العروض - المقالات

ترامب والمسلمون.. ما العمل؟

د. بهجت قرني

الأربعاء, 18 يناير, 2017

إذا كانت هناك قضية تلخص العلاقة بين ترامب والعالم العربي الإسلامي فهي وعد الرئيس الأميركي المنتخب، خلال حملته الانتخابية، بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.

قبل حلول عام 2017، وبكثير، هناك خاصتان للمنطقة العربية فيما يتعلق بقضية القدس، وأهمية رد الفعل بشأنها:

1- مركزية هذه المدينة المرتبطة بمركزية القضية الفلسطينية على المستويين الحكومي والشعبي.

2- الكثافة المؤسسية الدولية للمنطقة العربية، فبالإضافة إلى تجمعات فرعية مثل مجلس التعاون الخليجي، تنخرط الدول العربية الأفريقية في منظمة الاتحاد الأفريقي، كما أن بعضها عضو في منظمة الدول الفرانكفونية، وهي كلها تنخرط في منظمة المؤتمر الإسلامي، ولها منظمتها الخاصة بها، أي جامعة الدول العربية.

إن ذلك التمثيل المؤسسي الدولي الكثيف هو عامل قوة ونفوذ لا يُستهان به، بالإضافة إلى عوامل التأثير الأخرى، مثل الموقع الاستراتيجي والقوة المالية الاقتصادية (رغم الانخفاض الحالي في أسعار النفط).

ولعل إثارة موضوع نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس هو المناسبة الأهم لإظهار وتفعيل هذه القوة العربية الإسلامية، بل إن الأمم المتحدة وجميع منظماتها، من مجلس الأمن إلى اليونسكو، تبدو صريحة في موقفها القائل بأن القدس الشرقية أرض محتلة ولا يجوز الاعتراف بشرعية الاحتلال فيها. هناك إذن إجماع دولي نادر يستطيع التجمع العربي الإسلامي الارتكاز عليه لوقف نية الرئيس ترامب في إرضاء إسرائيل واللوبي الصهيوني على حساب العرب والمسلمين، عبر الانتهاك الصريح للشرعية الدولية.

والحقيقة أن ترامب ليس أول رئيس أميركي يستخدم موضوع نقل السفارة إلى القدس في حملته الانتخابية، فقد سبقه إلى ذلك كل من بيل كلينتون وبوش الابن. لكنه كان وعداً انتخابياً لم يتم تنفيذه، رغم وصول الرجلين إلى سدة البيت الأبيض، ورغم ضغوط الكونغرس واللوبي الصهيوني لتنفيذ الوعد. وكانت حجة الرئيسين في عدم التنفيذ هي أن نقل السفارة يضر بالأمن القومي الأميركي.

هناك حالة مماثلة كنت شاهداً عليها في نهاية السبعينيات حين تعهد ممثل حزب المحافظين الكندي في حملته الانتخابية بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، وقد فاز فعلاً وأصبح رئيساً للوزراء، ليواجه معضلة تنفيذ وعده، وهي معضلة بالفعل؛ إذ رأى أنه بإرضاء أصدقاء إسرائيل عبر نقل السفارة، فإنه سيتسبب في نتائج وخيمة، ليس فقط بسبب غضب الدول العربية والإسلامية وشعوبها، ولكن لأن كندا ستصبح موصومة بانتهاك الشرعية الدولية.. فماذا فعل إذن «جو كلارك» بعد أن أصبح رئيساً للوزراء؟ قام باستشارة العديد من الساسة والخبراء الكنديين، بعضهم متخصصون في قضايا الشرق الأوسط وأحوال العالمين العربي والإسلامي، ثم قام بعد ذلك بإرسال رئيس «حزب المحافظين»، ستنافيلد، وهو شخصية مرموقة تحظى بسمعة طيبة واحترام كبير، في جولة إلى دول الشرق الأوسط وبعض الدول الإسلامية الأخرى. وكما نلاحظ هنا فإن تأجيل القرار ثم الاعتماد على رأي الخبراء داخلياً وخارجياً، كان الوسيلة الأولى والناجعة لإجهاضه.

قد تكون المعركة مع إدارة ترامب أصعب، أولاً بسبب شخصيته ومعتقداته، ثم ثانياً لأن فريقه- بدءاً من المقربين منه في البيت الأبيض إلى السفير الأميركي الجديد في إسرائيل- متحمس جداً لإسرائيل ولنقل السفارة.

ويبدو أن عامل الوقت مهم للغاية في هذه المعركة، لذلك لا يجب الانتظار حتى يتم اتخاذ القرار بنقل السفارة ثم الاحتجاج، فالبداية هي الاجتماع والتحذير من مغبة قرار كهذا قبل اتخاذه، وحشد التجمع العربي الإسلامي وكذلك العالمي من أجل احترام الشرعية الدولية. والإخفاق في هذه القضية قد يكون مقدمة لإخفاقات عربية إسلامية أخرى مع واشنطن.

*نقلا عن صحيفة الاتحاد

الكلمات المفتاحية: ترامب