العروض - المقالات

السعودية والتغير المتوازن


الأحد، 26 فبراير، 2017

شيء ما يحدث في المملكة العربية المسعودية. فالدولة تعرف تغييراً حقيقياً. وقد كتب كثير من المعلقين عن ذلك، ولكن في بعض الحالات كانت ملاحظاتهم لا تتعدى الاعتماد على مقارنة ما شاهدوه بين زيارة وأخرى، مع التحيزات التي تعلموها، من دون سياق أو تاريخ.

وعلى رغم أنني لست خبيراً في شؤون السعودية، ولكن بصفتي شخصاً زار المملكة عشرات المرات خلال العقود الأربعة الماضية، وتمكنت من إجراء استطلاعات رأي في أنحائها خلال فترة العقد ونصف العقد الماضية، أود أن أشارك بعض الاستنتاجات من زيارتي التي اختتمتها لتوي إلى جانب نتائج بعض من أحدث استطلاعات الرأي العام التي أجريتها.

وبمفهوم واقعي، تعتبر السعودية دولة جديدة لطالما شهدت تغييراً. ففي بداية خمسينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، كان تعداد سكان مدينة الرياض، عاصمة المملكة، لا يتجاوز عشرات الآلاف. وبحلول عام 1980، عندما قمت بزيارتي الأولى، كان التعداد قد زاد إلى مليون نسمة. وأما الآن، فيقدر تعداد سكان الرياض الكبرى بنحو سبعة ملايين. وكانت هناك بعض الأوقات التي بدت فيها المدينة مثل موقع بناء ضخم، يجري فيه تشييد المباني ومشاريع البنى التحتية في كل مكان تقريباً. وكان السعوديون يمزحون بأن «طائرهم الوطني» يبدو مثل «رافعة».

ولم يكن التطور العمراني السريع بلا ثمن، فمع قدوم الناس أفواجاً إلى المناطق العمرانية التي تم توسيعها حديثاً، شعر كثيرون بصدمة ثقافية وأحسوا بالحاجة إلى التشبث بنقاء «الأساليب القديمة»، وهو أمر لم يكن مفاجئاً.

ومع مرور السنوات، حدثت تغييرات حقيقية، وبعضها كان نتيجة خروج عشرات الآلاف من السعوديين للدراسة في الخارج، ونتج بعضها الآخر أيضاً عن التحولات في الحياة اليومية والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي نتجت عن التطور العمراني، بينما عكست تغييرات أخرى تأثير العولمة خصوصاً على الشباب السعودي. وعلى أية حال، فليست السعودية اليوم هي تلك التي زرتها قبل جيل مضى، ذلك أن كثيراً من السعوديين يعيشون حياة ويتصلون بالعالم الخارجي بأساليب لم تكن متصورة لأجدادهم. وعلى رغم ذلك، لا تزال التقاليد موجودة، ويكفي ذلك بالنسبة للبعض في الغرب لرفض فكرة وصف ثقافة البلاد بالتغير. ويبدو أنه إذا لم يأت التغيير بوتيرتنا، مرتدياً الرداء الغربي، ولم يجر على طريقتنا، فإن البعض لا يعتبره تغييراً حقيقياً.

ولكن بعيداً عن ذلك التطور الهادئ والمستقر، هناك شيء جديد وكبير يحدث في المملكة، إذ توجد اليوم جهود واعية ومتزنة من قبل القيادة السعودية لتسريع عملية تحول المجتمع، وتحدي بعض العقبات التقليدية التي تقف في طريق مضي البلاد قدماً. وبعض الزخم وراء هذه الجهود يرجع من دون شك للحاجة إلى تجاوز الاعتماد على عائدات النفط والتوظيف المدعوم من الحكومة. وهناك عامل آخر مهم هو ظهور جيل جديد من القيادات ممن يرغبون في تحديث دولتهم، وأن يفعلوا ذلك مع احترام تقاليدهم.

وفي إطار هذه الجهود الوطنية على صعيد التحول الاجتماعي والاقتصادي، زاد عدد السعوديين الذين يدرسون في الخارج إلى أكثر من مائتي ألف شاب من كافة شرائح المجتمع السعودي، وكافة أنحاء البلاد. ويوجد في الوقت الراهن نساء أكثر من الرجال في الكليات، وخريجات يدخلن سوق العمل بأعداد مطردة.

وثمة جهود مضنية، وتعاون مع متخصصين عالميين، لتحديث المناهج التعليمية مع تغييرات على كافة المستويات. وفي زيارتي الأخيرة إلى السعودية، اطلعت في وزارة التعليم على إصلاحات في المراحل الأولى من تعليم الأطفال والتعليم الأساسي بدرجة أذهلتني، مع وجود حرص شديد على تعليم الرياضيات والعلوم، وبرامج تدريب تم وضعها لإعداد المعلمين والمساعدين للتعامل مع الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، وجهود لتقديم فرص التعليم التفاعلي وعبر الإنترنت للسعوديين من كافة الأعمار. وهذه التغييرات مجتمعة من دون شك ستنتج مزيداً من التحولات خلال السنوات المقبلة.

وفي هذه الأثناء، تظهر استطلاعاتنا للآراء أن معظم السعوديين راضون تماماً عن حياتهم ومتفائلون بشأن المستقبل. وفي استطلاع «جودة الحياة» الذي أجريناه قبل أعوام قليلة في 22 دولة، سجلت السعودية مستوى جيداً، أعلى من الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية. وأظهر أيضاً أحدث استطلاعات الرأي، منذ إطلاق برنامج التحول الوطني، زيادات كبيرة في معدلات التفاؤل والرضا.

*نقلا عن صحيفة الاتحاد

الكلمات المفتاحية: السعودية

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات