التقديرات

دوائر النفوذ:

أسباب وتداعيات تنامي القوة العسكرية الروسية في سوريا

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 19 يوليو, 2017

دوائر النفوذ:

ساهمت التفاهمات الروسية– الأمريكية التي تم التوصل إليها على مدار الأسابيع القليلة الماضية في توسيع دائرة وقف إطلاق النار في سوريا على جبهات المعارك المختلفة، وربما يرتفع مستوى هذه التفاهمات لتشمل الساحة السورية بشكل عام باستثناء جبهة العمليات القتالية في الرقة ضد تنظيم "داعش"، ومنطقة العمليات الموازية في الغوطة ضد "جبهة النصرة" أو "جبهة فتح الشام". 

ومن المفترض أن تعزز هذه التفاهمات من احتمالات صياغة ترتيبات أمنية تشمل شكل ونمط الانتشار والتسليح في مناطق وقف إطلاق النار والتي تقتضي الانتقال بطبيعة الحال من النمط الهجومي إلى النمط الدفاعي الذي تفرضه آليات تسليح قوات المراقبة. لكن على العكس من ذلك هناك مؤشرات تكشف عن مساعٍ حثيثة من جانب روسيا لتعزيز قدراتها العسكرية في سوريا، سواء بشكل عام من خلال توسيع قواعدها المركزية البحرية والجوية أو عبر العمليات التكتيكية في جبهات القتال، بما يعنى أن لدى روسيا خطة عملية مستقبلية متطورة تختلف كلية عن توجهاتها السابقة التي كانت تنحى إلى تخفيف ثقل الوجود العسكري في سوريا تدريجيًا بما يتوافق مع التطورات السياسية الخاصة بجهود تسوية الأزمة.

لكن ذلك لا ينفي أن تبلور دور إقليمي مختلف لروسيا سيرتبط بمتغير آخر لا يقل أهمية ويتعلق بتوسيع نطاق الوجود الأمريكي في سوريا، في ظل السياسة الجديدة التي تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب للتعامل مع التطورات السياسية والميدانية للأزمة.

خطوات متوازية:

 تستعد روسيا إلى زيادة جديدة في تمركزها العسكري في سوريا، من خلال توسيع ورفع قدرات قواعدها البحرية والجوية في طرطوس واللاذقية وحميميم، في إطار الاتفاقيات التي وقعت مع النظام السوري مطلع العام الجاري وتم التصديق عليها الشهر الماضي لتدخل حيز التنفيذ على الفور. وبتحليل مضامين هذه الاتفاقيات، يتضح أن موسكو تعمل على بقاء طويل الأجل قد يمتد، حسب تقديرات اتجاهات عديدة، لنصف قرن في سوريا، لكن على عكس ما تشير إليه الاتفاقيات من مهام، فإن نمط وحجم التسليح الذي تشهده تلك القواعد يعنى تعزيز الحالتين الدفاعية والهجومية الروسية في ساحة المعارك إلى جانب مزيد من الهيمنة على الفضاء الجوى السوري عسكريًا.

فضلا عن ذلك، فإن المعطيات الخاصة بالإطار البحري في الاتفاقيات الجديدة تسمح بانتشار عسكري روسي يتجاوز متطلبات الدفاع المحلية إلى الدائرة الإقليمية، إضافة إلى أن المدة الزمنية اللازمة لإنجاز عمليات التطوير في طرطوس قد تصل، وفقًا لتوقعات خبراء روس، إلى خمس سنوات، بما يعني أن الأمر لا يقتصر على دور مرحلي لروسيا في سوريا، باعتبار أن الأخيرة لا تمثل ساحة عمليات فقط، وإنما نقطة انطلاق لأدوار مختلفة لموسكو في المنطقة بشكل عام. 

 لكن اللافت في هذا السياق، هو أن تعزيز الوجود العسكري الروسي داخل سوريا يتزامن مع ارتفاع مستوى التقارب الروسي– الأمريكي في سوريا مرحليًا، والذي عكسته التفاهمات المتتالية والخاصة بتوسيع دائرة وقف إطلاق النار وإقرار اتفاقات هدنة متتابعة كان آخرها في مدينتى حمص وإدلب. 

ويبدو أن استمرار تلك التفاهمات سوف يكون أحد محاور المباحثات التي انطلقت أولى جلساتها في يوليو الحالي، في الأردن بمشاركة 9 فصائل من المعارضة المسلحة مع المبعوث الأمريكي إلى سوريا مايكل راتني، والتي سبقتها بعشرة أيام تفاهمات روسية– أمريكية أسفرت عن إقرار هدنة تشمل محافظات القنيطرة والسويداء ودرعا، واقتضت بالتبعية إرسال قوة مراقبين روسية إلى المدينة الأخيرة تنفيذًا للاتفاق. لكن تقارير محلية ودولية أفادت بأن الدفعة الأولى التي وصلت إلى المنطقة لا تبدو كقوة مراقبين وإنما قوة عسكرية وهو ما تعكسه مظاهر التسليح وشكل الانتشار، بما يعنى أن روسيا ربما تستعد لفرض التفاهمات بالقوة العسكرية وليس مجرد مراقبتها.  

ومن المتصور أنه في حالة الوصول إلى تفاهمات شاملة لوقف إطلاق النار ستشمل هدوءًا على جبهات القطاعات الشمالية والجنوبية والجنوبية الغربية بين قوات النظام وفصائل المعارضة برعاية أمريكية– روسية، فإن ذلك سوف يمثل دعمًا قويًا لمباحثات التسوية القادمة فى الأستانة وجنيف. فعمليًا لن يكون متبقيًا سوى مناطق عمليات الغوطة التي تتمركز فيها "جبهة النصرة"، والتي ستكون محورًا لمباحثات روسية– أمريكية قادمة للتعامل معها عسكريًا، إلى جانب منطقة عمليات الرقة الخاصة بالمواجهات مع "داعش". 

أهداف طويلة المدى:

يبدو أن موسكو تسعى من خلال ذلك إلى تبني استراتيجية لتوسيع نطاق وجودها المستقبلي في الساحة السورية في مقابل تعزيز الوجود الأمريكي سواء في قاعدة التنف على الحدود الجنوبية السورية مع العراق أو في قاعدة الرقة إلى جانب قاعدة الشدادى في الحسكة، بما يؤشر إلى أن هناك سباقًا عسكريًا روسيًا– أمريكيًا يتجاوز تكتيكات المعارك الراهنة إلى ما بعدها، بالإضافة إلى التكتيك المرحلي الخاص بتنفيذ بنود التفاهمات التي يتوصل إليها الطرفان بالقوة.

فعلى سبيل المثال، حرصت موسكو على تجربة الدبابة حديثة الصنع "بي أم بي تي-72" في حضور رئيس النظام السوري بشار الأسد فى قاعدة حميميم، وهى دبابة مصممة لأغراض قتالية هجومية عالية وخاصة نمط حروب المدن، حيث أنها مزودة بمجموعة كاملة من الأسلحة المختلفة، بما في ذلك مدفعين 30 ملم وأربعة صواريخ مضادة للدبابات "أتاك-تي" ومدفع رشاش ثقيل، بما يمكنها من الاشتباك مع آليات المشاة والعربات المدرعة الخفيفة والدبابات ومواقع إطلاق النار المحصنة، ويعنى ذلك تعزيز القدرات الهجومية والانخراط في معارك حاسمة، وهو ما يشير إلى أن خطة العمل الروسية المحتملة لن تتوقف عند حدود دور المراقب ولا عند مدى مرحلي منظور.

وعلى مستوى القواعد البحرية، ووفقًا لاتفاق تم التصديق عليه مؤخرًا، سوف يتم السماح لروسيا بمضاعفة عدد السفن الحربية المتواجدة في سوريا، وحسب ما كشفت عنه وكالة "تاس" الروسية، فإن هذا التوسع سيوفر رسوًا متزامنًا لما يصل إلى 11 سفينة حربية بما في ذلك السفن التي تعمل بالطاقة النووية أى أكثر من ضعف قدراتها الحالية المعروفة. وإذا كانت القاعدة تسمح بـ5 قطع بحرية، فإن توسيع وتعميق الميناء يعنى أن روسيا ستزيد في فترة ما بعد الحرب الأهلية في سوريا تلك القواعد بما يعنى أن هناك دورًا آخر مرتقبًا لهذا الوجود الروسي في سوريا يتجاوز الإطار المحلى إلى الإقليمي.

ارتدادات محتملة:

 تطرح التفاهمات التي توصلت إليها كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية علامات استفهام حول أدوار الأطراف الأخرى المعنية بتطورات الأزمة في المستقبل، خاصة وأن هناك تفاصيل ضمنية يرجح أنها ستشكل مؤشرات مستقبلية مهمة، منها على سبيل المثال ما تطرق إليه مايكل راتنى في لقاء عمان بالإشارة إلى التركيز على دور فاعل للشرطة في المستقبل في محافظة درعا لحفظ الأمن وتوفير الشروط المناسبة لعودة اللاجئين السوريين في الأردن، مع منح واشنطن ضمانات بعدم تعرض المنطقة لأى قصف أو اعتداءات. 

وبالطبع، فإن المشاركة في ترتيبات الأمن بين روسيا والمعارضة، إن صحت هذه الأنباء التي نقلتها صحف محلية عن لقاء عمان، ربما تحد من أدوار الميليشيات الطائفية في المستقبل، لا سيما في حالة ما إذا تم تشكيل مجالس إدارات محلية في تلك المناطق، وهو ما لا يبدو أنه سيكون محل قبول من جانب قوى أخرى مثل إيران.   

وربما تدعم التحركات الروسية-الأمريكية احتمالات التحول من تقاسم مناطق النفوذ إلى تقاسم مناطق الانتشار والتسلح العسكري ما بين موسكو وواشنطن، إلى جانب إعادة هندسة أدوار ومهام الشركاء المحليين على الأرض ودوائر تمركزهم، بشكل يوحي في النهاية بأن الأزمة السورية قد تكون مقبلة على استحقاقات عديدة سوف تؤثر بدرجة كبيرة على مساراتها المحتملة خلال المرحلة القادمة.