التقديرات

صعوبات جمة:

تحديات تحرير مدينة الرقة من تنظيم داعش

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الخميس, 15 يونيو, 2017

صعوبات جمة:
مجموعة من الإرهابيين يحملون سلاح، المصدر: shutterstock

تشكل معركة الرقة المعادلة الأصعب في الصراع ضد تنظيم داعش في سوريا بسبب العراقيل التي تعترضها، وأهمها المخاوف من اصطدام فصائل المعارضة المحسوبة على تركيا مع الفصائل المشاركة في غرفة عمليات "غضب الفرات"، وعدم وجود جبهة قتالية موحدة، خاصة وأن القوات المشاركة في العملية لا تمثل قوة قتالية متجانسة تخضع لقيادة مركزية واحدة، فضلا عن غموض المستقبل السياسي للمدينة وهو ما سيفتح الباب أمام صراع تركي كردي خلال الفترة المقبلة قد يعرقل نجاح العملية، ومخاوف من حدوث عنف طائفي، خاصة وأن تركيبة السكان في المدينة أصبح معظمها تقريبًا من العرب السنة، وخطط داعش المضادة وأبرزها محاولة استخدام سكان المدينة كدروع بشرية لتخفيف حدة القصف الجوي. 

وقد أعلنت قوات سوريا الديمقراطية في 6 يونيو الجاري انطلاق معركة تحرير مدينة الرقة من تنظيم داعش (الذي تُقدر أعداده في المدينة بقرابة 3 إلى 5 آلاف مقاتل)، كما أكدت أن غرفة عمليات "غضب الفرات" ستتولى التنسيق بين الفصائل المشاركة وجبهات القتال، وأن العملية تجري بالتنسيق مع التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

أهمية استراتيجية:

يُمكن رصد أهمية مدينة الرقة الاستراتيجية بالنسبة لأطراف الصراع من خلال ما يلي:

1- ‌أهميتها الرمزية والمعنوية لتنظيم داعش، إذ إنها عاصمة التنظيم ومعقله الرئيسي في سوريا، كما أنها تعد الثقل المركزي لداعش في سوريا من ناحية موقعها الاستراتيجي، والمخزون العسكري واللوجستي الأكبر للتنظيم، فضلا عن وجود عدد كبير من آبار النفط في المدينة.

2- وقوعها على حدود 5 محافظات سورية (هي: الحسكة، ودير الزور، وحمص، وحماة، وحلب)، وتبلغ مساحتها حوالي 19500 كلم، وتعتبر المركز الإداري الذي يرسم منه داعش خططه وهجماته في باقي المدن السورية. كما تقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وتبعد نحو 100 كلم عن الحدود التركية.

3- ‌السعي الأمريكي لاستباق السعي الروسي لدعم قوات النظام لاستعادة المدينة، وما يرتبط بذلك من سعي الإدارة الأمريكية إلى تحقيق نصر رمزي يُحسب لشخص الرئيس "دونالد ترامب" كمحاوله للظهور بشكل مختلف عن سلفه الرئيس "باراك أوباما".

4-  إدراك الإدارة الأمريكية أنها خسرت معظم أوراقها في سوريا على خلفية التدخل الروسي، وبالتالي يأتي تركيزها حاليًّا على معركة الرقة ودعم الأكراد في الشمال السوري بهدف استبدال داعش في الرقة بحليفها الكردي.

5- أهميتها للدول الغربية، كونها الوجهة الأساسية للمقاتلين الأجانب الذين ينضمون إلى صفوف داعش لرؤيتهم أنها العاصمة الحقيقية للتنظيم، وبالتالي تهدف تلك الدول إلى القضاء بشكل تام على عناصر التنظيم في المدينة، وذلك لتخوفهم من أن يستخدمها التنظيم كقاعدة للتخطيط لهجمات يشنها على أهداف في الخارج، أو عودة المقاتلين الأجانب منها مرة أخرى إلى مواطنهم الأصلية وقيامهم بشن هجمات فيها.

‌6- أهميتها للأكراد في إطار مشروعهم في الشمال السوري، ويرتبط بذلك ما يلي:

أ- محاولة استباق السعي التركي لمنع الأكراد من المشاركة في معركة الرقة، وضمان موقع متقدم ضمن القوى المشاركة في تحريرها.

ب- رغبة حزب الاتحاد الديمقراطي في ضم مدينة الرقة إلى النظام الفيدرالي بعد تحريرها من داعش. كما أنها تبعد عن بلدة تل أبيض الحدودية 85 كلم والتي ضمها حزب الاتحاد الديمقراطي مؤخرًا إلى إداراته الذاتية، والرغبة في استمرار تسويق القوات الكردية أمام المجتمع الدولي كقوة محورية في محاربة الإرهاب في سوريا، وبالتالي ضمان استمرار الدعم العسكري الغربي المتميز لها.

جإدراك قادة جيش سوريا الديمقراطي أن معركة الرقة هي بمثابة المعركة الكبرى الأخيرة في سوريا، وأن تشكيل هذا الجيش اقترن بتصاعد نفوذ داعش في الشمال السوري، وبالتالي فإن القضاء على داعش بدون مشاركة جيش سوريا الديمقراطي سيُنهي مبرر وجود تلك القوات في سوريا المستقبل. 

تعقيدات ضاغطة:

تشكل معركة الرقة المعادلة الأصعب في الصراع ضد تنظيم داعش في سوريا، وذلك للأسباب التالية:

1- المخاوف من اصطدام فصائل المعارضة المحسوبة على تركيا والتي كانت مشاركة في عملية "درع الفرات" في الشمال السوري مع الفصائل المشاركة في غرفة عمليات "غضب الفرات"، ويعزز من ذلك أن مناطق تمركز فصائل "درع الفرات" قريبة نوعًا ما من قوات سوريا الديمقراطية، بالإضافة إلى أن الإحساس التركي بأن اختيار الأكراد اسمًا مشابهًا للعملية التي كانت تديرها أنقرة في الشمال السوري هو استفزاز صريح.

2- عدم وجود جبهة قتالية موحدة، خاصة وأن القوات المشاركة في العملية لا تمثل قوة قتالية متجانسة تخضع لقيادة مركزية واحدة، حيث تتكون قوات سوريا الديمقراطية من 8 فصائل لكل منها قيادتها المستقلة. وزاد من تعقيد المشهد انخراط النظام السوري أيضًا في عملية الرقة من ناحية محافظة حلب المجاورة، وسيطرته على قريتين من داعش.

3- المدى الزمني للعملية، ويرتبط بذلك أن القوات المشاركة في العملية مضطرة إلى أن تتقدم ببطء، بهدف حماية ظهورهم من أية هجمات محتملة من القوات المدعومة من تركيا. كما يرتبط بذلك تأكيد التحالف الدولي أن العملية ستكون طويلة وشاقة. 

4- عدم الاتفاق على القوة التي ستبقى في الرقة بعد تحريرها والتي تتولى الإمساك بالأرض في المدينة، أي غموض المستقبل السياسي للمدينة، وهو ما سيفتح الباب أمام صراع تركي كردي خلال الفترة المقبلة قد يعرقل نجاح العملية، ويعزز من ذلك تأكيد تركيا أنها ستتدخل بشكل فوري إذا مثلت العملية الحالية في الرقة تهديدًا لها. 

5- مخاوف حدوث تصادم في الجو، ويعزز من فرص حدوث ذلك استخدام موسكو والنظام المجال الجوي نفسه الذي تستخدمه طائرات التحالف الدولي في الشمال السوري للقيام بالقصف الجوي، وهو ما يثير القلق من تصادم محتمل في الجو يمكن أن يُعقِّد الحسابات بصورة أكبر.

‌6- التجربة السلبية السابقة والفاشلة، حيث سبق وأن أعلنت قوات سوريا الديمقراطية من جانب واحد بدء معركة تحرير الرقة مرتين من قبل، الأولى كانت في 24 مايو 2016، والثانية في 6 نوفمبر 2016، لكن التعقيدات العسكرية وحجم الخسائر في صفوفها دفعها للتراجع عن استكمال العملية العسكرية.

‌7- مخاوف حدوث عنف طائفي، خاصة وأن تركيبة السكان في المدينة أصبح معظمها تقريبًا من العرب السنة، حيث نزح معظم الأكراد من المدينة (الذين كانوا يشكلون في السابق 20% من السكان). 

8- خطط داعش المضادة، والتي تتمثل في القتال والمقاومة من خلال ما يلي:

أ- محاولة استخدام سكان المدينة كدروع بشرية لتخفيف حدة القصف الجوي، وذلك من خلال منعهم من مغادرة المدينة. ويُشار في هذا الإطار إلى وجود 200 ألف مدني محاصرين داخل المدينة. 

ب- القيام بهجمات انتحارية واستخدام واسع للعربات المفخخة، فضلا عن لجوء التنظيم إلى تفجير سدود مائية بهدف عرقلة تقدم القوات المهاجمة.

ج- فرض قوانين تعسفية على أهالي الرقة تشمل الاعتقال والتعذيب والقتل للمخالفين.

غياب التوافق: 

يتضح من خلال انطلاق العملية الفشل التركي حتى الآن في تغيير القناعة الغربية باتجاه الاستغناء عن دور القوات الكردية في الحرب ضد داعش، كما يتضح عدم توصل الولايات المتحدة حتى الآن إلى صيغة تحافظ بها على تحالفها مع الأكراد من دون أن تتأزم علاقتها مع تركيا.

وتهدف الولايات المتحدة من فتح جبهة الرقة ضد داعش في الوقت الحالي -بالتزامن مع قرب انتهاء معركة الموصل الجارية- إلى تشتيت جهود التنظيم وتطويقه في جبهات عدة، ومنعه من تركيز مقاتليه للدفاع عن نقطة محددة بمفردها، وبالتالي إرباك التنظيم. 

ويأتي السعي الكردي والأمريكي لإشراك قوات عربية في العمليات الجارية ضمن غرفة عمليات "غضب الفرات"، كمحاولة لتبديد مخاوف سكان هذه المناطق العرب، ومنع أي حديث عن تطهير كردي للمكون العربي أو تهميشه.

وتبقى الصعوبة الأكبر التي تواجه جهود تحرير الرقة من تنظيم داعش هي عدم التوصل إلى صيغة توافقية بين الأطراف المتنازعة على تحريرها، خاصة الجانبين التركي من ناحية، والكردي المدعوم بقوة من الغرب من ناحية أخرى، بحيث تضمن توفير عوامل نجاح المعركة وضمان استقرار مستقبل الرقة السياسي والعسكري.

ومن المرجح استمرار السعي التركي حتى بعد انتهاء عملية "درع الفرات" لفرض وقائع ميدانية جديدة في الشمال السوري، وإعادة توزيع النفوذ به، بما يساعدها لاحقًا في مواجهة أي تصاعد جديد لنفوذ القوات الكردية في جوارها الجغرافي.