التقديرات

ضغوط متزايدة:

تداعيات استهداف قيادات "داعش" في أفغانستان

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الخميس, 20 يوليو, 2017

ضغوط متزايدة:

تبدي الولايات المتحدة الأمريكية اهتمامًا خاصًا بالحرب ضد تنظيم "ولاية خراسان"، فرع تنظيم "داعش" في أفغانستان، لما يفرضه من تهديدات لحالة الاستقرار الأمني داخل الأخيرة، بشكل دفعها إلى توجيه ضربات عديدة ضد مواقعه وقياداته خلال الفترة الأخيرة. فبعد استهدافها لأحد معاقله في منطقة نانجارهار بالقرب من الحدود الباكستانية، باستخدام ما يعرف بـ"أم القنابل"، في إبريل 2017، شنت القوات الأمريكية غارة جوية، في 11 يوليو الجاري، أسفرت عن مقتل القائد الجديد للتنظيم، الذي يدعى أبو سيد، في ثالث عملية من نوعها تستهدف قيادة التنظيم، بعد القائد عبد الحسيب الذي قتل قبل ذلك بثلاثة أشهر، وحفيظ السيد خان الذي قتل في عام 2016، وهو ما يبدو أنه سوف يفرض، في الغالب، تداعيات عديدة على تماسك التنظيم وقدرته على مواصلة جهوده لدعم نفوذه داخل أفغانستان. 

توقيت لافت:

جاء الاستهداف الأمريكي لقائد ما يعرف بـ"ولاية خراسان"، في سياق سعى واشنطن إلى القضاء على التنظيم وإنهاء وجوده في أفغانستان بالتوازي مع استمرار الحرب ضده في كل من سوريا والعراق، حيث منى بهزيمة قوية في مدينة الموصل التي تم تحريرها في 10 يوليو الحالي وتستعد أطراف عديدة لاقتحام معقله في مدينة الرقة خلال الفترة القادمة. 

وقد انعكست هذه السياسة الأمريكية في التصريحات التي أدلى بها الجنرال جون نيكلسون قائد القوات الأمريكية في أفغانستان، في يونيو 2017، وتعهد فيها بالقضاء على تنظيم "داعش" في أفغانستان هذا العام، بشكل يكشف عن مدى الأهمية التي توليها واشنطن لهذا الملف تحديدًا. 

ومن دون شك، لا يمكن فصل هذا الاهتمام الأمريكي بالقضاء على تنظيم "داعش" في أفغانستان عن مجموعة متغيرات رئيسية: يتمثل أولها، في تزايد التحذيرات من احتمال اتجاه تنظيم "داعش" إلى التمدد داخل أفغانستان، بعد سيطرته على عدد من المناطق وفرض قوانينه الصارمة فيها، والتي قام بالترويج لها عبر إصدار "الحياة في ظل الشريعة"، والذي نشره في 22 فبراير 2017، وهو ما اعتبرته اتجاهات عديدة مؤشرًا على سعى التنظيم إلى تمهيد المجال أمام استقبال عدد من عناصره الذين يمكن أن ينتقلوا من المناطق التي خسرها في العراق وسوريا إلى أفغانستان.

وينصرف ثانيها، إلى محاولة تنظيم "ولاية خراسان" تصعيد عملياته داخل أفغانستان، في إطار صراعه المتواصل مع حركة "طالبان"، على غرار الهجوم على المستشفى العسكري في كابول في مارس 2017، والذي أسفر عن مقتل نحو 60 شخصًا، فضلا عن الهجوم الآخر الذي وقع بالقرب من السفارة الأمريكية في مايو 2017، واستهدف رتل مدرعات تستخدمها مهمة "الدعم الحازم" التي يقودها حلف الناتو في أفغانستان.

وهنا، أشارت اتجاهات عديدة إلى أن ذلك سوف يفرض تهديدات مباشرة على حالة الاستقرار في أفغانستان، لا سيما في ظل سعى "داعش" إلى تقليص نفوذ حركة "طالبان"، حيث ربطت هذه الاتجاهات بين تصعيد عمليات التنظيم وبين إعلان الحركة عن شن ما يسمى بـ"هجمات الربيع" بداية من إبريل الماضي.

وفي هذا السياق، أشار تقرير دولي أصدرته "هيئة المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان" في مايو 2017 إلى أن أفغانستان تعيش سنة دامية وأن أعداد الجنود الذين يسقطون في المواجهات المسلحة مع "طالبان" وغيرها من التنظيمات الإرهابية مخيفة ومرتفعة جدا.

ويتعلق ثالثها، بعودة قلب الدين حكمتيار زعيم "الحزب الإسلامي" إلى العاصمة الأفغانية كابول، في إبريل 2017، بعد إبرامه اتفاق سلام مع الحكومة الأفغانية، في سبتمبر 2016، برعاية أمريكية، للانخراط في العملية السياسية، واتجاهه إلى دعوة التنظيمات المسلحة للتخلى عن السلاح، وهو ما لاقى رفضًا من جانب "داعش"، الذي اعتبر أن ذلك ربما يكون مقدمة لتصعيد حدة الضغوط التي يتعرض لها داخل أفغانستان من قبل بعض الأطراف المنخرطة في الصراع الأفغاني.

تداعيات محتملة:

ربما يفرض مقتل القائد الثالث لتنظيم "ولاية خراسان" تداعيات عديدة على الأخير خلال المرحلة القادمة، يمكن تناولها على النحو التالي:

1- الحد من الانتشار الجغرافي: تهدف الضربات الأمريكية المتتالية إلى تقليص قدرة التنظيم على توسيع نطاق نشاطه ونفوذه داخل أفغانستان، وهو ما عبر عنه البيان الصادر عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) في 14 يوليو الحالي، والذي اعتبر  أن "مقتل أبو سيد سيعطل بشكل ملموس مخططات التنظيم الإرهابي لتوسيع وجوده في أفغانستان"، وذلك في إطار إدراك الولايات المتحدة للأهداف التي يسعى التنظيم إلى تحقيقها، والتي عبر عنها أبو عمر الخراساني أحد قادة التنظيم بوضوح عقب استيلاء عناصر التنظيم على منطقة "تورا بورا"، بقوله أن "هذه الخطوة ليست النهاية، وإنما هى مجرد بداية للاستيلاء على مزيد من الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة الأفغانية وحركة طالبان".

2- نشوب أزمة قيادة: بسبب الضربات التي استهدفت قيادات التنظيم خلال الفترة الأخيرة. ورغم أن التنظيم تمكن من احتواء الأزمات المحتملة التي كان من الممكن أن يفرضها مقتل هذه القيادات، إلا أن ذلك لا يبدو احتمالا قائما باستمرار، إذ قد تظهر صراعات داخلية على قيادة التنظيم خلال الفترة القادمة، خاصة أن الهزيمة التي منى بها التنظيم في الموصل وتزايد الضغوط المفروضة عليه في الرقة، ربما تنتج ارتدادات سريعة على تماسك التنظيم في أفغانستان، لا سيما في حالة ما إذا تمكنت بعض العناصر التي تنتمي إليه من الانتقال إلى معاقله داخل الأخيرة، بشكل قد يؤثر على توازناته الداخلية ويصعد من حدة المنافسة على تولي مناصبه القيادية.

كما أن التنظيم قد يسعى خلال الفترة القادمة إلى إجراء تغيير في سياسته للتعامل مع استهداف قياداته، من خلال فرض حالة من التعتيم على القيادة الجديدة أو تقييد تحركاتها، على غرار النموذج الذي تبنته "طالبان" في السابق، حيث كان قائدها السابق الملا محمد عمر غير معروف إلى حد ما، إلا أن ذلك قد يعرض التنظيم لانتقادات قوية من جانب منافسيه، خاصة أنه سبق أن هاجم تلك السياسة التي اتبعتها "طالبان" واعتبر أنها لا تؤدي إلى حماية القيادة بل إلى عزلها.

3- تراجع القدرات: إذ أن استمرار تلك الضربات الموجهة لمواقع وقيادات التنظيم تؤثر على توازن القوى القائم مع التنظيمات الأخرى، وربما تعرقل جهوده في استقطاب مزيد من العناصر الإرهابية المؤيدة لأفكاره، بشكل قد يعزز من احتمالات تراجع سيطرته على بعص المناطق على غرار ما حدث في العراق وسوريا.

وفي النهاية، ربما يمكن القول إن ارتدادات التطورات الميدانية في سوريا والعراق يبدو أنها سوف تصل سريعًا إلى أفغانستان، ليس فقط في ظل سعى "داعش" إلى توسيع نطاق نفوذه وإنما أيضًا بسبب تزايد الاهتمام الدولي بمحاربة الإرهاب داخل أفغانستان.