التقديرات

توقيت حرج:

هل تسعى حركة "الشباب" لاستعادة نفوذها في الصومال؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الخميس, 20 أبريل, 2017

توقيت حرج:

اتجهت حركة "شباب المجاهدين" الصومالية إلى تصعيد عملياتها خلال الفترة الأخيرة، وتحديدًا في أعقاب انتخاب أعضاء مجلسى الشيوخ والنواب رئيس الوزراء الأسبق محمد عبد الله فرماجو رئيسًا للدولة، في 8 فبراير 2017، وذلك في محاولة لوضع عقبات عديدة أمام الجهود التي تبذلها أطراف عديدة معنية من أجل دعم الاستقرار السياسي والأمني في الصومال. وقد بدا ذلك جليًا في تعمد الحركة، خلال مراسم تسليم السلطة إلى الرئيس الجديد، إطلاق ثلاث قذائف على المنطقة السكنية القريبة من القصر الرئاسي، في 16 فبراير، وهو ما أسفر عن مصرع مدنيين اثنين، كما شنت الحركة عملية إرهابية مزدوجة بعد ذلك بيومين، حيث استهدفت الجنرال حسن محمد ديري، نائب مدير جهاز الأمن والاستخبارات السابق، وهو ما أدى إلى إصابته ومقتل أحد مرافقيه، وفي التوقيت نفسه اغتالت السياسي محمد عمر هجفي. وقد كان آخر العمليات التي قامت بها الحركة التفجير الذي استهدف مجموعة من المسئولين العسكريين في إحدى القواعد العسكرية في العاصمة مقديشيو في 9 إبريل 2017، والذي أسفر عن مقتل 15 شخصًا معظمهم من المدنيين.

أهداف متعددة:

يبدو أن الحركة تسعى من خلال تصعيد عملياتها في الفترة الأخيرة إلى تحقيق أهداف عديدة يتمثل أبرزها في:

1- عرقلة جهود حكومة فرماجو: تدرك حركة "شباب المجاهدين" أن نجاح الحكومة في تنفيذ سياستها وبرامجها التي اكتسبت دعمًا إقليميًا ودوليًا ملحوظًا قد يفرض تداعيات سلبية عليها، وفي رؤية اتجاهات عديدة، فإن الحركة بدأت في إبداء قلق ملحوظ في أعقاب تولي فرماجو الرئاسة، خاصة أن سياسته قد تساعد في تكريس حالة من الاستقرار، لا سيما على المستويين السياسي والأمني، وهو ما لا يتوافق مع رؤية الحركة التي استغلت الاضطرابات الأمنية والسياسية خلال الفترة الماضية من أجل توسيع نطاق نشاطها في أنحاء مختلفة من الصومال.

وبعبارة أخرى، ربما يمكن القول إن الحركة تسعى مبكرًا إلى وضع عقبات أمام قدرة الحكومة على تنفيذ سياستها بشكل قد يساهم في تراجع التأييد الداخلي والخارج لها تدريجيًا والذي تبدي الحركة تخوفات عديدة تجاهه، لا سيما أنها ترى أن هذا التأييد قد يكون مقدمة لتزايد انخراط بعض هذه القوى في الحرب ضد الحركة خلال المرحلة القادمة.

2- استقطاب الإرهابيين: تحاول الحركة من خلال تنفيذ عمليات إرهابية نوعية دعم نشاط تنظيم "القاعدة"، فى منطقة شرق أفريقيا باعتبار أنها التنظيم الأساسي الذي يعبر عن التوجهات "القاعدية" في تلك المنطقة، والتي تسعى من خلالها إلى استقطاب أكبر عدد من العناصر المتطرفة التي يمكن أن تنضم إليها سواء من داخل الصومال أو من خارجها، وهو ما يبدو أنه يحظى بدعم من جانب التنظيم الذي يبذل جهودًا حثيثة من أجل استغلال حالة التراجع الملحوظة في قدرات تنظيم "داعش"، في كل من سوريا والعراق، بهدف توسيع نطاق نفوذه من جديد. وقد أشارت تقارير عديدة إلى أن مطاردة الحركة لعناصر التنظيم، فضلا عن ضعف موارده المالية، أدت إلى تراجع نشاطه ونفوذه في الصومال خلال الفترة الأخيرة.

3- إعادة المنشقين: بالتوازي مع ذلك، تحاول الحركة، خلال الفترة الحالية، استعادة المجموعات التي انفصلت عنها وانضمت إلى تنظيم "داعش" في الأعوام الأخيرة، لا سيما وأنها ترى أن تراجع قدرات التنظيم، على المستويين المالي والبشري، في المناطق التي يسيطر عليها في كل من العراق وسوريا، سوف يؤدى إلى انهيار الفروع الضعيفة التي انضمت إليه، والتي ليس لها تواجد أو نشاط قوي على الأرض، بشكل سوف يدفعها، على الأرجح، إلى العودة للانضمام لتنظيماتها السابقة من جديد، لكن وفق شروط جديدة سوف تضعها الأخيرة لمنع تكرار ظاهرة الانشقاقات مرة أخرى خلال المرحلة القادمة.

تأثيرات محتملة:

ربما يفرض اتجاه حركة "شباب المجاهدين" إلى تصعيد عملياتها في الفترة المقبلة تداعيات عديدة يمكن تناولها على النحو التالي:

1- تفاقم الاضطرابات الأمنية: إذ سوف تضيف العمليات الإرهابية التي قد تقوم الحركة بتنفيذها خلال المرحلة القادمة مزيدًا من الأعباء على الحكومة الجديدة، خاصة أن هذا التصعيد المحتمل يأتي في سياق داخلي غير مواتٍ بالنسبة للرئيس الجديد وحكومته، في ظل اتساع نطاق الاضطرابات الأمنية، وتراجع قدرة السلطات على ضبط الحدود ومواجهة التهديدات الداخلية، فضلا عن استمرار الصراعات القبلية.

2- تزايد احتمالات استهداف القوات الإفريقية: لا يمكن استبعاد اتجاه الحركة إلى استهداف قوات الاتحاد الإفريقي التي يبلغ عددها نحو 22 ألف جندي، والتي تحظى باهتمام ملحوظ من جانب القوى الدولية والإقليمية التي تسعى إلى دعم الاستقرار السياسي والأمني في الصومال. ومن دون شك، فإن الحركة تدرك جيدًا أن وجود هذه القوات منعها من التمدد داخل مناطق جديدة بالصومال وقلص وجودها في بعض المناطق الأخرى، خاصة أن تلك القوات دخلت في مواجهات عديدة مع الحركة في الفترة الماضية.

3- تجاوز حدود الصومال: ربما تتجه الحركة إلى تصعيد نشاطها الخارجي مرة أخرى، من خلال استهداف بعض دول الجوار بعمليات إرهابية نوعية، وذلك بعد توقف ما يقرب من عام، خاصة في دول مثل إثيوبيا، التي أعلنت، في نوفمبر 2016، سحب قواتها من بعض المناطق الاستراتيجية في الصومال، إلى جانب كينيا التي زعمت الحركة، في أواخر يناير 2017، أنها هاجمت إحدى القواعد التابعة لها داخل الصومال وادعت أنها قتلت 50 جنديًا واستولت على مركبات عسكرية وأسلحة، وهو ما نفته الحكومة الكينية بعد ذلك.

وعلى ضوء ذلك، ربما يمكن القول في النهاية إن اتجاه حركة "شباب المجاهدين" إلى تصعيد عملياتها الإرهابية خلال المرحلة القادمة سوف يمثل أول تحدي لحكومة الرئيس فرماجو، على نحو بات يفرض على القوى الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة الصومالية، رفع مستوى التعاون فيما بينها من أجل تقليص قدرة الحركة على تنفيذ تهديداتها التي ربما تتجاوز حدود الصومال وتمتد إلى دول الجوار، بدرجة قد تؤثر على حالة الاستقرار السياسي والأمني بشكل عام في تلك المنطقة.