التقديرات

قيود التوسع:

الغاز الطبيعي كمحدد للسياسة الروسية في الشرق الأوسط

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الخميس, 18 مايو, 2017

قيود التوسع:

نجحت شركات روسية، مثل "روسنفت للنفط" و"غازبروم"، في الاستحواذ على صفقات استثمارية في أسواق مثل إيران ومصر وتركيا، خلال الأشهر الماضية. وأصبح الغاز الروسي أحد الخيارات القائمة أمام مُستوردي الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، حيث سعى مؤخراً عدد من حكومات الإقليم لاستيراد الغاز المُسال الروسي.

وتدرك روسيا أن نمو أعمالها التجارية والاستثمارية في الشرق الأوسط، لاسيما في مجال الغاز الطبيعي، سيُمكنها من تعزيز مكانتها السياسية والعسكرية في الإقليم، فضلاً عن تنمية أنشطتها الاقتصادية الأخرى بخلاف الطاقة. ولكن تبقى المصالح المتنامية لروسيا في المنطقة، على صعيد قطاع الطاقة، محفوفة بكثير من العقبات، منها المنافسة الشرسة من دول أخرى مثل قطر والجزائر، علاوة على العلاقات الروسية المتوترة مع الغرب والتي قد تعيق التوسع الروسي في السيطرة على موارد الغاز بالشرق الأوسط.

أدوار متنوعة

منذ تدخلها العسكري في سوريا عام 2015، عززت الشركات الروسية حضورها في الشرق الأوسط على صعيد مجالي إنتاج وتسويق الغاز الطبيعي، وفيما يلي أبرز مجالات الانخراط الروسي:

1- مجال الإنتاج: أصبحت ثروات الغاز الطبيعي الكبيرة في حوض شرق البحر المتوسط، وبما فيها سوريا ومصر، محط أنظار روسيا مؤخراً. وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تحوي هذه المنطقة حوالي 1.7 مليار برميل نفط و122 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.

ومؤخراً، سعت العديد من الشركات الروسية إلى توسيع نطاق أعمالها في عمليات إنتاج الغاز الطبيعي. وفي هذا الصدد، استحوذت شركة "روسنفت" الروسية، في ديسمبر 2016، على حصة 30% من امتياز شروق البحري المصري، من شركة إيني الإيطالية مقابل 1.125 مليار دولار. 

كما تطلعت روسيا لتعزيز تعاونها في مجال الطاقة مع إيران في أعقاب توقيع الاتفاق النووي النهائي بين طهران ومجموعة (5+1)، إذ أبرمت شركة غاز بروم الروسية، منذ ديسمبر 2016، اتفاقات مبدئية مع إيران لتطوير حقول للغاز الطبيعي مثل جشمه خوش وجنكولة عند الحدود مع العراق، بالإضافة إلى حقل فرزاد. 

2- المجال التجاري: باتت روسيا أحد الخيارات أمام مستوردي الطاقة في الإقليم للحصول على الغاز الطبيعي. وفي هذا السياق، وقَّعت شركة "روسنفت" الروسية، في مارس 2017، اتفاقاً لتوريد 10 شحنات من الغاز الطبيعي المُسال للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" خلال العام الجاري. كما أبدت كل من الكويت والبحرين اهتمامهما، مؤخراً، للحصول على إمدادات الغاز المُسال من شركتي "غاز بروم" و"روسنف" الروسيتين. 

3- مجال النقل: تبحث روسيا عن تعزيز شراكتها مع عدد من دول الشرق الأوسط لنقل الغاز الروسي إلى الأسواق الأوروبية. وأحد أبرز المشاريع القائمة في هذا الصدد، هو مشروع خط السيل التركي، والذي من المقرر أن ينقل خط الأنابيب الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الأراضي التركية بطاقة 31.5 مليار متر مكعب.

ومن المؤكد أن هذا المشروع سيفيد تركيا كثيراً في دعم مكانتها كمركز لنقل الغاز في الشرق الأوسط، وهو ما يتسق في الوقت نفسه مع مساعي موسكو لتأمين توريد الغاز الروسي إلى الأسواق الأوروبية بعيداً عن خطوط الأنابيب ذات المخاطر الجيوسياسية العالية، مثل تلك المارة عبر أوكرانيا.

منافع عديدة

لا تقتصر المكاسب التي يمكن لروسيا أن تجنيها من صفقات الغاز الطبيعي على مجرد تحقيق عوائد تجارية محدودة في الوقت الراهن، وإنما قد تمتد لتوسيع نطاق نفوذها في إقليم الشرق الأوسط كله. وتتمثل هذه المكاسب في الآتي:

1- مكاسب الإنتاج: تحرص روسيا على توسيع نطاق أعمالها في مجال الغاز الطبيعي بالشرق الأوسط، نظراً للعوائد القوية التي تجنيها من وراء استثماراتها في هذه الصناعة بالمنطقة، وذلك بالتزامن مع كثير من الترجيحات التي تشير إلى تزايد ثروات حوض المتوسط من الغاز الطبيعي بشكل قد يغير من ديناميات إمدادات الطاقة على الصعيد الإقليمي والعالمي.

2- مكاسب تجارية: تطمح روسيا إلى أن تصبح أكبر مُنتج للغاز الطبيعي المُسال في العالم، وفقاً لتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مارس 2017. وفي هذا الصدد، تبحث الشركات الروسية مثل "غازبروم" و"روسنفت" توريد الغاز الطبيعي المُسال إلى أسواق جديدة بخلاف أسواقها التقليدية في أوروبا وآسيا.

وتدرك روسيا أن نمو تجارة الطاقة مع منطقة الشرق الأوسط سيكون له مردود إيجابي أيضاً على اتساع نطاق أعمالها التجارية غير النفطية مع دول الإقليم، بالإضافة إلى تجارة السلاح التي وفرت لها مبيعات بقيمة 12.7 مليار دولار للشرق الأوسط خلال الفترة بين عامي 2006 و2015.

3- مكاسب جيوسياسية: تدرك القيادة الروسية، كذلك، أن الانخراط في مسار إنتاج ونقل الغاز الطبيعي بالإقليم قد يلعب دوراً مؤثراً في إمدادات الغاز الطبيعي للأسواق الأوروبية. علاوة على ذلك، فإن اتساع نطاق التعاون بين روسيا وبعض الدول المستوردة للطاقة في الشرق الأوسط، قد يخدم موسكو في زيادة نفوذها السياسي والعسكري بالمنطقة.

دوافع متداخلة

من وجهة نظر مقابلة، ترى دول الشرق الأوسط أن زيادة إسهاماتها الاستثمارية في صناعة الغاز الطبيعي الروسي مسألة ضرورية لتحسين علاقتها السياسية مع موسكو. ومثال على ذلك، أنه على الرغم من التنافس الروسي - القطري في تصدير الغاز الطبيعي للأسواق العالمية، فإن جهاز قطر للاستثمار ومعه شركة "جلينكور" السويسرية بادرا في ديسمبر 2016 بشراء حصة قدرها 19.5% في شركة "روسنيفت"، بقيمة نحو 11.3 مليار دولار.

وربما يكون من عوامل الجذب لقطر لإبرام هذه الصفقة هو اعتقادها بأن هذا النوع من الاستثمارات يمثل طريقاً محتملاً لبداية شراكة سياسية وتجارية مع الجانب الروسي. وفي أغلب الظن تنظر القيادة الروسية إلى رؤوس الأموال القادمة من الشرق الأوسط باعتبارها مساهمات عاجلة لتحقيق الاستقرار المالي للشركات الروسية، التي تعاني خسائر بسبب العقوبات الغربية.

قيود ثلاثة

في ضوء الاعتبارات السابقة، بإمكان روسيا أن تستمر في توظيف منطقة الشرق الأوسط كنقطة انطلاق لعمليات نقل أو تسويق الغاز الطبيعي، سواء لدول المنطقة ذاتها أو الأسواق الأوروبية. ومع ذلك، فإن الحضور الروسي في صناعة الغاز الطبيعي بالمنطقة، لاسيما على صعيد الإنتاج، مازال عُرضة لكثير من القيود المحتملة في المستقبل، وهي:

1- الروابط الأمنية والاقتصادية الراسخة بين الولايات المتحدة ومعظم بلدان الشرق الأوسط، وهو ما قد يعيق زيادة مشاركة روسيا في عمليات إنتاج غاز المتوسط على وجه الخصوص. 

2- اشتداد حدة المنافسة بين روسيا من ناحية وقطر والجزائر من ناحية أخرى، لتسويق الغاز الطبيعي، سواء للأسواق المجاورة أو الأسواق الأوروبية، وهو ما قد يضعف الموقف الروسي الطامح لتعزيز حضوره في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا.

3- صعوبات الاستثمار في صناعة الغاز الطبيعي بالمنطقة في الوقت الراهن، إما بسبب ارتفاع المخاطر الجيوسياسية والأمنية في كثير من الأسواق أو لانخفاض الأسعار العالمية للغاز الطبيعي، والتي تجعل الاستثمار في بعض مناطق الإنتاج غير مجدية تجارياً.

ختاماً، يمكن القول إن روسيا باتت أحد اللاعبين المحتملين في صناعة الغاز الطبيعي في منطقة الشرق الأوسط، بيد أن طموحاتها في هذا القطاع ستواجه على الأرجح كثيراً من الصعوبات بسبب تعقيدات الأوضاع السياسية والاقتصادية في المنطقة.

إقرأ أيضاً