التقديرات

حسابات مرتبكة:

هل تغامر إيران بخسارة الدعم الأوروبي؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 02 أغسطس, 2017

حسابات مرتبكة:

منذ أن بدأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في توجيه تهديدات عديدة بالانسحاب من الاتفاق النووي، اتجهت إيران نحو رفع مستوى التنسيق مع الدول الأوروبية، لا سيما التي شاركت في المفاوضات التي سبقت الوصول للاتفاق، وذلك لتحقيق هدفين رئيسيين: يتمثل أولهما، في توجيه رسائل بأن الاتفاق يحظى بدعم من جانب كثير من القوى الدولية الساعية إلى تعزيز الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وتسوية الأزمة التي امتدت أكثر من عشر سنوات وزادت من احتمالات نشوب مواجهة عسكرية جديدة في المنطقة.

وربما كانت إيران تستعد أيضًا لما هو أبعد من ذلك، حيث لم تستبعد، على ما يبدو، احتمال انهيار الاتفاق وعودة ملفها النووي من جديد إلى مجلس الأمن، ومن ثم سعت في تلك اللحظة إلى تحسين علاقاتها مع القوى الكبرى، خاصة التي تملك حق الفيتو في مجلس الأمن، من أجل تقليص فرص تعرضها لعقوبات دولية أكثر قوة على غرار تلك التي فرضت عليها قبل الوصول للصفقة النووية.

وبمعنى أدق، فإن إيران اعتبرت أن الاتفاق النووي أدى إلى تطوير علاقاتها مع كثير من القوى الدولية، وفي مقدمتها الدول الأوروبية، التي لم تخف طموحاتها في رفع مستوى تعاونها الاقتصادي مع إيران، بشكل سوف يمثل، وفقًا لرؤية طهران، متغيرًا مهمًا سيساهم في تحديد اتجاهات السياسات التي سوف تتبناها تلك الدول في حالة ما إذا تحقق السيناريو الأسوأ الخاص بانهيار الاتفاق، بما يعني أن مواقفها ربما تختلف عن تلك التي اتخذتها خلال فترة ما قبل الوصول للاتفاق، عندما أيدت تلك الدول الإجراءات التي اتخذتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه إيران.

وينصرف ثانيهما، إلى محاولة دفع تلك الدول إلى التدخل وممارسة ضغوط على الإدارة الأمريكية من أجل إقناعها بعدم عرقلة استمرار العمل بالاتفاق وتأكيد التزام إيران به، خاصة فيما يتعلق بتقليص عمليات تخصيب اليورانيوم والاقتصار على استخدام أجهزة الطرد المركزي من الطراز الأول فقط وغيرها من البنود.

وقد بدا أن ذلك فرض تأثيرًا نسبيًا بالفعل، حيث سعى بعض المسئولين الأوروبيين إلى التدخل لدى الإدارة الأمريكية من أجل إقناعها بضرورة دعم فرص استمرار العمل بالاتفاق النووي، مستندين في هذا السياق إلى التقارير الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتي تكشف أن إيران ما زالت تلتزم بالجانب الفني فيه.

وربما يكون ذلك هو أحد أهداف الجولة الأوروبية التي قام بها وزير الخارجية محمد جواد ظريف وشملت كلاً من ألمانيا وإيطاليا، في الفترة من 26 إلى 28 يونيو 2017، حيث كان دور الاتحاد الأوروبي في دعم استمرار الاتفاق النووي خلال المرحلة القادمة هو محور مباحثاته مع المسئولين في روما وبرلين.

تغير مباغت:

لكن الإجراءات التي بدأت إيران في اتخاذها ردًا على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة الأخيرة، يبدو أنها سوف تساهم في تغيير مواقف الدول الأوروبية باتجاه ممارسة مزيد من الضغوط على إيران نفسها من أجل حثها على عدم انتهاك قرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي صدر عقب الوصول للاتفاق بأسبوع واحد.

إذ بدا لافتًا أن بعض الدول الأوروبية، على غرار فرنسا وبريطانيا وألمانيا، التي شكلت ما كان يسمى بـ"الترويكا الأوروبية" التي قادت المفاوضات مع إيران قبل تكوين مجموعة "5+1" في عام 2006، بدأت في الاقتراب من الرؤية الأمريكية تجاه الجهود الإيرانية المستمرة لتطوير الصواريخ الباليستية.

فبعد أن قامت إيران بإجراء تجربة لإطلاق صاروخ قادر على حمل أقمار صناعية، في 27 يوليو 2017، لم تكتف الولايات المتحدة الأمريكية بالمسارعة إلى فرض عقوبات جديدة على ست شركات إيرانية تابعة لـ"مجموعة شهيد همت الصناعية" التي تقوم بدور رئيسي في برنامج الصواريخ الباليستية، وذلك بعد ساعات قليلة من تصويت مجلس الشيوخ على عقوبات جديدة تشمل كلاً من إيران وروسيا وكوريا الشمالية، بل إنها أصدرت بيانًا مشتركًا مع كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا ندد بالتجربة الصاروخية الجديدة واعتبر أنها لا تتفق مع قرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي صدر في 20 يوليو 2015 وأُلغيت بمقتضاه العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على إيران، ووصف تصرف إيران بأنه "استفزازي ومزعزع للاستقرار".

رسالة لطهران:

حرص الدول الأوروبية الثلاث على مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في إصدار هذا البيان يمثل رسالة من جانبها إلى إيران ومفادها أنها لا تستطيع التعويل على الدعم الأوروبي لموقفها من التصعيد الأمريكي طالما أنها ما زالت تتعمد انتهاك الاتفاق أو على الأقل البحث عن ثغرات قانونية للالتفاف على بنوده، على غرار مزاعمها بأن صواريخها الباليستية ليست مخصصة لحمل أسلحة نووية، وهى النوعية التي يحظرها قرار مجلس الأمن.

وبعبارة أخرى، فإن تلك الدول لم تعد ترى أن المخاطر التي تهدد استمرار العمل بالاتفاق النووي مصدرها واشنطن فقط، وإنما طهران أيضًا، في ظل السياسة المتشددة التي تتبناها إيران، وتحديدًا المؤسسات الراديكالية في النظام، على غرار الحرس الثوري، التي تستغل أية فرص من أجل اتخاذ مزيد من الخطوات الاستفزازية التي تضع عقبات أمام مواصلة تطبيق الاتفاق. ومن هنا ارتأت تلك الدول، على ما يبدو، ضرورة ممارسة ضغوط على طهران من أجل إقناعها بعدم تعزيز احتمالات توقف العمل بالاتفاق من خلال الإجراءات التي تتخذها على غرار إجراء مزيد من التجارب الخاصة بالصواريخ الباليستية.

احتمالات ضعيفة:

لكن لا يبدو أن إيران سوف تستجيب بسهولة لتلك الضغوط التي لم تعد أمريكية فحسب بل أوروبية أيضًا، رغم أن هذه الضغوط بدأت تحدث ارتباكًا في سياستها وحساباتها، إذ أنها سوف تتخذ، على ما يبدو، مزيدًا من الإجراءات التصعيدية خلال المرحلة القادمة.

وربما يمكن القول إن ما يعزز ذلك هو حرص الرئيس حسن روحاني في الفترة الحالية على تهدئة حدة خلافاته مع الحرس الثوري ورؤساء السلطات المختلفة في النظام، وهو ما بدا جليًا في اجتماعه مع كبار المسئولين في الحرس، في 24 يوليو 2017، لا سيما قائد الحرس محمد علي جعفري وقائد "فيلق القدس" قاسم سليماني وقائد القوة الجوفضائية المسئولة عن برنامج الصواريخ الباليستية امير علي حاجي زاده، حيث حرص روحاني على تأكيد تقديم حكومته القادمة الدعم للمهام التي يقوم بها الحرس.

ويبدو أن هذه الخطوة التي ربما اتخذت بضوء أخضر من جانب المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي بعد تصاعد حدة التوتر على الساحة السياسية، كانت تهدف إلى تعزيز قدرة روحاني على تمرير تشكيلة حكومته الجديدة قبل بداية فترته الرئاسية الثانية في 5 أغسطس 2017، ووقف حملة الانتقادات التي يتعرض لها من جانب تيار المحافظين الأصوليين، والتي وصلت إلى درجة المطالبة بنزع الملف النووي من الحكومة وتسليمه إلى لجنة خبراء متخصصين يقومون بالإشراف عليه وهى المبادرة التي طرحها رئيس تحرير صحيفة "كيهان" (الدنيا) حسين شريعتمداري بحجة أن الحكومة لم تحقق نجاحًا في إدارة هذا الملف مع القوى الدولية بدليل الانتكاسات التي تعرض لها الاتفاق خلال الأعوام الماضية.

ومن دون شك، فإن ذلك لا ينفصل عن الجدل الذي يتصاعد في إيران خلال الفترة الحالية حول ما يمكن تسميته بـ"حصة" المرشد في التشكيلة الحكومية، وهو الجدل الذي يبدو أن خامنئي سمح به من أجل توجيه رسالة للداخل، وإلى روحاني تحديدًا، بأنه لن يستطيع الذهاب بعيدًا في سياسته الداخلية والخارجية، حتى لو حاول ذلك على غرار الرؤساء السابقين، في ظل النفوذ القوى الذي يحظى به المرشد والمؤسسات الراديكالية في النظام.