السوري خلال الفترة الأخيرة إلى إعادة ضبط وتلميع بعض التنظيمات المسلحة التابعة لها أمام المجتمع الدولي، ويتضح ذلك من خلال ما يلي:

1- الجهود التركية المتواصلة لضبط سلوك حركة "أحرار الشام" الإسلامية، ومحاولة دفع الحركة للتماشي مع التحول في الموقف التركي من الأزمة السورية، ويتضح ذلك من ابتعاد "أحرار الشام" بصورة كاملة عن الحيز الجغرافي الذي كانت تتشارك فيه مع جبهة "فتح الشام" (النصرة سابقًا) في الشمال السوري مثلما حدث في إدلب مؤخرًا، وذلك تحقيقًا للمطالب الدولية السابقة -خاصة من الجانب الروسي- لأحرار الشام وغيرها من التنظيمات المعتدلة بالابتعاد عن مناطق جبهة النصرة تمهيدًا للقيام بعمليات عسكرية ضدها.

مكاسب للنظام:

رغم استمرار تعثر الجهود الدولية الهادفة إلى التوصل لاتفاق سلام سوري، إلا أن المشهد السياسي السوري شهد خلال الفترة الأخيرة مجموعة من التطورات الهامة التي تصب بصورة أساسية في صالح النظام السوري.

ويأتي تغير بعض المواقف الإقليمية والدولية من النظام السوري، وعدم اشتراط رحيل الأسد كأمر أولي؛ باعتبار ذلك تسليمًا للواقع العسكري الحالي في سوريا، والذي يميل ميزان القوى فيه بصورة كبيرة لقوات النظام وحلفائها.

ومن الواضح أن حزب الله اللبناني يسعى إلى فرض التطبيع السياسي بين الحكومة اللبنانية والنظام السوري من خلال المدخل الاقتصادي، وذلك في حيلة منه لتجاوز حساسيات الحكومة اللبنانية في التعامل مع الرئيس "الأسد"، واستمرار تأكيدها على الابتعاد عن سياسة المحاور، والنأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية.

وتهدف القوى التي تطرح مشاريع الفيدرالية في شمال وجنوب سوريا إلى فرض ذاتها كطرف أساسي في أية معادلة سورية قادمة، والتمهيد لفرض النظام الفيدرالي كأمر واقع على باقي الأطراف، وجعله الإطار العام الذي سيكون عليه شكل الدولة السورية في المستقبل.