التقديرات

ارتدادات خارجية:

لماذا استهدف "داعش" السفارة العراقية في كابل؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأحد, 06 أغسطس, 2017

ارتدادات خارجية:

يتجه تنظيم "داعش"، على ما يبدو، إلى محاولة استهداف مصالح بعض الدول التي انخرطت في الحرب ضده خلال المرحلة القادمة، ردًا على هزيمته في مدينة الموصل التي تم تحريرها في 10 يوليو 2017، وهو ما تعكسه مسارعته إلى إعلان مسئوليته عن تنفيذ الهجوم على السفارة العراقية في العاصمة الأفغانية كابل في 31 من الشهر ذاته.

ويكتسب هذا الاحتمال أهميته في ضوء حرص التنظيم خلال الفترة الأخيرة على مهاجمة مقرات بعض البعثات الدبلوماسية في كابل بهدف تأكيد قدرته على مواصلة عملياته الإرهابية رغم الضربات القوية التي تعرض لها والخسائر العديدة التي منى بها داخل أفغانستان، ويتمثل أهمها في مقتل ثلاثة من قادته بين عامى 2016 و2017.

مغزى التوقيت

كان لافتًا أن الهجوم على السفارة العراقية بأفغانستان تزامن مع التراجع الكبير في نشاط التنظيم ليس في العراق فحسب، وإنما في سوريا أيضًا، وهو ما انعكس في إعلان "قوات سوريا الديمقراطية" عن السيطرة على مناطق جديدة جنوب مدينة الرقة وطرد مسلحي التنظيم منها، لتصل المساحة التي تهيمن عليها داخل المدينة، حسب بعض التقديرات، إلى ما يقرب من 45%، بما يعني أن المعقل الرئيسي  للتنظيم بات مهددًا بدرجة كبيرة، وهو ما قد يكون دفعه إلى محاولة الرد على تلك الهزائم من خلال استهداف السفارة العراقية تحديدًا، وهى المرة الأولى التي يقوم فيها بذلك، رغم أنه تعمد خلال الفترة الماضية مهاجمة عدة سفارات داخل العاصمة كابل.

وهنا، فإن تقارير عديدة ربطت بين الهجوم الأخير وبين المؤتمر الصحفي الذي عقدته السفارة، في 13 يوليو الفائت، بمناسبة الإعلان عن تحرير مدينة الموصل، والذي تم التأكيد فيه على أهمية القضاء على التنظيم ليس في العراق وسوريا فقط وإنما في الدول الأخرى التي يسعى إلى تعزيز نفوذه فيها وفي مقدمتها أفغانستان.

وبعبارة أخرى، فإن التنظيم ربما يكون قد سعى من خلال تلك الخطوة إلى نقل معركته مع القوى المنخرطة في المواجهات العسكرية ضده في كل من العراق وسوريا إلى مناطق بعيدة عن الدولتين، خاصة تلك التي تتسم بتصاعد حدة عدم الاستقرار على المستويين السياسي والأمني وفي مقدمتها أفغانستان، التي تنشط فيها تنظيمات إرهابية عديدة، على غرار حركة "طالبان" التي تسعى بدورها إلى توسيع مساحة المناطق التي تسيطر عليها. 

كما أن الهجوم الأخير جاء عقب مقتل "أبو سيد" الزعيم الجديد لتنظيم "ولاية خراسان" فرع "داعش" في أفغانستان، في 11 يوليو الفائت، بعد استهداف المقر العام للتنظيم في ولاية كونار، بما يعني أنه يمثل ردًا من جانب التنظيم على تلك الضربة القوية التي تعرض لها.

دلالات متعددة

يطرح قيام فرع تنظيم "داعش" في أفغانستان باستهداف السفارة العراقية على وجه الخصوص في ذلك التوقيت دلالات عديدة يتمثل أبرزها في:

1- استهداف نوعي: رغم أن التنظيم حرص على محاولة شن هجمات متعددة ضد مقار تابعة لبعثات دبلوماسية خلال الفترة الماضية، على غرار التفجير الضخم الذي نفذه في الحى الدبلوماسي بالعاصمة الأفغانية، في 31 مايو 2017، وأسفر عن مقتل نحو 90 شخصًا وإصابة أكثر من 400 آخرين، إلا أنه لم يتعمد استهداف السفارة العراقية بشكل خاص، وهو ما فسرته تقارير عديدة بأنه نتيجة قرب السفارة من مقار أمنية أفغانية تخضع لإجراءات أمنية مشددة، مثل قوات الشرطة الأفغانية للحماية العامة التابعة لوزارة الداخلية والتي تم تشكيلها لحماية المباني غير الرسمية.

وقد ثبت أن ذلك لا يتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض، التي تشير إلى أن عناصر التنظيم تمكنوا من تجاوز كل الإجراءات الأمنية التي تم اتخاذها في تلك المنطقة، وأن التنظيم حرص على التخطيط للعملية قبل تنفيذها وتكليف انتحاري وانغماسيين بشن الهجوم، حيث أتاح الانفجار الذي نفذه الأول الفرصة للآخرين للدخول إلى السفارة ومحاولة استهداف العاملين فيها قبل الاشتباك مع قوات الشرطة الأفغانية، حيث سعى التنظيم من خلال ذلك إلى توجيه رسالة بأنه ما زال يمتلك القدرة على تنفيذ عمليات نوعية رغم تراجع نشاطه في مناطق نفوذه.

2- استيعاب الضربات: يبدو أن التنظيم حاول عبر تنفيذ هذا الهجوم بعد فترة وجيزة من مقتل قائده تأكيد قدرته على احتواء أية تداعيات قد تنجم عن ذلك، خاصة بعد أن رجحت اتجاهات عديدة إمكانية أن يتعرض التنظيم للتفكك أو الضعف بعد استهدف ثالث قائد له خلال فترة قصيرة. وقد عبر وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس عن ذلك بقوله: "عندما نقتل زعيمًا لإحدى تلك المجموعات، يؤدي ذلك إلى تراجعها"، مضيفًا: "إنه نصر واضح لنا فيما يخص دفع تلك المجموعات إلى التراجع، إنه الاتجاه الصحيح".

3- دعم الفروع الفاعلة: يعد تنظيم "ولاية خراسان" في أفغانستان من أنشط الفروع التابعة لـ"داعش"، لدرجة دفعت اتجاهات عديدة إلى ترجيح أن تكون أفغانستان هى المقر البديل لقيادة التنظيم بعد الهزائم التي تعرض لها في كل من العراق وسوريا وتصاعد اهتمام العديد من القوى الدولية بتجفيف مصادر تمويل عملياته ونشاطاته في الدولتين. ومن هنا، ربما يكون حرص "ولاية خراسان" على تنفيذ هذا الهجوم محاولة لتأكيد قدرته على قيادة عمليات التنظيم خلال المرحلة القادمة.

ومع ذلك، يمكن القول في النهاية إن اتجاه التنظيم إلى التركيز على استهداف البعثات الدبلوماسية ربما يوجه رسائل عكسية تفيد أن التنظيم بالفعل يعاني من ضعف شديد وتراجع لا يبدو هينًا نتيجة الضربات القوية التي يتعرض لها في الفترة الحالية في معظم المناطق التي يسعى إلى التواجد فيها.