التحليلات - التغيرات السياسية

قلق روما:

مستقبل الوساطة الفرنسية في الأزمة الليبية

عبداللطيف حجازي

الثلاثاء, 01 أغسطس, 2017

قلق روما:

منذ وصول "إيمانويل ماكرون" إلى سدة الرئاسة في فرنسا، تسعى بلاده إلى لعب دور محوري في الأزمة الليبية بإقناع القوى المتناحرة بإنهاء الاضطرابات التي سمحت لإرهابيين، لا سيما تنظيم "داعش" الذي خسر نفوذه في العراق وسوريا، بأن يكسبوا مواطئ أقدام بتلك الدولة التي يعمها عدم الاستقرار وانعدام الأمن بعد انتهاء حكم العقيد "معمر القذافي"، وازدهار نشاط مهربي البشر في ظل غياب حكومة مركزية قوية.

وفي محاولة للتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة، استضافت مدينة "لاسيل سان كلو" الفرنسية، في 25 يوليو 2017، اجتماعًا جمع رئيس حكومة الوفاق الوطني "فايز السراج" بالقائد العام للجيش الليبي المشير "خليفة حفتر" برعاية الرئيس الفرنسي وبحضور موفد الأمم المتحدة الجديد إلى ليبيا "غسان سلامة"، وأسفر الاجتماع عن توقيعهما على بيان مشترك من عشر نقاط لتسوية الأزمة السياسية بالبلاد.

ومن أبرز ما جاء في البيان، التأكيد على الحل السياسي للأزمة الليبية من خلال عملية مصالحة وطنية تجمع كافة الليبيين، وبناء دولة مدنية ديمقراطية ذات سيادة، والعمل على تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية في أقرب وقت ممكن، وبذل الجهود اللازمة لدمج المقاتلين الراغبين في الانضمام إلى القوات النظامية، والدعوة إلى نزع السلاح، وتسريح المقاتلين الآخرين، وإعادة إدماجهم في الحياة المدنية، والالتزام بوقف إطلاق النار، وتفادي اللجوء إلى القوة المسلحة في جميع المسائل الخارجة عن نطاق مكافحة الإرهاب.

ويرى مراقبون أن تصاعد الدور الفرنسي في إدارة الأزمة الليبية يثير غضب إيطاليا التي سبق أن تولت قيادة الجهود الرامية إلى إحلال السلام بين القوى الليبية المتصارعة، لتخوفها من تبعات هذا الدور على نفوذها في ليبيا، والجهود التي تبذلها لتسوية الأزمة السياسية، ولعدم إشراكها في تنظيم اللقاء.

دوافع الوساطة الفرنسية:

جاءت المبادرة الفرنسية لدفع عملية تسوية الأزمة الليبية لمجموعة من الأسباب، يتمثل أهمها في الآتي:

1- التخوف من تجدد الحرب الأهلية في ليبيا حال استمرار تعثر التسوية السياسية، وتنفيذ حفتر تهديداته بالتوجه نحو العاصمة طرابلس للسيطرة عليها بعد نجاحه في تحرير مدينة بنغازي من التنظيمات الإرهابية في 5 يوليو الجاري، والسيطرة على معظم المنطقة الجنوبية. وينبع التخوف الفرنسي من التداعيات السلبية لما سبق على مستقبل التسوية السياسية للأزمة، وأمن واستقرار منطقة البحر المتوسط.

2- دعم الجهود الفرنسية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء، وللحد من الهجرة غير الشرعية التي تنطلق من الشواطئ الليبية باتجاه أوروبا، حيث تستغل التنظيمات الإرهابية الفوضى المنتشرة بهذه الدولة لإقامة معسكرات للتدريب والإعداد لشن عمليات إرهابية بالدول الغربية ومنطقة الساحل والصحراء، كما تستفيد شبكات الهجرة غير الشرعية من تلك الفوضى لنقل المهاجرين من إفريقيا عبر ليبيا إلى شواطئ أوروبا. ولهذا ترى باريس أن تحقيق الاستقرار في طرابلس وتسوية الأزمة أمر ضروري.

3- استباق مباشرة المبعوث الأممي الجديد "غسان سلامة" لمهامه الفعلية، وبلورته لتصور جديد لحل الأزمة الليبية في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة، لفرض وجهة نظره بشأن التسوية السياسية لها، والتي تقوم على إشراك المشير حفتر في السلطة باعتباره لاعبًا أساسيًّا في مواجهة التنظيمات الإرهابية، بجانب حكومة الوفاق الوطني، والأجهزة التابعة لها باعتبارها صاحبة الشرعية السياسية بموجب الاتفاق السياسي الذي وُقِّع بالصخيرات في ديسمبر 2015.

انزعاج إيطالي:

أثارت الوساطة الفرنسية في الأزمة الليبية قلق وانزعاج إيطاليا من تبعات دور باريس على نفوذها والجهود التي تبذلها لتسوية لتلك الأزمة، خاصة وأن روما كانت خلال الفترة الأخيرة هي المنسق الرئيسي للجهود الدبلوماسية الأوروبية والأمريكية بشأن الملف الليبي. وقد غضبت من عدم إشراكها في تنظيم لقاء المسئولين الليبيين وإبلاغها بتفاصيله، وكانت معظم المعلومات التي تحصّلت عليها بشأن اللقاء مصدرها شخصيات ليبية مقربة من السراج وحفتر. 

ولهذا، شنّ عدد من المسئولين الإيطاليين هجومًا على الدور الفرنسي في ليبيا؛ حيث صرح وزير الدولة الإيطالي للشئون الأوروبية "ساندرو غوزي" بأن "على فرنسا ألا تكرر في ليبيا الأخطاء التي ارتكبتها في الماضي"، في إشارة إلى دعمها التدخل الدولي في ليبيا عام 2011 للإطاحة بالعقيد معمر القذافي، مشددًا -في الوقت ذاته- على أن سلوك "ماكرون" تجاه الأزمة يجب أن يكون جامعًا، ويستند إلى علاقة خاصة مع روما.

كما دعا وزير الخارجية الإيطالي "أنجلينو ألفانو" إلى توحيد جهود الوساطة بشأن الأزمة الليبية، وتركيزها في مبعوث الأمم المتحدة "غسان سلامة"، محذرًا من أن كثرة الوسطاء والمبادرات، واهتمام كل دولة بشئونها عند التدخل في تسوية الأزمة؛ سيؤدي -في النهاية- إلى نزع الشرعية عنها. مضيفًا أن المبادرة الفرنسية ليست الأولى، ويُخشى من أنها لن تكون الأخيرة.

ومع كشف إيطاليا عن مخاوفها من المبادرة الفرنسية لحلحلة الأزمة الليبية؛ سارعت باريس إلى تهدئة روما، وتبديد مخاوفها، حيث قام وزير الخارجية الفرنسي "جون إيف لودريان" بزيارة إلى إيطاليا في 24 يوليو الجاري عشية لقاء السراج وحفتر، أكد خلالها أنه "لا يمكن لأحدٍ منا أن يفعل شيئًا دون الآخر في الأزمة الليبية". وأكد مكتب الرئيس الفرنسي أيضًا أن المبادرة لا تعني عدم احترام روما، وأن المبادرة لا تستثني الآخرين. كما أجرى "لودريان" اتصالاً تليفونيًّا بنظيره الإيطالي "ألفانو" في 26 يوليو أطلعه فيه على نتائج اللقاء، وتم الاتفاق خلاله على استمرار التنسيق المستمر بين البلدين حول الملف الليبي، والعمل المشترك مع الأمم المتحدة في هذا الشأن.

ويأتي الانزعاج الإيطالي من الدور الفرنسي في ليبيا لعدة أسباب، يتمثل أبرزها في الآتي:

1- رؤية إيطاليا أن لها الأولوية في تزعم الجهود الأوروبية لتسوية الأزمة الليبية، وأن أية تحركات في هذا الصدد يجب أن تكون بالتنسيق معها، باعتبارها أكثر الدول الأوروبية تضررًا من الأزمة، خاصة فيما يتعلق بالهجرة غير الشرعية التي تنطلق من الشواطئ الليبية. فمنذ مطلع العام الحالي وصل إلى إيطاليا نحو 92 ألف مهاجر غير شرعي انطلاقًا من الشواطئ الليبية، فضلاً عن أن طرابلس تُعد إحدى المستعمرات السابقة لروما.

2- تباين وجهتي نظر إيطاليا وفرنسا تجاه الأزمة الليبية، ففي الوقت الذي تُقدم فيه الأولى دعمها السياسي والعسكري لحكومة الوفاق الوطني والتنظيمات الداعمة لها في غرب ليبيا بتأسيسها غرفة عمليات أمنية مشتركة (ليبية إيطالية) بطرابلس في سبتمبر 2016 تضم خبراء من أجهزة الاستخبارات ووزارة الأمن العام ووزارة الدفاع الإيطالية، فضلاً عن نشرها نحو 100 جندي من قواتها الخاصة بمدينة مصراتة في إطار دعمها للقوات الموالية للحكومة في معاركها ضد تنظيم داعش، والتصدي لعمليات الهجرة غير الشرعية. فإن فرنسا -في المقابل- تقدم دعمًا عسكريًّا للمشير حفتر وقواته بالشرق الليبي؛ حيث قُتل ثلاثة ضباط صف فرنسيون في 19 يوليو 2016 بغرب مدينة بنغازي شرق ليبيا، وهو ما أكدته باريس بإعلانها عقب هذ الحادث عن وجود فرق من قواتها الخاصة بداخل ليبيا لتأكيد وجودها في أي مكان في المعركة ضد الإرهابيين.

3- ترى بعض التحليلات الإيطالية أن فرنسا باستقبالها لحفتر أعطته شرعية دولية، ومنحته اعترافًا بشرعية تحركاته العسكرية على الأرض دون تقديمه تنازلات حقيقية لدفع التسوية السياسية في ليبيا، الأمر الذي سيزيد من تعقيدات الأزمة، وسيجعل الدور الإيطالي في تحقيق الاستقرار بالدولة أكثر صعوبة.

مستقبل الوساطة الفرنسية:

رغم أهمية مخرجات لقاء السراج وحفتر بفرنسا في تحريك جمود عملية التسوية السياسية للأزمة؛ إلا أن نجاح تلك الوساطة وتنفيذ مخرجاتها على الأرض يُواجَهُ بمجموعة من العراقيل، يتحدد أبرزها في:

1- مواقف القوى والتنظيمات الإسلامية الداعمة لحكومة الوفاق الوطني، والمسيطِرة فعليًّا على الأرض في غرب ليبيا من المبادرة الفرنسية، حيث إنها ترفض فكرة إشراك حفتر في السلطة، وتعتبره امتدادًا للثورة المضادة. وقد انعكس ذلك في إعلان حزب "العدالة والبناء" (الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا) أن عقد أي لقاءات برعاية دول منفردة هو انحراف عن المسار السياسي للاتفاق السياسي، ويفتح المجال لأجندات تلك الدول بتغليب طرف على الآخر، وتعميق هوة الخلاف واستمرار الانقسام والأزمة.

2- يُعد التحفظ الإيطالي على الوساطة الفرنسية، وعدم وضوح الموقف الجزائري تجاه مخرجات اللقاء؛ أكبر عائقين أمام نجاحها، خاصة وأن الدولتين أكبر داعمين لحكومة الوفاق الوطني، والتنظيمات الداعمة لها في الغرب الليبي.

3- تزايد احتمالية عدم التزام طرفي الأزمة الليبية ببنود البيان المشترك الصادر عن لقائها بفرنسا. وقد ظهرت بوادر ذلك في تصريح حفتر لصحيفة "الشرق الأوسط" يوم 27 يوليو الجاري بأنه "ليس كل الأمور التي وردت في بيان باريس يمكن أن تتحقق، لكن على الأقل جزء منها". ويزيد هذا التصريح من المخاوف بأن المشير استغل اللقاء للاعتراف بنفوذه على الأرض، وإضفاء الشرعية على تحركاته.

4- صعوبة تنفيذ عدد من بنود البيان المشترك على الأرض، خاصة فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية؛ نظرًا لوجود العديد من الميليشيات المسلحة التي يصعب السيطرة عليها، والخلافات المتوقعة بشأن توحيد وتركيبة المؤسسات الأمنية، وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية في ظل تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية في ليبيا.

وفي الختام، شكَّل لقاءُ السراج وحفتر بفرنسا اعترافًا بمكانة ونفوذ الأخير على الأرض، وأضفى شرعية على الحرب التي يخوضها ضد الجماعات الإرهابية في ليبيا. كما تعد مخرجاته خطوة هامة على طريق التسوية السياسية للأزمة هناك. إلا أن هناك شكوكًا حول مدى نجاحه في إحداث تطور حقيقي في مجال التسوية السياسية للأزمة في ظل العراقيل العديدة التي تواجه تنفيذه على الأرض.