التقديرات

أزمة ثقة:

هل وصلت الشراكة الاقتصادية التركية - الأوروبية للمرحلة الحرجة؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الثلاثاء, 21 مارس, 2017

أزمة ثقة:

ربما يفرض اتساع نطاق الخلافات الراهنة بين بعض دول الاتحاد الأوروبي وتركيا تداعيات سلبية على الشراكة الاستراتيجية الواسعة بين الطرفين. ففي غضون مارس الجاري، لم تسمح كل من هولندا وألمانيا بتنظيم اجتماعات بين وزراء أتراك والجاليات التركية بهما لحثها على تأييد التعديلات الدستورية في الاستفتاء الذي سوف يجرى في 16 أبريل 2017، وهو ما دفع بعض المسئولين الأتراك إلى توجيه انتقادات قوية تجاه تلك الإجراءات. كما أنه في غضون الشهور الماضية، تصاعدت حدة الانتقادات الأوروبية لتركيا في أعقاب الانقلاب الفاشل الذي شهدته الأخيرة في يوليو 2016، وذلك على خلفية الإجراءات التي اتخذتها على الساحة الداخلية. وقد وصل التوتر بين الطرفين إلى ذروته مع تهديد ألمانيا بقطع المساعدات الاقتصادية لتركيا، وتلميح الأخيرة إلى احتمال فرض عقوبات اقتصادية على هولندا.

ومع ذلك، فإن كلا الطرفين ليسا على استعداد تام للمضى قدمًا في رفع مستوى التصعيد إلى درجة غير مسبوقة. إذ أن المصالح الاقتصادية الممتدة والواسعة التي تربط تركيا ودول الاتحاد الأوروبي والتي تشمل ملفات اللاجئين والطاقة والتجارة والاستثمار وغيرها، قد تحول دون اتجاه أى من الطرفين نحو تأجيج التوتر الحالي. لكن ذلك لا ينفي أن مسار الشراكة الاقتصادية بين تركيا والاتحاد والأوروبي سيظل على المحك ومرهونًا بمتغيرات كثيرة يتمثل أبرزها في المسارات المحتملة للتطورات الداخلية التركية، ومدى ثقة الاتحاد الأوروبي في العلاقات مع أنقرة في ظل رئاسة أردوغان.  

خطوات متبادلة:

في غضون الأشهر الماضية، تصاعد التوتر بين بعض دول الاتحاد الأوروبي وتركيا، ففي أعقاب الانقلاب الفاشل الذي شهدته تركيا في يوليو 2016، تزايدت انتقادات المؤسسات الأوروبية تجاه الإجراءات التي اتخذتها السلطات التركية، فيما هدد بعض المسئولين الأتراك، في أكثر من مناسبة، بإلغاء اتفاق اللاجئين مع الاتحاد الأوروبي الذي أبرم في مارس 2016.

وفي هذا الصدد، ألمح نائب رئيس الحكومة التركية نعمان قورتولموش، في 15 مارس 2017، إلى احتمال إعادة النظر في الاتفاق السابق ردًا على التوتر القائم مع الاتحاد الأوروبي. وكمؤشر آخر على تصاعد هذا التوتر، منعت السلطات الهولندية، في 11 من الشهر ذاته، هبوط طائرة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، ولم تسمح لوزيرة شئون الأسرة فاطمة بتول بعقد اجتماع مع الجالية التركية للترويج للتأييد للاستفتاء العام بشأن التعديلات الدستورية.

فيما توترت العلاقات مع ألمانيا أيضًا في أعقاب اعتقال السلطات التركية  للصحفي الألماني دينيز يوجل الذي يعمل في صحيفة "فيلت" الألمانية، في فبراير 2017، بدعوى الضلوع في أنشطة إرهابية والقيام بمهام استخباراتية. لكن الخلافات بين الطرفين لم تتركز حول تلك الخطوة فقط، وإنما امتدت أيضًا إلى الإجراءات التي اتخذتها السلطات الألمانية تجاه محاولة أنقرة التواصل مع الجالية التركية في ألمانيا قبل الاستفتاء، حيث ألغت بدورها اجتماعات في عدة ولايات ألمانية لوزيرى العدل والاقتصاد التركيين بكير بوزداج ونهاد زيبكجي مع الجالية التركية، وهو ما دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى وصف تلك الإجراءات بأنها "لا تختلف عن التصرفات في الحقبة النازية". 

 إمكانية التأثير:

وعلى ضوء التوتر السابق، هددت ألمانيا بإعادة تقييم المساعدات الاقتصادية لتركيا، إذ أشار وزير المالية الألماني فولفجانج شيوبله، في 12 مارس الجاري، إلى صعوبة مواصلة بلاده المساعدات الاقتصادية مع تركيا بسبب الخلاف حول التواصل مع الجالية التركية في ألمانيا واحتجاز الصحفي الألماني. فيما هدد نعمان قورتولموش، نائب رئيس الوزراء التركي، في 14 مارس الجاري، بأن بلاده قد تفرض عقوبات اقتصادية على هولندا.  

وقبل ذلك، قامت تركيا بتعليق العلاقات الرفيعة مع هولندا، بالتوازي مع عدم السماح للسفير الهولندي بالعودة إلى الأراضي التركية، وكذلك تم حظر إصدار تصاريح لرحلات الطيران الدبلوماسية، فيما أوصى البرلمان التركي بإلغاء مجموعة الصداقة مع البرلمان الهولندي.

لكن رغم المؤشرات السابقة التي قد توحي بتصاعد حدة الخلافات بين تركيا وبعض الدول الأوروبية، إلا أنها في الوقت نفسه قد لا تعني مضى أى من الطرفين نحو تقليص مستوى التعاون الاقتصادي، وذلك في ظل الضغوط التي يمارسها حلف الناتو من أجل وقف التصعيد الحالي، بالتوازي مع الجهود التي يبذلها المسئولون الألمان حاليًا من أجل تفادي توسيع مساحة الخلافات مع تركيا. 

 أبرز الشركاء التجاريين لتركيا عام 2015


Source: European Commission; European Union, Trade with Turkey.

ومن دون شك، فإن المصالح المتبادلة بين الطرفين كبيرة بدرجة قد تدفعهما إلى العمل على تجنب الإضرار بها، والتي تشمل النفط والتجارة والاستثمارات بالإضافة إلى التعاون بشأن قضية اللاجئين ومكافحة الإرهاب. وبنظرة أوسع، فإن الإضرار بالشراكة الأوروبية- التركية قد يفرض تداعيات سلبية على الجانبين، حيث تعد تركيا سوقًا كبيرة للصادرات الأوروبية والتي بلغت 78 مليار يورو في عام 2016، فيما بلغت الواردات الأوروبية من تركيا نحو 66.6 مليار يورو في العام نفسه. 

فضلا عن ذلك، تشير اتجاهات عديدة إلى أن مستثمري الاتحاد الأوروبي لديهم رؤوس أموال في السوق التركية ناهزت 75.9 مليار يورو في عام 2015 وتشكل ما يوازي 65% من مجموع الاستثمارات الأجنبية في تركيا. ولاعتبارات أخرى، قد لا يتبنى الاتحاد الأوروبي خيارًا تصادميًا مع تركيا في الوقت الراهن، فبجانب حاجة دول الاتحاد، ولا سيما ألمانيا، للتنسيق مع تركيا بشأن قضية اللاجئين، يدرك الاتحاد أيضًا أهمية التعاون مع الأخيرة في مجال النفط، حيث من المتوقع مرور عدد من أنابيب الغاز من روسيا والشرق الأوسط وأذردبيجان إلى أوروبا عبر الأراضي التركية.

وبالإضافة إلى ذلك، قد لا يحبذ الاتحاد تكرار خيار المقاطعة التجارية مع أنقرة، في ظل فقدانه عددًا من الأسواق التجارية الهامة خلال السنوات الماضية على غرار السوق الروسية، حيث تم فرض حظر على المنتجات الغذائية الأوروبية عقب قيام الاتحاد بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا منذ عام 2014.

وعلى ضوء التقييم السابق، يمكن القول إن الجانبين سوف يتجهان، على الأرجح، نحو تنحية الخلافات جانبًا والتركيز على التحديات المشتركة، ومن ثم لا يتوقع أن تكون للخلافات الراهنة نتائج اقتصادية خطيرة على المدى القصير، لا سيما في ظل تصاعد أزمة اللاجئين في الاتحاد الأوروبي.

متغيرات عديدة:

لكن ذلك لا ينفي أن فجوة الثقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا ربما تتزايد خلال الفترة المقبلة، وبما قد يؤدي إلى تعريض الشراكة الاقتصادية لمخاطر حقيقية، إلا أن تحقق هذا السيناريو سوف يعتمد على متغيرات عديدة، يتمثل أبرزها في مدى تجاوب أنقرة مع الانتقادات الأوروبية للإجراءات التي تتخذها السلطات التركية على الساحة الداخلية، فضلا عن مستوى التنسيق حول ملف اللاجئين ومكافحة الإرهاب. ومن دون شك، فإن عزوف أى من الطرفين عن التعاون في هذه الملفات ربما يمثل البداية الحقيقية لتقليص مستوى العلاقات الاقتصادية وتراجع فرص تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي.