التقديرات

اختراق مشروط:

فرص صمود اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب السوري

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 12 يوليو, 2017

اختراق مشروط:

أعلنت الولايات المتحدة وروسيا والأردن في 7 يوليو الجاري التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار في جنوب غرب سوريا ابتداءً من يوم 9 يوليو الجاري، وذلك في أعقاب لقاء الرئيسين الأمريكي "دونالد ترامب" والروسي "فلاديمير بوتين" على هامش قمة العشرين في مدينة هامبورج الألمانية.

مضمون الاتفاق: 

على الرغم من عدم نشر تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب غرب سوريا، فإن التقارير المختلفة تشير إلى أن أبرز عناصره تتمثل فيما يلي: 

‌أ. وقف إطلاق النار في محافظات درعا والسويداء والقنيطرة في الجنوب الغربي لسوريا بين القوات النظامية والجماعات المرتبطة بها من جانب وقوات المعارضة من جانب آخر، على طول خطوط تماس اتفقت واشنطن وموسكو وعمان عليها. 

ب- أن يكون هذا الاتفاق خطوة تمهيدية تهدف إلى التوصل إلى وقف دائم للتصعيد في جنوب سوريا، وعلى أن يكون أمن المنطقة المتفق عليها على عاتق الشرطة العسكرية الروسية بالتنسيق مع الجانبين الأردني والأمريكي.

‌ج. السماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق في الجنوب السوري، وذلك بهدف المساهمة في إيجاد البيئة الكفيلة للتوصل لحل سياسي دائم. يُضاف لذلك ضرورة استخدام كل جانب نفوذه، سواء مع المعارضة أو النظام في تهدئة الموقف وفرض الاستقرار. (تجدر الإشارة إلى أن ريفي درعا والقنيطرة في جنوب سوريا مشمولين في الاتفاق الروسي التركي الإيراني المُوقع في 4 مايو الماضي بينهما بشأن المناطق منخفضة التوتر بسوريا)

توافقات سياسية:

كشف اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب الغربي لسوريا عن توافقات سياسية جديدة ضمنية تتشكل بين الجانبين الأمريكي والروسي، تتمثل فيما يلي: 

‌أ. إبعاد الجانب الإيراني وحلفائه، خاصة حزب الله اللبناني عن مناطق الجنوب السوري، وهو مطلب أردني إسرائيلي مشترك سعى إلى تحقيقه الجانبان خلال الفترة الماضية، وحرصا على دفع واشنطن وموسكو نحوه. 

‌ب. إنهاء وجود تنظيم "داعش" في الجنوب السوري وهو ما أكده وزير الخارجية الأمريكي "ريكس تيلرسون"، واعتبره أولوية ومكملاً لجهود مكافحة التنظيم في مدينة الرقة. (تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الروسي أكد أن الموقف الأمريكي بات أكثر برجماتية وأن اتفاق وقف التصعيد في جنوب غرب سوريا يعد واحداً من اختراقات أخرى حققها الجانبان في الملف السوري).

أهداف أردنية:

تسعى الأردن إلى استغلال نجاحها في تسهيل اتفاق الولايات المتحدة وروسيا بشأن هدنة جنوب غرب سوريا إلى تحقيق عدة أهداف، أهمها ما يلي:

‌أ. إنهاء التهديد الحالي لتنظيم "داعش" للأراضي الأردنية من خلال الجنوب السوري، ووبناء جدار عشائري متماسك في مواجهة التنظيم، خاصة أن طول الحدود الأردنية السورية يصل إلى 375 كلم مما يجعل الأردن متأثرة، وبصورة شاملة، بكل ما يجري داخل سوريا.

‌ب. التحسب للحركة الانشطارية الحالية لتنظيم "داعش" بعد هزيمته في الموصل واتجاهه ناحية محافظتي الرقة ودير الزور، واتجاهه المتوقع ناحية البادية السورية والجنوب السوري، وهو ما يتطلب وفقاً للرؤية الأردنية إجراءات احترازية حقيقية في مواجهة الخطر القابل للتمدد بجوار حدودها في المرحلة المقبلة.

‌ج. إدراك الأردن أن تهدئة المشهد العسكري في الجنوب السوري سيساهم في إعادة فتح الحدود مع سوريا واستئناف العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الجانب السوري، ويُشار في هذا السياق إلى وجود معبرين حدوديين بين الجانبين السوري والأردني هما نصيب والرمثا، وتسبب إغلاقهما في ضوء الأزمة السورية، في خسائر اقتصادية بالغة للأردن.

‌د.إيقاف موجات اللجوء القادمة من الجنوب السوري، خاصة أن الأردن تستضيف حالياً حوالي 1.4 مليون لاجئ سوري، كما أن خطة الاستجابة الأردنية للأزمة السورية (2016 – 2018) قدرت تكلفة اللجوء بـ 8.2 مليار دولار منها 2.450 مليار دولار تكلفة اللاجئين السوريين.

‌ه. ضمان حجز دور أردني في أية ترتيبات تتم في الجنوب السوري على اعتبار أن ذلك سينعكس بشكل مباشر على الأمن القومي الأردني، وبالتالي يأتي مسعى الأردن لزيادة المتعاونين معها في تطورات الجنوب السوري، خاصة روسيا والولايات المتحدة لتعضيد موقفها مستقبلاً والتحسب لأية تطورات محتملة قد تضر بالاستقرار الأردني.

تحديات ضاغطة: 

يُواجَه الاتفاق الثلاثي بوقف إطلاق النار في الجنوب الغربي لسوريا بجملة من التحديات، يتمثل أهمها فيما يلي: 

‌أ. الجهود المتوقعة من الجانب الإيراني لإفشال الاتفاق عبر تصعيد المشهد العسكري في جبهات أخرى، بما يُفشل جهود وقف إطلاق النار في الجنوب السوري ودفع المعارضة للتحلل منه سريعاً، وينبع السعي الإيراني لإفشال الاتفاق في ضوء إدراك طهران أن نجاحه سيعري حضورها العسكري في جنوب سوريا وسيدفعها إلى سحب حلفائها من تلك المنطقة. 

‌ب. التحفظ الضمني لبعض فصائل المعارضة، خاصة في الشمال السوري على عقد اتفاق منفرد بخصوص الجنوب السوري بمعزل عن الشمال، وبمعزل عن مسار الأستانة الذي فشل في جولته الأخيرة في إحداث أي اختراق جديد بشأن المناطق منخفضة التوتر في سوريا. 

‌ج. غياب الثقة بين أطراف الصراع السوري، في ضوء فشل الاتفاقات السابقة بين النظام والمعارضة، يُضاف لذلك الصعوبات التي تعترض تحديد الجغرافيا التي سيشملها وقف القتال في الجنوب السوري. 

‌د. إن آليات مراقبة وتنفيذ فكرة المناطق منخفضة التوتر لاتزال غامضة، حيث لم تقم الدول الضامنة للاتفاق بوضع تصور حقيقي وجاد، يكون قادراً على ضبط حركة الأطراف على الأرض بما يتوافق مع تعقيدات الجنوب السوري، كما يُلاحظ عدم وضع عقوبات على الأطراف المخالفة.

هـــ- التكثيف المتوقع للعمليات العسكرية من جانب تنظيم "داعش" وخلاياه الموجودة في الجنوب السوري لضمان عدم نجاح الاتفاق، وذلك في ضوء إدراكه أن نجاح ذلك الأمر سيؤدي إلى فنائه من الجبهة الجنوبية نظراً للتركيز المتوقع لعمليات الأطراف الأخرى ضده.

مصير غامض: 

سيشكل اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب الغربي السوري ــ في حال نجح ــ نقطة انعطاف في الملف السوري، حيث قد يدفع ذلك النجاح نحو تكرار هذا الأمر في الجبهات القتالية الأخرى في سوريا، كما يعتمد أي تقدم في المسار السياسي على نتيجة جهود وقف القتال.  

وعلى الرغم من كون المشهد العسكري أقل تعقيداً مما هو عليه في الشمال السوري، فإن احتمالات نجاح الاتفاق الثلاثي بشأن فرض هدنة في الجنوب تبقى ضئيلة أيضاً في ضوء التحديات التي تعترضها وأهمها غياب آليات مراقبة وتنفيذ تلك الهدنة وغياب الثقة بين أطراف الصراع السوري. 

ومن الواضح حرص الجانب الأردني على أن تكون أي ترتيبات في الجنوب السوري بتنسيق متكامل مع الأطراف الإقليمية والدولية، وذلك في ضوء إدراكه أن النجاح في إحداث اختراق حقيقي في مسار الأزمة السورية سيكون مرهوناً بمقدار التوافقات الدولية، خاصة بين الجانبين الروسي والأمريكي. 

ومن المتوقع مساهمة اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب الغربي لسوريا في دفع الجانبين الأردني والإسرائيلي لزيادة مساحات التفاهم المشتركة بينهما في الملف السوري، خاصة فيما يتعلق بمواجهة حضور "داعش" والنفوذ الإيراني في الجنوب السوري.