التحليلات - التغيرات السياسية

تنافر القيادات:

دوافع انتقال "الثأر" الشخصي إلى علاقات الدول

د. مبارك مبارك أحمد

الإثنين, 07 أغسطس, 2017

تنافر القيادات:

على نقيض التقييمات والتفسيرات النظرية التي تركز على الرشادة والعقلانية كمعايير حاكمة للعلاقات بين الدول؛ تصاعد تأثير عوامل شخصية (مثل: الثأر، والكراهية، والتنافر بين القيادات السياسية) على التفاعلات بين الدول، بحيث أضحت أقرب في بعض الحالات للمباراة الصفرية. ويرجع تزايد تجليات الثأر في العلاقات الدولية إلى عدة عوامل، مثل: الضعف المؤسسي، والانحياز الأيديولوجي، وتنامي الشعبوية، واستعادة الهيمنة، والذاكرة المجتمعية.

وتفسر دوافع الثأر عدة تحولات دولية، مثل: غزو العراق في عام 2003، ودعم الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي لإسقاط نظام القذافي، بالإضافة للسلوك القطري العدائي تجاه الدول العربية، ودعم قطر للتنظيمات المتطرفة، ومحاولات إحياء الهيمنة والتوسع اللذين يجسدهما نظام ولاية الفقيه في إيران وأردوغان في تركيا وبوتين في روسيا، باعتباره نوعًا من الثأر الشخصي يتبناه قادة هذه الدول ضد من أسهموا في إسقاط نماذجهم الإمبراطورية السابقة.

نماذج سياسات الثأر:

تتنوع نماذج وتجارب ظاهرة الثأر الشخصي في العلاقات بين الدول، ولعل أبرزها قرار الرئيس الأمريكي جورج بوش (الابن) بغزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين، الذي اعتبره -وفقًا لمذكراته- قرارًا مصيريًّا؛ حيث ذكر عددًا من المبررات التي دفعته للقيام بهذا العمل، منها: تهديدات نظام صدام حسين لدول الجوار، وإيواؤه بعض العناصر الإرهابية، وثناؤه على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، واستخدامه غاز الخردل ضد الأكراد؛ إلا أن أبرز هذه المبررات يتمثل في محاولات صدام حسين اغتيال الرئيس جورج بوش (الأب) الذي لعب دورًا محوريًّا في تحرير الكويت.

ويتمثل ثاني هذه النماذج في الدور المباشر للرئيس الفرنسي السابق "نيكولا ساركوزي" في تصفية معمر القذافي بعد اندلاع الاحتجاجات الليبية في 2011، ويذهب بعض المحللين إلى أن مساندة الرئيس الفرنسي للاحتجاجات الليبية ترجع إلى رغبته في الثأر الشخصي بعد إعلان القذافي امتلاكه وثائق تُثبت أن ساركوزي تلقى أموالاً ليبية ساندته في الفوز بمقعد الرئاسة. وهو الأمر الذي أيدته كتابات غربية متعددة كان من أبرزها ما تناولته الكاتبة "كاثرين جراسييه" في كتابها الذي صدر في سبتمبر 2013 بعنوان "ساركوزي والقذافي: قصة الخيانة السرية"؛ حيث سلطت فيه الضوء على الأموال الليبية التي ضخها العقيد معمر القذافي من أجل تمويل الحملة الانتخابية التي خاضها نيكولا ساركوزي عام 2007، والتي قادته إلى قصر الإليزيه، وجعلت منه رئيسًا لفرنسا.

أما ثالث هذه النماذج فتجسده حالة العداء القطري ضد دول الجوار العربي، وذلك من خلال تبني القيادة القطرية منذ الانقلاب الأبيض عام 1995 نهجًا شديد العدائية في سياستها الخارجية بعدما تحفظت عدد من الدول العربية على هذا الانقلاب، وهو ما جعل هناك حالة من الثأر ضد من رفضوا وصول القيادة الجديدة بهذا الأسلوب، وظهرت رغبة الثأر بشكل أكثر وضوحًا بعد الانتفاضات العربية من خلال قيام قطر بإطلاق دعوات تحريضية للمساس بأمن الدول وسيادتها، واحتضانها جماعات إرهابية وطائفية تستهدف ضرب استقرار المنطقة (ومنها: جماعة الإخوان المسلمين، وبعض عناصر تنظيم القاعدة الذين تستضيفهم الدوحة على أراضيها)، بالإضافة للترويج لأدبيات ومخططات هذه الجماعات عبر منصاتها الإعلامية، وفي مقدمتها قناة "الجزيرة".

دوافع الانتقام السياسي:

تتنوع الأسباب التي أسهمت في بروز ظاهرة الثأر الشخصي في العلاقات بين الدول، ويمكن إبراز أهمها في التالي:

1- الضعف المؤسسي: يُمثل الضعف المؤسسي أحد العوامل المفسرة لتنامي الثأر الشخصي في العلاقات بين الدول، سواء أكان ذلك الضعفُ داخليًّا يرتبط بقدرة صانع القرار والنخبة المؤيدة له على تسويق قرارات معينة تخدم مصالحه الشخصية دون النظر للمصلحة الوطنية، وهو ما حدث في تجربة الغزو الأمريكي للعراق، فبرغم اعتراف كلٍّ من جورج بوش (الابن) وتوني بلير (رئيس الوزراء البريطاني) بأخطائهما الاستراتيجية، عندما ردد بلير مقولته الشهيرة: "أتحمل المسئولية كاملة عن غزو العراق"، عقب إعلان نتائج تحقيق "جون تشيلكوت" في يوليو 2017، والذي أكد فيه أن الحجج التي قدمها لتبرير الغزو العسكري للعراق كانت مضللة؛ إلا أن نجاح كلٍّ من بوش وبلير في تمرير القرار عَكَسَ الضعف المؤسسي الذي لم يكن قاصرًا فقط على مؤسسات الدولة، وإنما امتد ليشمل موقف المؤسسات الدولية التي أخفقت في منع الغزو الذي تم دون موافقتها.

2- الانحياز الأيديولوجي: وهو ما يتضح في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي استهدفت رموز الهيمنة الأمريكية على حد تصور منفذي العملية. ويرى بعض المحللين أن هذا قد يرجع إلى رغبة منفذي العملية في الثأر الشخصي بسبب الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل، وقد أدى هذا إلى رد فعل أمريكي على نفس المستوى بعد التوصل إلى مكان بن لادن؛ حيث قامت بتصفية أسامة بن لادن (زعيم التنظيم) بنفس العقلية الثأرية، وعدم تقديمه للمحاكمة، وذلك بالهجوم على منزله بمنطقة "أبوت أباد" الباكستانية، وإلقاء جثته في البحر وليس دفنه في قبر حتى لا يصبح مزارًا للمتطرفين من كل أنحاء العالم، وفق التصور الأمريكي.

3- تنامي الشعبوية: تمثل الشعبوية بيئة حاضنة لنمو الأفكار التي تحض على العنصرية وكراهية الآخر، وهو ما تجلى في خطاب الرئيس ترامب خلال حملته الانتخابية، ودعوته لرفض دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتبني خطاب عدائي إزاء الأقليات التي تُشكل جزءًا من النسيج الوطني الأمريكي، فضلاً عن مناداته ببناء جدار عازل مع المكسيك لمنع تدفق المهاجرين. وهو التوجه الذي أضحى ظاهرة عالمية بطبعاتها المختلفة تجلت في تعزيز صعود اليمين المتطرف في عدد من الدول الأوروبية، والتي ربما تؤشر إلى بروز مرحلة "فاشية جديدة" تعمق من السلوك العدواني والثأري في التوجه الخارجي.

4- إحياء الإمبراطوريات: يُرجع البعض محاولات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العودة إلى الساحة الدولية إلى رغبته في الثأر ممن أسهموا في تفكيك الاتحاد السوفيتي، وهو ما يتجلى بوضوح في دعمه القوي لنظام بشار الأسد، سواء من خلال استخدامه المتكرر لحق الفيتو داخل مجلس الأمن، أو من خلال تقديم الدعم العسكري المباشر، ومساندة عملياته العسكرية للحفاظ على بقاء واستمرار النظام كحليف.

كما يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إحياء الخلافة العثمانية كنوع من الثأر الشخصي، باعتباره وريث الإمبراطورية العثمانية، وهو ما ينعكس في حدة خطابه تجاه الدول الأوروبية، بما يُذكِّر بالصراعات التاريخية المستديمة بين الإمبراطورية العثمانية والإمبراطوريات الأوروبية، لرفض منح تركيا عضوية الاتحاد الأوروبي. فضلاً عن ممارسة سياسة التدخل المباشر في الشؤون الداخلية لعدد من دول الإقليم، بما يشبه النزعة التوسعية للإمبراطورية العثمانية. وما يُعزز من وجهة النظر هذه تبني القيادة التركية التحدث باسم العالم الإسلامي وليس تركيا فقط.

يضاف إلى ذلك محاولات نظام الملالي في إيران استعادة أوهام الإمبراطورية الفارسية من خلال تبني نخبتها السياسية خطابًا عدوانيًّا ضد القوى الرافضة للصعود الإيراني، وهو ما جعل مستشار الرئيس الإيراني "علي يونسي" يصرح في مارس 2015 بأن إيران إمبراطورية وعاصمتها بغداد.

5- الإقصاء والتهميش: تُثير سياسات الإقصاء والتهميش للأقليات في بعض الدول شعورًا بالكراهية والاستياء ضد النظام السياسي، وهو ما توظفه بعض الدول في استهداف التماسك الداخلي والاستقرار من خلال تغذية مشاعر الكراهية، واستحضار المظالم التاريخية، وتأجيج مشاعر الثأر لدى الأقليات ضد الدولة.

وفي هذا الصدد، تمكنت إيران من تفجير الصراع المذهبي في العراق وسوريا واليمن من خلال تغذية المشاعر الطائفية في المجتمعات العربية، واستغلت إرث تعامل الدول القومية مع بعض الجماعات في تفكيك المجتمعات من الداخل. وينطبق الأمر ذاته على التنظيمات الإرهابية التي تستغل اغتراب بعض الأفراد وشعورهم بالانعزال عن المجتمع في استقطابهم وتعزيز دوافع الثأر لديهم للانتقام من مجتمعاتهم، وممن تعتبرهم التنظيمات يقفون كحائط صد ضد تأسيس مشروعها التوسعي لإعادة تأسيس الخلافة.

6- الذاكرة التاريخية: تعد الذاكرة التاريخية للشعوب ضمن دوافع الثأر والانتقام بين الدول؛ إذ تسعى بعض الدول لاستعادة مكانتها التاريخية في محيطها الإقليمي، مما يدفعها إلى تبني سياسات عدوانية تتأسس على اعتبارات تاريخية. وتُعد قيم الكبرياء الوطني والعظمة والشعور بالفخر بالتاريخ الإمبراطوري للدولة من القيم الرئيسية للنسق العقيدي للقيادات التي تتبنى سياسات الثأر. وفي هذا الإطار يمكن تفسير السلوك السياسي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وضمه شبه جزيرة القرم على الرغم من الرفض الغربي لمثل هذا المسلك، باعتباره نوعًا من استعادة الكبرياء السوفيتي المفقود. كما يمكن فهم رد الفعل السريع والعنيف لتركيا إزاء الطائرة الروسية التي انتهكت المجال الجوي لأراضيها، وانتهت بإسقاطها من منطلق صورة الذاتية القوية التي تعكس ردود أفعال مندفعة تجاه ما تتعرض له من مواقف.

إجمالاً، من المرجح أن تتصاعد تجليات الثأر في العلاقات الدولية مع صعود القيادات السياسية الشعبوية التي تسعى لحشد الدعم الجماهيري من خلال تعهدات باستعادة الإرث الإمبراطوري للدولة، وتراجع أدوار المؤسسات، وتفجر الصراعات الطائفية والمذهبية التي تستند لانقسامات مجتمعية عميقة، وانتشار ثقافة الكراهية ودوافع الانتقام في المجتمعات، وهو ما يُسهم في تأجيج الصراعات بين الدول، وتزايد حدة الصراعات الداخلية واستعصائها على التسوية.