التقديرات

استثمار الأزمة:

كيف حاولت إيران الاستفادة من الهجمات الأخيرة؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأحد, 18 يونيو, 2017

استثمار الأزمة:
المصدر: shutterstock

على الرغم من إعلان وزير الاستخبارات الإيرانية محمود علوي، بعد مشاركته في جلسة سرية لمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) لمناقشة عمليات التفجير التي وقعت في المبنى الإداري لمجلس الشورى ومرقد الخميني، في 7 يونيو 2017، عن "خلو إيران من الخلايا الداعشية بعد عمليات الدهم والتصفية التي قامت بها أجهزة الأمن"؛ إلا أن الجدل لم يتوقف داخل إيران حول كيفية وقوع هذه العمليات، وحول احتمالات تنفيذ عمليات مماثلة في الفترة المقبلة، خاصة بعدما كشفت السلطات الإيرانية عن نجاح تنظيم "داعش" في تجنيد وتدريب عناصر كردية إيرانية شاركت مع التنظيم في المواجهات المسلحة التي انخرط فيها داخل كلٍّ من العراق وسوريا.

وقد سعى تيار المحافظين الأصوليين وبعض وسائل الإعلام القريبة من الحرس الثوري، إلى إطلاق حملة انتقادات جديدة ضد الحكومة بسبب التراخي الأمني الذي كشفت عنه تلك العمليات. لكن اللافت -في هذا السياق- هو أن تلك الحملة ربما لا تهدف فقط إلى فرض مزيدٍ من الضغوط على الحكومة، وتدشين حملة قمعية جديدة ضد الحريات الاجتماعية، قبل بداية الفترة الثانية للرئيس روحاني، بشكل يساهم في تضييق الخيارات المتاحة أمام الرئيس الذي يُبدي تيار المحافظين الأصوليين مخاوف عديدة من احتمال اتجاهه إلى الاستناد للنتائج البارزة التي حققها في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 19 مايو 2017، من أجل تعزيز قدرته على فتح الملفات الخلافية مع المؤسسات الأخرى في النظام.

 إذ إن الهدف الأهم الذي حاول المحافظون والحرس الثوري تحقيقه من خلال تلك الحملة ربما يتمثل في محاولة استغلال تلك العمليات من أجل إعادة إضفاء مزيدٍ من الوجاهة والزخم على الأدوار التدخلية التي تقوم بها إيران في الخارج، وتحديدًا في سوريا والعراق. وبمعنى آخر، استثمار الهجمات على مجلس الشورى ومرقد الخميني من أجل توجيه رسائل إلى الداخل بأن ما تقوم به إيران في كلٍّ من العراق وسوريا يهدف إلى محاربة الإرهاب خارج حدود إيران.

وهنا، فإن هذا الاتجاه قد يسعى خلال الفترة المقبلة إلى الترويج لفكرة أن أى تراجع في هذا الدور معناه تعزيز احتمالات تعرض إيران لمزيد من العمليات التي تستهدف مؤسساتها الدينية والسياسية، باعتبار أن هذا التراجع سوف يهيئ المجال أمام وصول التنظيمات الإرهابية إلى داخل حدود إيران.

تحركات مترابطة:

وفي ضوء ذلك، ربما لا يمكن فصل هذه التحركات التي يقوم بها بعض أقطاب تيار المحافظين عن تأكيد الحرس الثوري على أنّ إيران سوف تواصل دورها الداعم للنظام السوري في الفترة المقبلة، التي قد تشهد تحولات استراتيجية كبيرة على الصعيد السوري، في ظل التطورات السياسية والميدانية التي تشهدها سوريا في الفترة الأخيرة.

ففي هذا السياق، كان لافتًا أن قائد القوات البرية في الحرس محمد باكبور، أكد، في 2 مايو 2017، أن إيران سوف تواصل إرسال مستشارين إلى سوريا، دعمًا للقوات النظامية السورية، مشيرًا إلى أن القوات البرية التابعة للحرس الثوري موجودة في سوريا لمساعدة "فيلق القدس" الذي يقوده قاسم سليماني ويتولى مسئولية العمليات الخارجية في الحرس.

وقد توازى ذلك مع الخطوات الأخيرة التي قامت بها الميليشيات الطائفية التابعة لإيران في كلٍّ من العراق وسوريا؛ حيث تعمدت بعض وسائل الإعلام الإيرانية، مثل وكالة "تسنيم" القريبة من الحرس، في 12 يونيو 2017، نشر صور لسليماني مع كوادر من ميليشيا "الفاطميين" التي تضم عناصر أفغانية، في موقع يفترض أنه يقع شمال معبر "التنف" في البادية السورية على الحدود مع العراق، وذلك بعد أن قام قبل ذلك بزيارة المواقع التي سيطرت عليها ميليشيا "الحشد الشعبي" على الحدود بين الدولتين.

ورغم أن تقارير عديدة أشارت إلى أن الميليشيات الموالية لإيران حرصت على تفادي ما أسمته بـ"الحواجز الأمريكية" داخل الحدود السورية؛ إلا أن ذلك لا ينفي أن هذه التحركات ربما تزيد من احتمالات تعرض تلك الميليشيات لضربات أمريكية أخرى، على غرار الضربة التي وقعت في 18 مايو 2017 ضد رتل عسكري تابع لتلك الميليشيات بالقرب من قاعدة "التنف" جنوب سوريا التي تستخدمها قوات التحالف الدولي.

ويبدو أن ذلك لم يدفع إيران إلى التراجع عن مخططها القائم على مساعدة القوات النظامية السورية على الوصول إلى الحدود، بالتوازي مع التقدم الذي تحققه ميليشيا "الحشد الشعبي" على الجانب الآخر من الحدود، وهو ما يعني أن إصرار إيران على الوصول إلى تلك المناطق يشير إلى أنها تسعى إلى تحقيق أهداف ثلاثة رئيسية:

الأول، توجيه رسالة للولايات المتحدة الأمريكية بأن الإجراءات التي تتخذها على الأرض لن تدفع إيران إلى إجراء تغيير في سياستها إزاء التطورات السياسية والميدانية في سوريا، خاصة بعد أن بدأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التركيز على الأدوار السلبية التي تقوم بها إيران في دول الصراعات، وفي مقدمتها سوريا، وهو ما انعكس في التصريحات المتتالية التي أدلت بها المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هايلي، والتي حددت من خلالها أولويات واشنطن في سوريا، والتي تضمنت العمل على إخراج التأثير الإيراني منها.

والثاني، ضمان الوصول إلى البحر المتوسط من خلال العمل على تأسيس ممر يصل بين إيران والعراق وسوريا، ويضمن بالتالي استمرار إيران في تقديم دعمها لحلفائها، سواء نظام الأسد في سوريا أو حزب الله في لبنان، ربما استعدادًا للاستحقاقات المحتملة التي قد يشهدها الصراع في سوريا خلال المرحلة المقبلة، في ظل تشابك وتعقد حسابات وسياسات القوى الإقليمية والدولية المعنية به، وتراجع دور إيران لصالح روسيا، التي لم تعد تُخفِ، في بعض الأحيان، امتعاضها من التحركات التي تقوم بها إيران والميليشيات الموالية لها على الأرض.

والثالث، الاستعداد مبكرًا للمسارات المحتملة التي قد يتجه إليها الاتفاق النووي، خاصةً مع اقتراب موعد صدور التقرير الخاص بالوكالات التابعة لمجلس الأمن القومي الأمريكي، والذي سيُحدد تأثير الاتفاق على المصالح الأمريكية، ومع استمرار إدارة الرئيس ترامب في رفع سقف العقوبات المفروضة على إيران، بشكل قد يهدد استمرار العمل بالاتفاق، رغم أنه المسار الأكثر ترجيحًا حتى الآن.

وفي ضوء ذلك ربما يمكن القول، إن إيران بدأت في السعى نحو مواصلة تكريس نفوذها على الأرض في سوريا، استعدادًا لتصاعد حدة التوتر واتساع نطاق خلافاتها مع الإدارة الأمريكية، والتي ستتركز حول الاتفاق النووي ودعم إيران للإرهاب ودورها في زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط. ومن هنا، سعت إلى استغلال "هجمات الأربعاء" من أجل إضفاء أهمية خاصة على أدوارها في الخارج، التي تدعي أنها تهدف من خلالها إلى مكافحة الإرهاب، رغم أن المعطيات الموجودة على الأرض تشير إلى أن ممارساتها كانت أحد أهم أسباب انتشاره.