التقديرات

خطوات مرتبكة:

آليات تعامل "داعش" و"فتح الشام" مع نتائج مؤتمر الآستانة

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الإثنين, 30 يناير, 2017

خطوات مرتبكة:

أبدى كل من تنظيم "داعش" و"جبهة فتح الشام" (جبهة النصرة سابقًا) اهتمامًا خاصًا بالنتائج التي انتهت إليها مفاوضات الآستانة التي عقدت يومى 23 و24 يناير 2017، برعاية كل من روسيا وتركيا وإيران، خاصة بعد أن أكد البيان الختامي، الذي صدر عن تلك المفاوضات ولم يوقعه نظام بشار الأسد وقوى المعارضة، على التزام الدول الراعية للاتفاق بمحاربة التنظيمين وفصلهما عن مجموعات المعارضة المسلحة، وهو التوافق الذي ربما يلقى دعمًا أكبر بعد انعقاد مفاوضات جنيف التي أعلنت روسيا تأجيلها إلى نهاية فبراير 2017، بعد أن كان مقررًا عقدها في 8 من الشهر ذاته.

ومن دون شك، فإن ذلك ربما يدفع التنظيمين إلى تبني آليات متعددة للتعامل مع تلك النتائج التي انتهت إليها المفاوضات، سواء تجاه الفصائل المسلحة التي شاركت فيها أو إزاء القوى الإقليمية والدولية التي قامت برعايتها، تتراوح بين العمل على رفع مستوى الهجمات المسلحة ضد بعض تلك الفصائل، وتوسيع نطاق استهداف مصالح الدول الراعية للمفاوضات، وفتح جبهات جديدة، ومحاولة عرقلة استمرار المحادثات، وربما تدشين مرحلة جديدة من التقارب بين "داعش" و"جبهة فتح الشام" خلال المرحلة القادمة رغم الصعوبات التي قد تحول دون تحقيق ذلك.

تحركات متعددة:

تتمثل أبرز الآليات التي يمكن أن يتجه كل من تنظيم "داعش" و"جبهة فتح الشام" إلى تبنيها في:

1- التصعيد العسكري ضد الفصائل المسلحة المشاركة في المؤتمر: وقد بدا ذلك جليًا في اتجاه "جبهة فتح الشام" إلى شن سلسلة من الهجمات ضد "جيش المجاهدين"، وهو أحد الفصائل المسلحة التي شاركت في المفاوضات، والذي يتواجد مقاتلوه في ريف حلب الشرقي والغربي، حيث امتدت المواجهات بين ريف حلب الغربي وإدلب. وقد توازى ذلك مع توجيه الجبهة اتهامات عديدة إلى بعض الفصائل التي شاركت في المفاوضات بأنها تآمرت عليها وسعت إلى تسليم المواقع التي تسيطر عليها لقوى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التي صعّدت هجماتها ضد مواقع "الجبهة" في الفترة الأخيرة.

واللافت في هذا السياق، هو أن تصاعد حدة تلك المواجهات دفع "جيش المجاهدين" إلى التحذير من أن الضربات التي يتعرض لها من جانب "الجبهة" قد تضطره إلى ترك المناطق التي يسيطر عليها إلى القوات النظامية وحلفائها من الميليشيات المسلحة، فيما اتجهت بعض الفصائل الأخرى إلى الانضمام لحركة "أحرار الشام" من أجل منع "الجبهة" من استهداف مواقعها وعناصرها، وهى "صقور الشام" و"جيش الإسلام"- قطاع إدلب و"كتائب ثور الشام" و"الجبهة الشامية"- قطاع حلب الغربي و"تجمع فاستقم كما أمرت".

2- التقارب المحتمل بين "داعش" و"الجبهة": تشير اتجاهات عديدة إلى أن تفاقم الضغوط التي يتعرض لها كل من تنظيم "داعش" و"جبهة فتح الشام" خاصة بعد انضمام عدد كبير من التنظيمات المسلحة إلى مفاوضات الآستانة ربما يدفعهما إلى تدشين مرحلة جديدة من التقارب فيما بينهما من أجل التعامل مع المعطيات الجديدة التي فرضتها نتائج المفاوضات على الأرض.

ومن دون شك، فإن ما يمكن أن يدفع التنظيمين إلى تبني هذه الآلية هو تزامن هذه المفاوضات مع التصعيد العسكري من جانب القوى الدولية المشاركة في الحرب ضد التنظيمين خلال الفترة الأخيرة.

فقد تعرضت مواقع "الجبهة" قرب بلدة سرمدا في ريف إدلب الشمالي الغربي لهجمات جوية، في 3 يناير 2017، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 25 من كوادرها وعناصرها، وقد أشارت "الجبهة" إلى أن التحالف الدولي هو الذي قام بشن تلك الهجمات. فيما تعرضت مواقع تنظيم "داعش" في دير الزور إلى ضربات جوية روسية، بالتوازي مع العمليات العسكرية التي تشنها قوات "درع الفرات" المدعومة من تركيا في مدينة الباب لطرد عناصر التنظيم منها.

ومن دون شك، فإن هذا التقارب المحتمل بين الطرفين لا ينفي أن ثمة خلافات عالقة بين الطرفين لا تبدو هامشية، خاصة أنها كانت سببًا في نشوب مواجهات مسلحة بين الطرفين في الفترة الماضية، وإنما يعني أن المعطيات الجديدة التي أنتجتها المفاوضات تفرض على الطرفين تحييد تأثيرات تلك الخلافات، على الأقل في المرحلة الحالية، التي تشهدا تصعيدًا ضد مواقع وعناصر التنظيمين من جانب قوى مختلفة.

3- استهداف مصالح الدول الراعية للمفاوضات: على غرار تركيا، خاصة بعد القرار الذي اتخذته الأخيرة، في 26 يناير 2017، بتصنيف كل من تنظيم "داعش" و"جبهة فتح الشام" باعتبارهما تنظيمين إرهابيين. وهنا، فإن اتجاهات عديدة لم تستبعد احتمال اتجاه التنظيمين إلى تنفيذ عمليات إرهابية داخل تركيا على غرار العمليات التي سبقت انعقاد مؤتمر الآستانة، مثل الهجوم على الملهى الليلي في اسطنبول في بداية يناير 2017.

4- محاولة إعاقة استمرار المحادثات: ربما يحاول كل من "داعش" و"جبهة فتح الشام" إعاقة استمرار المفاوضات خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل إدراكهما أن مؤتمر الآستانة كان يهدف في المقام الأول إلى تثبيت وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في 30 ديسمبر 2016 برعاية كل من روسيا وتركيا، بشكل يمكن أن يعزز من فرص الوصول إلى حلول وسط للخلافات الأكثر تعقيدًا خلال المفاوضات التي سوف تجرى في جنيف في نهاية  فبراير 2017.

وهنا، فإن التنظيمين ربما يتجها إلى محاولة فرض ضغوط على الفصائل المسلحة من أجل دفعها إلى التراجع عن الانخراط في أية مباحثات جديدة، أو العمل على توسيع نطاق الخلافات العالقة فيما بينها.

5- تأسيس تحالفات جديدة: فبعد انتهاء مفاوضات الآستانة، انصمت "جبهة فتح الشام" إلى تحالف جديد باسم "هيئة تحرير الشام"، إلى جانب كل من "لواء الحق" و"جبهة أنصار الدين" و"جيش السنة" و"حركة نور الدين الزنكي"، وذلك بعد أن رفصت الدعوات التي وجهتها "جبهة أحرار الشام" لتسوية الخلافات التي اندلعت بينها وبين الفصائل الأخرى خلال الفترة الأخيرة، بشكل يشير إلى أنها تسعى إلى تقليص حدة الضغوط التي يمكن أن تتعرض لها في مرحلة ما بعد تنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلال المفاوضات.

6- توسيع نطاق السيطرة: وهو ما يتبناه تنظيم "داعش"، الذي سعى إلى استباق انعقاد مفاوضات الآستانة بمحاولة تعزيز سيطرته على مدينة دير الزور. وقد كشفت تقارير عديدة عن أن التنظيم قام بنقل عدد كبير من مقاتليه، خاصة من العرب والأجانب المهاجرين، من مدينة الرقة، التي تمثل معقله الرئيسي في سوريا، إلى دير الزور، وذلك بهدف فتح أكثر من جبهة صراع مع الأطراف المناوئة له، بدايةً من مدينة الموصل في العراق التي تتقلص فيها مساحة الأراضي التي يسيطر عليها تدريجيًا، مرورًا بمدينتي الرقة والباب، وانتهاءً بمدينة دير الزور، وتأكيد قدرته على التعامل مع الضغوط المتصاعدة التي تفرضها نتائج العمليات العسكرية التي تشنها تلك الأطراف ضده.

وفي النهاية، يمكن القول إن النتائج التي أسفرت عنها مفاوضات الآستانة ربما تمثل مرحلة جديدة في المواجهة مع تنظيم "داعش" و"جبهة فتح الشام"، لكن ذلك سوف يرتبط في المقام الأول، بما سوف تنتهي إليه المفاوضات القادمة في جنيف بين النظام وقوى المعارضة المسلحة، لا سيما أنها سوف تركز على الملفات السياسية التي تمثل محاور الخلاف الرئيسية بين الطرفين.