التحليلات - التحولات الاقتصادية

ضغوط المنافسين:

كيف انعكست الأزمات الإقليمية على الغاز القطري؟

علي صلاح

السبت, 05 أغسطس, 2017

ضغوط المنافسين:

يواجه الغاز القطري ضغوطًا إقليمية وعالمية متزايدة نتيجة التحولات التي شهدتها صناعة الغاز المسال، والتغيرات الإقليمية والعالمية؛ إذ إن التطور التكنولوجي قد ساهم في تعزيز الطاقة الإنتاجية للصناعة، وخفض تكاليف إنشاء وحدات التسييل كثيرًا، فأغرى ذلك دولاً عدة للتوسع في الاستثمار في الصناعة، ويأتي ذلك على حساب قطر بطبيعة الحال. 

وجاءت الأزمة القطرية الأخيرة لتزيد من حدة تحديات موقع قطر في الأسواق العالمية للغاز، ففي الوقت الذي تضغط فيه الأزمة على قدرات قطر على تأمين الاستثمار اللازم لتمكينها من المحافظة على مكانتها في هذه الصناعة؛ فإنها تغري منافسيها للتوسع في الصناعة على حسابها، والاقتطاع من حصتها في السوق العالمية.

استراتيجية صناعة الغاز: 

تحتل قطر الترتيب الثالث عالميًّا بعد روسيا وإيران في احتياطيات الغاز الطبيعي، حيث تبلغ احتياطياتها 858.1 تريليون قدم مكعب، أي ما يعادل 13% من الاحتياطيات العالمية وفقًا لبيانات عام 2016.

وفيما يتعلق بالإنتاج، تأتي قطر في المرتبة الرابعة عالميًّا، بعد الولايات المتحدة وروسيا وإيران، فهي تنتج 17.5 مليار قدم مكعب يوميًّا، أي ما يساوي 5.1% من الإنتاج العالمي. 

وما يميز قطر بشكل لافت هو تصدرها الترتيب العالمي في إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال، حيث بلغ نصيبها 22.7% من الطاقة الإنتاجية لصناعة تسييل الغاز العالمية، البالغة 339.7 مليون طن سنويًّا.

وتُصدر ما يعادل 77.2 مليون طن من إجمالي الغاز المسال الذي يتم تداوله تجاريًّا حول العالم، والبالغ 258 مليون طن سنويًّا، بنسبة تقترب من 30%، وتزداد مكانتها أهمية في صناعة الغاز المسال في ظل أن هذه الصناعة شهدت نموًّا سريعًا منذ سنوات؛ حيث بلغ هذا النمو 6% سنويًّا خلال الفترة من 2010-2014، وارتفع إلى نحو 10% في عامي 2015 و2016، مما ساعد على زيادة الوزن النسبي للغاز المسال كجزء من إجمالي الغاز الطبيعي المستهلك عالميًّا، والذي يغطي بدوره نحو ربع احتياجات العالم من الطاقة.

وتتبنى قطر منذ سنوات استراتيجية وطنية لتطوير قطاع الغاز الوطني، تطلق عليها "استراتيجية صناعة الغاز القطرية". وقد توقّعت "بزنس مونيتور إنترناشونال" أن تساعد هذه الاستراتيجية على ارتفاع الإنتاج القطري من الغاز إلى ذروته بحلول عام 2018، ببلوغه 190 مليار متر مكعب سنويًّا. 

وبالإضافة إلى ذلك، أعلنت قطر بعد مرور نحو أسبوعين على بداية الأزمة الخليجية، خطة لرفع إنتاجها من الغاز المسال بنسبة 30%، ليصل إلى 100 مليون طن سنويًّا بحلول 2024، وذلك بهدف الحفاظ على موقعها كمنتج أول للغاز المسال في العالم.

ضغوط الشركات الأجنبية:

شهدت الفترة الماضية صدور إشارات عدة تؤكد أن قطر بدأت في استشعار القلق مما يمكن أن ينتج عن الأزمة القطرية من خسائر على صناعتها في مجال الغاز المسال، ويبدو ذلك جليًّا في التصريحات التي صدرت عن سعد الكعبي (الرئيس التنفيذي لشركة "قطر للبترول") لدى إعلانه خطة بلاده لزيادة إنتاجها من الغاز المسال، المشار إليها مسبقًا، عندما قال: "إن مشروع زيادة الإنتاج سيتم بالتعاون مع شركات دولية.. وقطر ستمضي وحدها في زيادة الإنتاج.. وإذا لم تكن هناك شركات مستعدة للعمل معنا، فسنصل إلى هدف المئة مليون طن".

وتمثل هذه التصريحات مؤشرًا على قلق الحكومة القطرية من أن الأزمة القطرية قد تؤدي إلى عزوف الشركات الأجنبية عن الشراكة معها، وهذا الأمر لا يمكن استبعاد حدوثه في المستقبل القريب، لا سيما إذا اتسعت الأزمة، وتطرقت الدول المضادة للإرهاب إلى فرض عقوبات جديدة على قطر، تجعل من استمرار هذه الشركات أمرًا معقدًا ومكلفًا. 

وفي حال حدوث ذلك، فسيكون بمثابة انتكاسة لصناعة الغاز المسال القطرية، ففي هذه الحالة ستجد الحكومة القطرية نفسها وحيدة أمام مسئولية تمويل مشروعات تطوير الصناعة، في وقت تعاني فيه في الأساس من شح في السيولة جراء الأزمة الراهنة. 

وستزداد صعوبة الموقف في ظل أن الحكومة ستكون مسئولة أيضًا عن توفير الدعم الفني والتكنولوجي اللازمين لتطوير صناعة الغاز المسال الوطنية، وهي المهمة التي تضطلع بها الشركات الأجنبية الآن. مع الأخذ في الاعتبار أن خروج هذه الشركات من هناك، سيحرم قطر من فرصة مواكبة التطور التكنولوجي الحادث في تلك الصناعة، لتصاب تكنولوجيا الإنتاج المستخدمة لديها بالتقادم وعدم الجدوى الاقتصادية شيئًا فشيئًا.

تصاعد المنافسة الإقليمية:

بداية من الدائرة الجغرافية القريبة من قطر، وصولاً إلى الدوائر الأوسع حول العالم، هناك منافسون أقوياء، يتحينون الفرصة لمزاحمتها في صناعة تسييل الغاز، وقد شهدت الفترة الماضية تطورات عدة تشير إلى أن هؤلاء المنافسين عازمون على ذلك بالفعل.

فقبل أيام قليلة من إعلان قطر خطة زيادة إنتاجها من الغاز المسال المشار إليها آنفًا، وقّعت إيران عقدًا بقيمة 4.8 مليارات دولار مع تحالف شركات عالمية، تقوده شركة "توتال" الفرنسية، وبموجب العقد -الذي يمتد لعشرين عامًا- سيستثمر التحالف 2 مليار دولار في تطوير المرحلة الحادية عشرة من حقل "بارس الجنوبي"، وهو الحقل الذي تقتسمه قطر مع إيران، والذي يعد الأكبر عالميًّا، إذ يحتوي على 50.97 تريليون متر مكعب من الغاز، وتبلغ مساحته في الجزء القطري 6 كلم مربع، في حين تبلغ مساحة الجزء الإيراني منه 3.7 كلم مربع. 

ويمثل تطوير الشق الإيراني عامل إغراء بالنسبة للحكومة الإيرانية التي تسعى منذ سنوات إلى استقطاب الشركات العالمية لهذا الغرض، وهو ما نجحت فيه بالفعل، من خلال الاتفاق الأخير مع شركة "توتال". ومن هنا يُرجَّح أن تشهد إيران طفرة في إنتاج الغاز خلال الفترة المقبلة، وأن تتجه بقوة نحو صناعة الغاز المسال، وهي مؤهلة بقوة للمنافسة في ذلك، في ظل أن لديها أكبر احتياطي عالمي من الغاز الطبيعي.

وداخل النطاق الإقليمي نفسه، توجد السعودية، التي بدت -خلال الفترة الماضية- أكثر عزمًا على التوجه نحو الاستثمار في صناعة الغاز المسال. وقد أعلن وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي خالد الفالح، أثناء مشاركته في منتدى سان بطرسبرج الاقتصادي الدولي في يونيو 2017، أن "شركة أرامكو تتوجه إلى الاستثمار في إنتاج الغاز المسال حول العالم". وتأتي هذه الخطوة ضمن "رؤية المملكة 2030"، ومن المخطط أن تنطلق "أرامكو" في تنفيذها بعد إجراء الطرح العام الأولي لبعض أصولها، كما هو مخطط وفق الرؤية.

وتمتلك السعودية -بدورها- إمكانات تؤهلها للمنافسة بقوة في صناعة الغاز المسال، فهي تمتلك سادس أكبر احتياطي عالمي مؤكد من الغاز الطبيعي، كما أنها عازمة على تنويع مصادر الطاقة لديها، كأحد أهم أهداف رؤيتها المستقبلية. وبجانب ذلك، قد تُمثل الأزمة القطرية أحد العوامل المحفِّزة لها للتوسع في صناعة الغاز المسال، كإحدى أدوات الضغط على الجانب القطري.

تزايد البدائل العالمية: 

بالانتقال إلى النطاق العالمي، نجد أن الأزمة القطرية تمثل عاملاً محفزًا بالنسبة لعدد من الدول لزيادة إنتاجها وصادراتها من الغاز المسال، بهدف مزاحمة قطر في هذه الصناعة.

وقد أعلنت شركة "نوفاتك" الروسية بالفعل أنها تطمح إلى منافسة قطر على هذا الترتيب، مع اقتراب الشركة من إتمام أول مشروعاتها لإنتاج الغاز المسال بنهاية عام 2017، بانتهاء المرحلة الأولى من مشروع "يامال" في القطب الشمالي، واقترابها من إتمام المرحلة النهائية من المشروع بعد ذلك بستة أشهر فقط. كما أعلنت الشركة أنها بصدد تدشين مشروع آخر للغاز المسال، وهو مشروع "القطب الشمالي 2"، الذي سيجعلها منتجًا عالميًّا كبيرًا في غضون عشر سنوات.

ومن الجدير بالذكر أن روسيا احتلت المرتبة السابعة في إنتاج الغاز المسال عام 2016، بمقدار 10.9 ملايين طن، بحصة 4.5% من السوق العالمية، وبإتمام مشروع "يامال" سيزداد إنتاجها بمقدار 16.5 مليون طن إضافي، ليصل إلى 27.4 مليون طن، لتحتل بذلك المرتبة الثالثة بين منتجي ومصدري الغاز المسال عالميًّا، بعد قطر وأستراليا.

ونظرًا لإمكاناتها الكبيرة، لا سيما احتياطياتها من الغاز، ورغبتها الشديدة في التوسع في الصناعة، فهي تستطيع المنافسة ومزاحمة قطر فيها؛ وهذا ما أكده بالفعل مارك جيتفاي (المدير المالي لشركة "نوفاتك") على هامش منتدى الطاقة في لندن، خلال شهر يونيو 2017، بقوله: "لدينا طموحات هائلة بأن نضاهي قطر".

وبالانتقال إلى الغرب، نجد الولايات المتحدة، التي تحتل المرتبة الأولى عالميًّا في إنتاج الغاز الطبيعي، لكنها لا تعد قوة كبيرة في إنتاج الغاز المسال حتى الآن، إذ إنها تحتل المرتبة 17 عالميًّا، بنسبة مساهمة تبلغ 0.1% من الإنتاج العالمي.

ويعود ذلك إلى أن سياسة الطاقة الأمريكية لم تكن تستهدف التصدير في العقود الماضية، كما أن الغاز الطبيعي الذي كانت تنتجه الولايات المتحدة لم يكن يكفي احتياجاتها، ناهيك عن التصدير. لكن سياسات الطاقة الأمريكية شهدت تحولات كبيرة منذ مجيء رئيسها دونالد ترامب إلى الحكم، فبدت أكثر إصرارًا على التوسع في إنتاج وتصدير موارد الطاقة، ومن بينها الغاز الطبيعي. وتنطلق سياسة الطاقة الأمريكية الحالية من واقع شهد تطورًا كبيرًا في صناعة الطاقة الأمريكية على مدار سنوات ماضية، كان قوامه التوسع في استخدام تكنولوجيا تكسير الصخور الزيتية، التي ساعدت في إحداث ثورة في الصناعة الأمريكية للنفط والغاز الصخريين.

وبفضل ذلك، تحولت الولايات المتحدة إلى دولة مصدِّرة للغاز المسال، وأرسلت شحنات منه إلى دول عدة، بداية من أوروبا، السوق المتعطشة للغاز، مرورًا بالشرق الأوسط، الغنية أصلاً بالنفط والغاز، وصولاً إلى آسيا، البعيدة عنها كثيرًا. 

وانطلاقًا من هذا الواقع، تقوم الولايات المتحدة حاليًّا بتشييد عدة مصانع جديدة لإنتاج الغاز المسال، والتي يتوقع أن ترفع صادراتها من هذا المورد إلى 60 مليون طن سنويًّا بحلول عام 2020. كما تخطط الولايات المتحدة لتصدُّر الترتيب العالمي في هذه الصناعة بحلول 2024، من خلال رفع صادراتها من الغاز المسال إلى 300 مليون طن سنويًّا، وهذا بالطبع سيكون على حساب قطر.

وبطبيعة الحال لا يمكن تجاهل فرص توسع أستراليا في صناعة الغاز المسال مستقبلاً، فبرغم ارتفاع تكاليف إنتاجه لديها، فلأستراليا مكانة متقدمة بالفعل في هذه الصناعة، فهي تحتل المرتبة الثانية بين أكبر منتجي ومصدري الغاز المسال في العالم، بعد قطر. كما أن قربها من الأسواق الآسيوية، المستورد الرئيسي للغاز لا سيما الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، يمنحها ميزات نسبية تؤهلها للمنافسة بقوة في هذه الصناعة.

وتقوم أستراليا في الوقت الحالي بتنفيذ عدة مشروعات لإنتاج وتصدير الغاز المسال، مما سيرفع طاقتها التصديرية إلى 63.8 مليون طن سنويًّا، لتقترب كثيرًا من قطر.

أخيرًا، إذا كانت فرص منافسة روسيا وإيران لقطر في إنتاج الغاز المسال وتصديره تظل قليلة ومحدودة، بسبب تأخر الصناعة في الأولى عن باقي مكونات القطاع النفطي، وبسبب التراجع الكبير الذي تعانيه صناعة النفط والغاز بشكل عام في الثانية، جراء العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة عليها طيلة عقود.

فإن هناك فرصًا كبيرة لكلٍّ من الولايات المتحدة وأستراليا لمنافسة قطر في هذا المجال، لا سيما في المديين المتوسط والطويل، مع استفادتهما مما تشهده الصناعة من تطور تكنولوجي، بجانب الضغوط التي تُعانيها قطر بسبب الأزمة الحالية، وكل ذلك يمثل عوامل إغراء بالنسبة لهما للتوسع في تلك الصناعة، واقتطاع نسب متزايدة من حصة قطر السوقية، وتزداد فرص حدوث ذلك إذا فشلت قطر في تنفيذ المشروعات التي أعلنت عنها مؤخرًا، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر بالطبع على القدرات الاقتصادية لقطر على المدى البعيد.