التقديرات

مهام جديدة:

حدود التغير في أدوار بعض القوى الدولية في سوريا

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 31 مايو, 2017

مهام جديدة:

برزت على مسرح العمليات القتالية في الرقة أدوار جديدة لفاعلين في التحالف الدولي تُضاف إلى أدوارهم التقليدية. فقد دفعت بعض القوى الدولية مؤخرًا، في إطار الحرب على "داعش"، بقوات خاصة تقوم بممارسة مهام جديدة، بشكل يعكس تغيرًا في الأهداف الاستراتيجية الأبرز، التي باتت تتمثل في إسقاط الرقة وإنهاء وجود "داعش"، بعد أن كانت العمليات السابقة تستهدف مجرد تقويض بنيته والحد من حيز تمدده.

ويمكن القول إن هذه الأدوار الجديدة سوف تساهم في دعم فرص تحول تلك القوى إلى أطراف رئيسية سوف تشارك في جهود تسوية الأزمة السورية خلال المرحلة القادمة، كما أنها لن تخصم من مشاركات باقي الأطراف الدولية في إطار الحرب على "داعش"، حيث إنها تبقي على التحالف الأكبر، وعلى إمكانيات الاستفادة منه.

أنماط مختلفة: 

حينما تشكل التحالف الدولي للحرب على "داعش" في سبتمبر 2014، كانت المهام الأساسية تنحصر في العمل على تقويض بنية التنظيم، وقد شاركت في بداية الأمر نحو 60 دولة زادت بعد عامين إلى 66 دولة، أقل من نصفها (تحديدًا 27 دولة فقط) ساهمت في مهام قتالية أساسية ومهام لوجستية (بحسب دراسة لخدمات أبحاث الكونجرس - Kathleen J. McInnis، في 24 أغسطس 2016)، حيث كانت هناك أربع مهام رئيسية هى وقف تدفق الإرهابيين الأجانب، ودعم العمليات العسكرية وبناء القدرات والتدريب، ومنع وصول تمويلات جديدة إلى التنظيم، وتنفيذ عمليات الإغاثة الإنسانية.

وبطبيعة الحال، كانت التقارير الدورية لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تعبر عن تلك الأهداف، ففي 6 إبريل 2016، أفاد تقرير للبنتاجون بأن التحالف الدولي "أضعف قدرة العدو على التحرك بحرية في ساحة المعركة، واستعاد كميات كبيرة من الأراضي، واستهدف قيادة وموارد تنظيم داعش".

لكن في المرحلة الحالية، أصبحت هناك أنماط مختلفة من العمليات، فبعد أن كانت تقتصر على العمليات الجوية، باتت هناك عمليات أرضية نوعية، لا يمكن القول إنها تعالج قصورًا في عمليات التحالف السابقة، ولكنها تتعاطى مع الخطط القتالية لقيادة التحالف، والتي أعلن عنها الثلاثي الدولي (الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا). 

وتطرح الأدوار الجديدة التي تقوم بها هذه القوى دلالات عديدة يتمثل أبرزها في تغير نوعية العمليات، وذلك بهدف تعزيز العمليات القتالية بشكل احترافي، وفي نقاط محددة، وبقدرات لا تتمكن القوات على الأرض من القيام بها. فمن المعروف أن القوات البرية التي تتولى مهام العمليات الأرضية في الرقة حاليًّا هى "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، ومع وصول هذه القوات من محيط الرقة "البادية والريف" والدخول إلى النقاط الاستراتيجية مثل مدينة الطبقة بدأت تتقاطر القوات الخاصة لتنفيذ مهام نوعية، مثل عملية السيطرة على سد الطبقة ومطار الطبقة الاستراتيجيين، وكذلك العمليات النوعية الأخرى على غرار الفصل بين قوات يُحتمل اشتباكها مثل مناطق التماس بين "قسد" والقوات التركية، والتي تقوم بها قوات المارينز الأمريكية في مناطق الشمال، أو عمليات ضرب تجمعات التنظيم في مسارات التحرك، مثل عمليات استهداف مجموعاته في دير الزور.

ويُمكن توضيح هذا التغير في الأنماط الجديدة من خلال دراسة طبيعة شكل ونمط التدخلات الجديدة، والتي تتجلى في تطور أدوار أربع قوى أساسية، هى: الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وبريطانيا، والناتو. 

ففي مطلع إبريل 2017 كشفت صحيفة THE SUN البريطانية عن مشاركة قوات خاصة بريطانية إلى جانب قوات أمريكية مع "قوات سوريا الديمقراطية" في عملية السيطرة على سد الفرات ومطار الطبقة، دون الإشارة إلى قوام ومقدار هذه القوة، غير أنها كشفت عن المهمة التي قامت بها، وهى عملية إنزال نفذتها طائرة "سي-130" في صحراء غرب الرقة. هذا فضلا عن أن بريطانيا تساهم بـ400 فرد في عمليات المراقبة بالعراق وسوريا، وبطائرات "تورنادو جي آر 4"، وناقلات تزود بالوقود.

فيما أعلنت وزيرة الدفاع الفرنسية الجديدة سلفي غولارد في حديث مع "راديو أوروبا 1"، في 26 مايو 2017، أن فرنسا تساهم بقوات نوعية في العمليات، ولم تحدد بدورها عدد تلك القوات أو مهامها، حيث قالت: "إن فرنسا ملتزمة بحصتها كاملة في إطار التحالف الدولي لمحاربة داعش، نقوم بتكثيف تواجدنا، طائراتنا موجودة". ومقارنة أيضًا بالمهام التقليدية في التحالف، فإن فرنسا تشارك بنحو 1000 فرد في عمليات بالعراق وسوريا (مراقبة وإدارة مهام لوجستية واستخبارية ورصد)، ولديها 6 طائرات "رافال"، و8 مقاتلات "ميراج"، وناقلة، وطائرة "أواكس"، وطائرتان لمهام بحرية دورية، وفرقاطة، بالإضافة إلى حضور الحاملة "شارل ديجول" من آن لآخر على مستوى العمليات للمشاركة في بعض العمليات وفي الدعم الجوي.

وبالتوازي مع ذلك، أعلن الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبيرغ، في 24 مايو 2017، أن الناتو سينضم رسميًّا إلى عمليات التحالف الدولي دون أن يشارك في عمليات برية تلبية لطلب أمريكي، وهو ما يتسق أيضًا مع الأدوار الجديدة للفاعلين في مسرح العمليات السوري في الرقة تحديدًا. وكان الناتو قد حدد مشاركته من قبل في مؤتمر قمة رؤساء الدول والحكومات الذي عقد في وارسو في يوليو 2016، بمساهمة من خلال نظام الإنذار والتحكم المحمول جوًّا "أواكس"، لكنه في المرحلة الحالية سيزيد من هذه المشاركة.

وقد أعلن ستولتنبيرغ عن زيادة ساعات طيران طائرات "أواكس" للاستطلاع، وتكثيف تبادل المعلومات، وزيادة عمليات تزويد الطائرات بالوقود جوًّا، وإقامة خلية استخبارية في مقر الحلف في بروكسل من أجل تحسين مستوى تبادل المعلومات بين الدول خاصة فيما يتعلق بمسألة المقاتلين الأجانب، وتعيين منسق خاص من الحلف لمراقبة وتقييم عمل الحلف. ومن الواضح أن المساهمات الجديدة للحلف تواكب زيادة مهام القوات النوعية الجديدة. 

تداعيات محتملة:

ربما يفرض تصاعد دور تلك القوى خلال المرحلة القادمة تداعيات عديدة، يتمثل أبرزها في:

1- تسارع عمليات الرقة: بما يعني دخول عمليات القتال الأساسية في الرقة للقضاء على "داعش"، الذي تشير التقارير الدولية إلى أنه لا يزال لديه نحو 4 آلاف عنصر في الرقة، دخلت حيز التنفيذ، خاصة وأنها تأتي في ظل إعلان العراق عن الوصول إلى الحدود السورية، أى أن العمليات الرئيسية في الموصل انتهت تقريبًا. ومع تأمين الولايات المتحدة الأمريكية للحدود مع دول الجوار منعًا لتسلل قوات "داعش" كما حدث في عملية التنف الشهر الجاري، فإن الاستعدادات باتت جاهزة للتحرك نحو إسقاط التنظيم في الرقة بعد عملية حصاره. 

2- قيادة مختلفة للعمليات: فبينما كانت تتولى ميليشيا "الحشد الشعبي" في العراق مع قوات الجيش والشرطة العمليات، فإن القوات الخاصة لم يكن لها دور في العمليات الأرضية، لكن طبيعة الصراع في سوريا ربما تفرض هذا النمط من العمليات، فلا شك أن بيئة العمليات ونمط دفاعات عناصر التنظيم في الرقة التي تشكل معقل التنظيم الرئيسي أكثر إحكامًا من أى موقع آخر.

3- خطط خاصة بين الأطراف الأربعة: إذ أن بعض الدول المشاركة في التحالف سوف تواصل تنفيذ مهامها التقليدية في العمليات، بناء على طلب قيادة التحالف، في الوقت الذي ستقوم فيه القوى الدولية الأربع بممارسة أدوار نوعية تتناسب مع متطلبات المهام القتالية المرحلية في إطار إسقاط "داعش".

ومن دون شك، فإن هذه الأدوار الجديدة سوف تساهم في تعزيز فرص مشاركة هذه القوى سواء في عملية إعادة صياغة الترتيبات السياسية والأمنية في سوريا خلال الفترة القادمة، أو في تشكيل مجموعة العمل الرئيسية التي ستتابع المحطات التالية لـ"داعش" في مرحلة ما بعد سقوط الرقة.