التحليلات - التغيرات السياسية

مقاطعة لا حصار:

الأزمة الخليجية من منظور قواعد القانون الدولي

د. هالة أحمد الرشيدي

الأربعاء, 28 يونيو, 2017

مقاطعة لا حصار:

أثارت الأزمة الخليجية التي اندلعت في الخامس من يونيو 2017 على أثر قطع السعودية والإمارات ومصر والبحرين علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وإغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية معها، جدلاً حول طبيعة التكييف القانوني لهذه الإجراءات وآثارها، وفقاً لقواعد القانون الدولي. 

وتعد المقاطعة حقاً كفله القانون الدولي، حيث يحق للدول أن تتخذ إجراءات المقاطعة، بشكل جماعي أو فردي، ضد أي دولة تنتهك قواعد القانون الدولي، وهو ما استندت إليه دول الخليج الثلاث ومعها مصر، إلا أن قطر سعت إلى توصيف والترويج خطأً للإجراءات التي اتخذتها الدول الأربع ضدها بأنها نوع من "الحصار"، على الرغم من أن الأجواء والموانئ القطرية ما تزال مفتوحة، ولم تتخذ ضدها أي إجراءات عقابية من منظمة الأمم المتحدة.

مشروعية المقاطعة

الأصل في العلاقات الدبلوماسية أنها تنشأ أو يتم تبادلها تحقيقاً لحُسن سير وانتظام العلاقات الدولية عموماً. ولكن قد تطرأ في العمل بعض العوارض أو العقبات التي تؤثر على العلاقات المتبادلة بين الأطراف المعنية، وتتدرج هذه العقبات على النحو الآتي: (الاحتجاج وسحب السفراء، والإعلان أن دبلوماسياً أو أكثر قد أصبحوا أشخاصاً غير مرغوب فيهم، وتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي، وقطع العلاقات الدبلوماسية، وقطع هذه العلاقات مصحوباً بنشوب حرب بين دولتين).

والعلاقات الدبلوماسية هي علاقات سلمية لا تنشأ إلا برضا واتفاق أطرافها، وتستمر ما استمر هذا الاتفاق والرضا قائماً، فلكل دولة مطلق الحق والحرية في إقامة علاقات دبلوماسية مع غيرها إعمالاً لمبدأ السيادة والاستقلال السياسي، غير أن للدول كذلك مطلق الحق في أن تضع حداً لهذه العلاقات وأن تنهيها بإرادتها المنفردة وفقاً لسلطتها التقديرية متى شاءت وأياً ما كانت الأسباب والدوافع الكامنة وراء اتخاذ هذا الإجراء، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية.

وبناءً على ذلك، فإن المقاطعة أو قطع العلاقات الدبلوماسية هو عمل مشروع قانوناً لا يترتب عليه أي نوع من المسؤولية الدولية في حق الدولة التي اتخذته، وإن كان يُنظر إليه باعتباره عملاً غير ودي ولا يتفق مع قواعد المجاملة الدولية وما يقتضيه حُسن سير العلاقات الدولية. 

ويمكن القول إن قطع العلاقات الدبلوماسية، باعتباره عملاً قانونياً، يتسم بأربع خصائص رئيسية، وهي أنه:

• عمل انفرادي صادر من جانب واحد.

• عمل خاضع للسلطة التقديرية للدولة.

• عمل لاحق، أي يُفترض، ابتداءً ومنطقاً، وجود علاقات دبلوماسية قائمة سلفاً، ويأتي قرار القطع لينهي استمراريتها.

• عمل يترتب عليه وضع حد لهذه العلاقات الدبلوماسية وإنهائها لفترة زمنية قد تطول أو تقصر وفقاً لاعتبارات مختلفة لحين إعادة استئناف العلاقات مجدداً بين الأطراف المعنية.

أسباب وتداعيات المقاطعة

في ضوء ما تكشف عنه الممارسات الدولية، فإن المقاطعة أو قطع العلاقات الدبلوماسية يُعزى لأسباب عديدة، ومنها ما يلي:

1- قطع العلاقات الدبلوماسية كرد فعل أو إجراء مضاد للاعتداء على حق قانوني واجب الاحترام. ومثال ذلك، حجز أو مصادرة أموال رعايا دولة ما، أو قيام أعضاء البعثة الدبلوماسية للدولة المعتمدة بالتجسس في الدولة المعتمد لديها، أو الاعتداء على سلامة أراضي الدولة واستقلالها، أو التدخل في الشؤون الداخلية للدولة المعتمد لديها. ومثال على ذلك، قطع الاتحاد السوفييتي علاقاته الدبلوماسية مع أستراليا في الفترة من عام 1954 وحتى عام 1959 بسبب لجوء أحد موظفي السفارة إلى السلطات الأسترالية ومنحه الحماية السياسية بعد أن اُتهم باختلاس أموال السفارة.

2- قطع العلاقات الدبلوماسية نظراً لتبني الدولة مواقف وسياسة خارجية ترى فيها الدولة الأخرى نهجاً مُعادياً لسياساتها وتهديداً لأمنها القومي، أو تدخلاً في شؤونها الداخلية. ومثال ذلك، الأزمة الخليجية – القطرية   الحالية، فقد قال معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، يوم 17 يونيو الجاري، خلال توضيحه أسباب قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة إن: "ما يجرى ليس أمراً شخصياً، ولا يتعلق بثأر مع قطر، بل هو محاولة للحد من سياسة قطر الخارجية الداعمة للإرهاب".

3- قطع العلاقات الدبلوماسية استناداً إلى أُسس أيديولوجية أو تطبيقاً لمذهب سياسي معين، حيث تبادر بعض الدول بقطع علاقاتها الدبلوماسية بدول أخرى لاعتراف هذه الأخيرة بدول لا تود هي أن يتم الاعتراف بها. ومن أبرز الأمثلة في هذا الخصوص، تهديد جمهورية الصين الشعبية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع أية دولة تعترف بتايوان أو تقيم معها علاقات دبلوماسية.

4- قطع العلاقات الدبلوماسية في إطار الاستجابة أو الامتثال لقرار صادر من منظمة دولية أو إقليمية في مواجهة الدولة المُراد قطع العلاقات الدبلوماسية معها، في سياق ما تفرضه العضوية في المنظمة من وجوب احترام ميثاقها والوفاء بما ترتبه هذه العضوية من واجبات والتزامات. 

ويترتب على قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول العديد من الآثار والتداعيات، ويمكن الإشارة إلى أهمها كالتالي:

1- انتهاء مهمة البعثة الدبلوماسية ومهام أعضائها، فلا يمكنها قانوناً ولا عملاً أن تستمر في أداء مهامها الموكلة إليها. لذلك، أمهلت السعودية والإمارات والبحرين ومصر سفراء قطر فترة زمنية محددة لمغادرة إقليمها، وطالبت من سفراءها لدى الدوحة، أيضاً، مغادرتها والعودة إلى أوطانهم. 

2- نظراً لانتهاء مهام البعثة الدبلوماسية ومهام أعضائها على أثر قطع العلاقات الدبلوماسية، فإنه لا يكون أمام الأطراف المعنية من سبيل لحماية مصالحهما المتبادلة إلا اللجوء إلى بدائل أخرى، مثل إرسال البعثات الخاصة المؤقتة، أو تحديد دولة ثالثة لحماية مصالح رعايا هذه الأطراف. وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الخارجية اليونانية، في 5 يونيو 2017، أنه استجابةً لطلب وزارة الخارجية المصرية، ستتولى السفارة اليونانية في الدوحة تمثيل مصر دبلوماسياً لدى قطر، لحين حل الأزمة واستئناف العلاقات الدبلوماسية بين مصر وقطر مجدداً.

3- على الرغم من قطع العلاقات الدبلوماسية، فإن الدولة المعتمد لديها تظل ملتزمة بحماية وحصانة مقار البعثة الدبلوماسية ومحفوظاتها وأموالها، فضلاً عن استمرار التزامها بمنح أعضاء البعثة المنتهية مهامهم بسبب قطع العلاقات حصاناتهم لفترة معقولة لحين مغادرة إقليمها. 

4- المقاطعة قد لا تؤدي بالضرورة إلى إنهاء مهام البعثة القنصلية تلقائياً، فربما تظل هذه البعثة تباشر مهامها المتمثلة في حماية مصالح مواطنيها، وهي في مضمونها مصالح ليست ذات طابع سياسي. كما أنه من شأن الإبقاء على مهام البعثة القنصلية المساعدة على استمرار الحوار والاتصال بين الدولتين المعنيتين، وتمهيد السبيل لإعادة استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما.

طبيعة الحصار

اُستخدم الحصار في الحروب الدولية الكبرى بهدف فرض نوع من العزلة على الإقليم المُحاصر، ودفع الجهة المستهدفة به إلى القيام أو الامتناع عن عمل ما. ومع نشأة منظمة الأمم المتحدة وفي ظل ما نص عليه ميثاقها من حظر استخدام أو حتى التهديد باستخدام القوة المسلحة في العلاقات الدولية والحث على ضرورة التسوية السلمية للمنازعات الدولية، فقد تطور الحصار ليصبح وسيلة لضمان فعالية العقوبات الاقتصادية الدولية التي تُفرض على الدول (طبقاً لأحكام الفصل السابع من الميثاق) لعدم وفائها بالتزاماتها الدولية. 

وبالتالي، فإن الحصار ليس عملاً عسكرياً بحتاً، كما لا يمكن التسليم بأنه عقوبة اقتصادية بحتة شأنها شأن الحظر والمقاطعة، بل هو نوع من الاجراءات التكميلية لإحكام الضغط على الدولة الواقعة تحت العقوبات الاقتصادية، كي لا تلتف على هذه العقوبات.

ويتخذ الحصار، في التطبيق العملي، إحدى صورتين، أولاهما هي الحصار السلمي عن طريق فرض طوق معين لعزل منطقة أو إقليم ما بهدف منع الوصول إليها، وذلك للضغط على الدولة التي تتمتع بالسيادة على هذه المنطقة أو ذلك الإقليم لحملها على تنفيذ التزاماتها الدولية، ولكن من دون إعلان حالة الحرب. أما الصورة الأخرى للحصار، فهي الحصار الحربي، والذي يهدف إلى إقامة نطاق من القوات المسلحة حول موقع معين، بهدف إجبار المحاصرين على الاستسلام بعد انتهاء الذخائر أو المواد الغذائية التي بحوزتهم.

وأصبحت الصورة المشروعة للحصار وفقاً لأحكام القانون الدولي، هي تلك التي تُطبق من قِبل مجلس الأمن الدولي طبقاً لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، سواء تضمن استخدام القوة العسكرية (المادة 42 من الميثاق) أو لم يتضمنها (المادة 41 من الميثاق). وتعتبر قرارات مجلس الأمن بشأن هذه التدابير مُلزمة للدول الأعضاء بالأمم المتحدة، وعليها تنفيذها من أجل استعادة السلم والأمن الدوليين. ومن أهم الأمثلة على ذلك، فرض مجلس الأمن الدولي الحصار على العراق عام 1990 لضمان فعالية العقوبات الاقتصادية التي فرضها عليه، وكذلك الأمر بالنسبة لحالة فرض العقوبات على حكومة جنوب أفريقيا العنصرية عام 1977.

ويتبين مما تقدم، أن الحصار يختلف عن المقاطعة أو قطع العلاقات الدبلوماسية من عدة محاور، لعل أهمها ما يلي:

1- يحدث الحصار في غالب الأحوال كإجراء جماعي من قِبل مجموعة من الدول ضد دولة ما، وفي إطار الامتثال لقرار منظمة الأمم المتحدة وفقاً للبند السابع من ميثاقها، وكجزء من تدابير تُتخذ ضد هذه الدولة في إطار فرض عقوبات اقتصادية عليها لإخلالها بالتزاماتها الدولية، خاصةً تلك التي تفرضها عليها رابطة العضوية في هذه المنظمة. أما المقاطعة أو قطع العلاقات الدبلوماسية، فهي في الأصل إجراء يهدف إلى قطع عدة دول أو دولة واحدة علاقاتها بدولة ما، بما في ذلك إغلاق هذه الدول أجواءها أو حدودها البرية والبحرية أمام الدولة المستهدفة بالمقاطعة. 

2- فرض الحصار يتضمن اتخاذ اجراءات أوسع مضموناً ونطاقاً من قطع العلاقات الدبلوماسية، لتشمل فرض طوق كامل على الدولة المستهدفة، بما في ذلك إغلاق جميع منافذها البرية والبحرية والجوية، وحظر الطيران، ومنع انتقال الأفراد من وإلى هذه الدولة.. وغيرها من الإجراءات العقابية التي تخنق الدولة تماماً مع محيطها الخارجي، وتمنعها من الحصول على الإمدادات أو المساعدات.

أما المقاطعة فلا تعزل الدولة المستهدفة عن العالم الخارجي تماماً، ولا تجبرها على غلق جميع منافذها وحدودها أمام كل الدول الأخرى، ولا تمنعها من جلب البضائع والإمدادات من الخارج بصفة عامة.

الخلاصة، أن الإجراءات التي اتخذتها السعودية والإمارات ومصر والبحرين ضد قطر، تندرج تحت وصف "قطع العلاقات الدبلوماسية" كحق مشروع في القانون الدولي، حيث يعطي هذه الدول الحق في تأمين حدودها وغلق أجوائها أمام قطر، وذلك بهدف إحكام الضغط على الدوحة لتغيير سياساتها ومواقفها الخارجية التي ترى فيها الدول الأربع تهديداً لاستقرار المنطقة وعرقلة للجهود الدولية المبذولة لمكافحة الإرهاب. ومن ناحية أخرى، لم تبلغ هذه الإجراءات مستوى "الحصار"، نظراً لأن الدول المقاطعة أغلقت فقط أجواءها أمام الطائرات القطرية، ولم تغلق أجواء وحدود قطر نفسها، ولم تمنع الدوحة من التواصل مع باقي دول العالم، أو الحصول على صادراتها وإمداداتها من دول أخرى، كما أنه لم يصدر قرار من مجلس الأمن الدولي وفقاً للبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة بفرض حصار على قطر.