التقديرات

تهديدات ضمنية:

لماذا يلوح خامنئي بسيناريو بني صدر؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 21 يونيو, 2017

تهديدات ضمنية:

تتزايد احتمالات اتساع نطاق الخلافات تدريجيًا بين المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي والرئيس حسن روحاني، وذلك على خلفية الجهود الحثيثة التي يبذلها الأول بهدف تقييد حرية الحركة وهامش المناورة المتاح أمام الرئيس قبل بداية ولايته الثانية في أغسطس 2017، ومحاولة الثاني الاستناد إلى الرصيد الشعبي الذي حصل عليه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت في 19 مايو 2017.

 إذ اتجه خامنئي إلى التلويح بإمكانية عزل الرئيس في حالة ما إذا تسببت سياسته في حدوث انقسام داخل المجتمع الإيراني، على غرار الانقسام الذي اندلع في بداية الثمانينيات من القرن الماضي مع تصاعد حدة الحرب مع العراق، واتُهم أول رئيس لإيران بعد الثورة أبو الحسن بني صدر بتأجيجه، ما أدى إلى طرح الثقة فيه من جانب مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) ثم عزله من قبل الخميني، بشكل دفعه في النهاية إلى الهروب من إيران.

ويبدو أن خامنئي يحاول في هذا السياق الاستفادة من الضغوط التي تواجهها إيران في المرحلة الحالية، خاصة فيما يتعلق بالتصعيد الأمريكي الحالي، الذي بدا جليًا في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أدلى بها في 16 يونيو 2017 وأشار فيها إلى أن "الاتفاق النووي سئ ولا يخدم واشنطن" و"أنه سمح لإيران بالحصول على مبتغاها" وتعهد بتغيير ذلك، فضلا عن تأكيد وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون على أن "واشنطن تعمل على إحداث تغيير داخل إيران من خلال دعم المعارضة"ً.

إذ أن خامنئي يرى أن ذلك يمكن أن يساهم في تقليص قدرة الرئيس على توسيع نطاق سلطاته مستندًا إلى النتائج البارزة التي حققها في الانتخابات التي فاز فيها بالجولة الأولى على إبراهيم رئيسي، وهو المرشح الذي دعمه المرشد وسعى إلى تمكينه من الفوز لدعم فرصه في الحلول محل المرشد نفسه بعد غيابه عن المشهد.

لكن رغم ذلك، فإن تلويح خامنئي بتكرار سيناريو بني صدر يواجه تحديات لا تبدو هينة في المرحلة الحالية، ترتبط بموقع خامنئي وروحاني داخل النظام، والأزمات الداخلية والخارجية التي تواجهها إيران في الوقت الحالي.

مغزى التوقيت:

يسعى المرشد خامنئي قبيل بدء الفترة الرئاسية الثانية لروحاني في أغسطس 2017، إلى توجيه رسائل عديدة للأخير بأن أى محاولة من جانبه لتكرار سيناريو المحاولات التي بذلها الرؤساء السابقون مثل هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي وأحمدي نجاد لتوسيع نطاق صلاحياتهم خلال فترتهم الرئاسية الثانية، والتي تعني مباشرة الانتقاص من سلطات المرشد، سوف تبوء بالفشل، على غرار ما حدث لتلك المحاولات، خاصة في ظل السلطات الواسعة التي يمنحها الدستور للمرشد، حتى على المستوى التنفيذي، والتي تخوله القدرة على تعطيل قرارات الرئيس وعرقلة برامجه السياسية والاقتصادية إذا ما أراد ذلك.

فضلا عن ذلك، فإن خامنئي يتعمد أيضًا التقليل من التداعيات التي يمكن أن يفرضها الفوز البارز الذي حققه روحاني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بالتوازي مع حرصه على إعادة الزخم للآليات الثورية الراديكالية التي يعتمد عليها النظام دائمًا من أجل الحفاظ على بقاءه في حالة ما إذا استشعر خطرًا داخليًا أو خارجيًا يداهمه، وهو ما يبدو جليًا في الانتقادات الحادة التي وجهها المرشد إلى السياسة التي تتبناها الحكومة على الصعيد الثقافي، والتي أضفي عليها طابعًا سياسيًا بتأكيده أنها لا تنفصل عن محاولات الحكومة وتيار المعتدلين الارتباط بالخارج والانفتاح على الثقافة الغربية.

 إذ قال خامنئي في هذا السياق أنه "عندما يصاب الجهاز المركزي في إدارة الملف الثقافي بالخلل فإن القوى الثورية لديها حرية إطلاق النار"، وهى إشارة لا تخلو من دلالة ومفادها أن خامنئي يريد تأكيد أن لديه القدرة من خلال المؤسسات التابعة له داخل النظام على وضع حد للسياسات التي يتبناها الرئيس بل وامتلاك خيارات أكثر قوة، على غرار عزل الرئيس من منصبه في حالة ما إذا ما تمادى في تحديه لسلطات المرشد ونفوذ تلك المؤسسات، ولا سيما الحرس الثوري.

ضغوط الأصوليين:

 ومن هنا ربما لا يمكن فصل تصعيد خامنئي عن تلميحات عباس علي كدخدائي المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، في 17 يونيو 2017، والتي أشار فيها إلى أن المجلس يمتلك صلاحية إبطال نتائج الانتخابات، وذلك بعد إعلانه عن وقوع مخالفات من قبل بعض مسئولي الحكومة خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، على غرار تأخير بدء الاقتراع في بعض المناطق وعدم وصول أوراق التصويت وقلتها والدعايا لأحد المرشحين، في إشارة إلى الرئيس روحاني تحديدًا.

ومن دون شك، فإن تيار المحافظين الأصوليين الذي يسيطر على مجلس صيانة الدستور، على غرار بعض المؤسسات النافذة الأخرى داخل النظام، يسعى بدوره للاستفادة من تصعيد خامنئي من أجل ممارسة ضغوط على روحاني قبل تشكيل حكومته الجديدة، وذلك لدفعه إلى تخصيص حقائب وزارية رئيسية للأصوليين خلال فترته الرئاسية الثانية.

إذ يتخوف المحافظون من أن يحاول روحاني استثمار فوزه العريض في الانتخابات وتحالفه مع بعض أقطابهم، مثل علي لاريجاني رئيس مجلس الشوري وعلى مطهري نائب رئيس المجلس، من أجل تمرير تشكيلة حكومية تضم أقطاب من تيار المعتدلين والإصلاحيين، من الذين تم اتهامهم بالمشاركة فيما يسميه الاصوليون بـ"الفتنة"، في إشارة إلى الأزمة السياسية التي شهدتها إيران في عام 2009 بعد الاحتجاج على نتائج الانتخابات الرئاسية التي أسفرت عن فوز الرئيس السابق أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية.

عقبات عديدة:

 لكن رغم ذلك، ربما يمكن القول إن تهديد خامنئي بتكرار سيناريو بني صدر يواجه عقبات لا تبدو هينة. إذ أن المرشد الحالي لا يحظى بالمكانة نفسها التي حظى بها الخميني خلال العقد الأول للثورة، والتي مكنته من السيطرة على مجمل مؤسسات النظام والتعامل مع الضغوط التي أنتجها هروب أول رئيس للجمهورية، في الوقت الذي كان فيه النظام ينخرط في حرب طويلة مع العراق.

فضلا عن أن الرئيس الحالي يستند إلى قاعدة شعبية يعتد بها، وهو ما كشفت عنه الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهو ما لم يكن يمتلكه بني صدر في تلك المرحلة. إلى جانب أن الأزمة التي واجهها النظام في عام 2009 وما زالت تداعياتها قائمة حتى الآن، حيث لم ينجح النظام في احتواءها بشكل تام، تفرض ضغوطًا على الأخير وتقيد من قدرته على تكرار سيناريو الإطاحة بالرئيس، باعتبار أن ذلك من شأنه أن يدفع النظام إلى خيارات قد تفرض عواقب وخيمة لا يستطيع احتواءها، خاصة في ظل الاهتمام الدولي الملحوظ بالمعارضة الإيرانية في الخارج وبقضايا القوميات الإيرانية المختلفة، فضلا عن اتجاه واشنطن إلى التعويل على إمكانية إحداث تغيير من داخل إيران، حسب ما كشف عنه وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون مؤخرًا.

ومن هنا، ربما يمكن القول في النهاية إن التلويح بهذا السيناريو يكشف عن مدى الأزمة التي يواجهها النظام في الفترة الحالية، والتي تعود، في قسم منها، إلى الضغوط التي أنتجتها المغامرات الإيرانية في الخارج، والتي ساهمت في تبلور اتجاه إقليمي ودولي مناهض لتدخلات إيران في الشئون الداخلية لدول المنطقة ودعمها للإرهاب ودورها في زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.