التقديرات

محددات المكاسب:

تأثير رفع العقوبات الأمريكية على الاقتصاد السوداني

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الثلاثاء, 17 يناير, 2017

محددات المكاسب:

ربما يفرض قرار الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته بارك أوباما برفع بعض العقوبات المفروضة على السودان، في 13 يناير 2017، بعض الآثار الإيجابية على الاقتصاد السوداني، الذي عانى من صعوبات جمة على مدار السنوات الخمس الماضية بسبب تأزم الأوضاع الداخلية سواء السياسية أو الأمنية، إلى جانب العقوبات الأمريكية المفروضة منذ قرابة عشرين عامًا. 

وعلى الأرجح، سوف يساهم القرار الأمريكي في انتعاش الاقتصاد السوداني، حيث ستتمكن البلاد من استرداد الأصول المالية المجمدة بالولايات المتحدة الأمريكية، بجانب انسياب المعاملات المصرفية والمالية مع الخارج، وبما يسارع من اندماج الاقتصاد السوداني في النظام الاقتصادي العالمي. وفي هذا السياق أيضًا، من المتوقع أن يعمل القرار الأمريكي على تعزيز الاستثمارات الأجنبية بالبلاد وحركة المبادلات التجارية مع العالم الخارجي.

وقد تعزز التغيرات السابقة من فرص الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين للبلاد أيضًا لدعم العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، وفي الوقت نفسه ستفسح المجال لحضور شركاء جدد بالسوق السودانية سواء من دول الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية.

ورغم ذلك، سيتوقف تحقق المكاسب المذكورة في السابق على اعتبارات عدة تتمثل في التزام الإدارة الأمريكية الجديدة بتنفيذ قرار رفع العقوبات الاقتصادية، بجانب الاستقرار السياسي الداخلي، ومواصلة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية اللازمة لدعم النمو الاقتصادي وتحسين مناخ الاستثمار.  

رفع العقوبات:

أصدر الرئيس الأمريكي باراك أوباما، في 13 يناير 2017، أمرًا تنفيذياً يقضي بإلغاء بعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ عام 1997 بموجب الأمرين التنفيذيين السابقين رقم 13067 ورقم 13412 الصادرين في عامى 1997 و2006 على التوالي. ومع دخول الأمر حيز التنفيذ في يوليو 2017، ستتمكن السودان من استرداد كافة الأصول المالية المجمدة قبل عام 1997، بالإضافة إلى استئناف المبادلات التجارية والاستثمارية مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يتيح القرار للشركات الأمريكية الاستثمار في صناعة النفط والبتروكيماويات السودانية بما في ذلك خدمات حقول النفط وأنابيب النفط والغاز.

كما سيزيل القرار الحظر السابق المفروض على التعاملات المصرفية بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول العالم. ويبدو أن مواصلة السودان التزامها بمكافحة الإرهاب، إلى جانب تسوية النزاعات المحلية بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، سوف يحسن من موقفها مستقبلا في سبيل إلغاء بقية العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بسبب إدراجها ضمن القائمة السوداء الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، بالإضافة إلى الصراع في دارفور.  

انتعاش محتمل:

يواجه الاقتصاد السوداني صعوبات جمة بسبب انفصال جنوب السودان في يوليو 2011، فضلا عن العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على السودان منذ نحو عشرين عامًا. ومن المتوقع أن يؤدي القرار الأمريكي الجديد إلى عددٍ من الآثار الإيجابية على الاقتصاد السوداني، يمكن تناولها على النحو التالي:

1- سيولة النقد الأجنبي: يُعد رفع الحظر المفروض على الأصول المالية المجمدة بالولايات المتحدة الأمريكية من ضمن أهم بنود قرار رفع العقوبات الاقتصادية على السودان، حيث سيُتيح الإفراج عن مبالغ مالية بقيمة 30 مليار دولار هى قيمة الأصول السودانية هناك، بحسب مكتب مراقبة الأصول الخارجية الأمريكي (الأوفاك). ومن المؤكد أن الحصول على هذه الأموال، بجانب إزالة القيود على التعاملات المالية والبنكية للسودان مع العالم الخارجي، سيساهم في توفير سيولة كبيرة من النقد الأجنبي بالبلاد، ومن ثم دعم مستوى الاحتياطيات الدولية البالغة بنهاية عام 2015 نحو مليار دولار فقط، أى ما يعادل تغطية 1.2 شهر من الواردات بحسب صندوق النقد الدولي.

كما أن من شأن توفير السيولة من النقد الأجنبي أن يدعم استقرار سوق الصرف بالسودان، والذي شهد اضطرابًا مستمرًّا على مدار الأشهر التالية بسبب تراجع النقد الأجنبي الذي تسبب في اتساع الفجوة بين السوق الرسمية والموازية ووصولها إلى ذروتها في منتصف يونيو 2016 عند مستوى 122%. وبالفعل فور الإعلان عن رفع العقوبات الاقتصادية، شهد الجنيه السوداني ارتفاعًا أمام الدولار الأمريكي في السوق الموازية، ليسجل سعر شراء الدولار 18.50 جنيهًا سودانيًّا مقابل 19.35 جنيهًا بالسابق، فيما بلغ سعر البيع 17.50 جنيهًا مقابل 16.7 جنيهًا سابقًا.

2- تدفقات استثمارية: من دون شك، سوف يعزز رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان من الثقة في الاقتصاد السوداني تدريجيًّا، وهو ما سينعكس بالإيجاب تدريجيًّا على حركة رؤوس الأموال بالبلاد، حيث ستتفادى الشركات المحلية أو الأجنبية -على حد سواء- العديد من الصعوبات التي واجهتها في السنوات الماضية، وعلى رأسها تقييد التعامل مع البنوك العالمية، لا سيما البنوك الأمريكية. ومن ثم فمن شأن انسياب المعاملات المالية والبنكية من الخارج، أن يضاعف من تدفقات رؤوس أموال الشركات الأجنبية بالسوق السودانية مستقبلا، والتي تطلع عدد منها في العامين الماضيين -وخاصة الروسية والصينية- إلى زيادة استثماراتها بالقطاع الزراعي والتعدين بالبلاد. 

3- حركة التجارة: يتمثل أحد أهم المكاسب الأخرى التي ستجنيها السودان جراء رفع العقوبات الاقتصادية في تعزيز المبادلات التجارية مع العالم الخارجي. فمن شأن القرار الأمريكي أن يفتح المجال أمام الصادرات السودانية لدخول بعض الأسواق الخارجية مجددًا وعلى رأسها السوق الأمريكية. كما سيمكّنها مجددًا من استيراد السلع اللازمة لتأهيل القطاعات الاقتصادية المختلفة. وفي الماضي، عانت العديد من القطاعات الاقتصادية، لا سيما القطاع الصناعي والخدمات مثل الطيران، من نقص الاستثمارات اللازمة لتنميتها بسبب عدم السماح باستيراد السلع والمعدات وقطع الغيار اللازمة لإعادة تأهيلها.

4- التنويع الاقتصادي: مما لا شك فيه أن رفع العقوبات الاقتصادية سوف يذلل الكثير من العقبات الإجرائية والتشريعية التي تعترض أنشطة القطاع الخاص للعمل بالسودان، والذي تعول عليه الحكومة في دعم الخطة الاقتصادية للبلاد لتنويع الاقتصاد. وتطمح السودان إلى مضاعفة إنتاجها من الذهب من مستوى 76 طنًّا في عام 2015 إلى 103 طن في نهاية عام 2019، كما تنوي مضاعفة إنتاج عددٍ من المنتجات الزراعية مثل السكر والقطن والزيوت وغيرها. وهذه الطموحات تأتي في إطار رغبة السودان في دعم صادراتها ومضاعفة إيراداتها المالية عوضًا عن فقدان موارد قطاع النفط عقب انفصال جنوب السودان في يوليو 2011. ومن المتوقع، بحسب البرنامج الخماسي للإصلاح الاقتصادي الممتد خلال الفترة من عام 2015 وحتى عام 2019، أن يمول القطاع الخاص 80% من الاستثمارات الكلية المنفذة بالبلاد بحلول عام 2019، بقيمة 316.6 مليار جنيه في مقابل 121.8 مليار جنيه في عام 2015. 

مكاسب الشركاء:

اتجهت السودان أثناء تطبيق العقوبات الاقتصادية الأمريكية عليها إلى تعزيز مبادلاتها الاقتصادية الخارجية مع دول الشرق الأوسط -بجانب الصين- عوضًا عن تراجع الصفقات الاستثمارية والتجارية مع الدول الغربية بسبب العقوبات الأمريكية المطبقة عليها. وكنتيجة للتوجه السابق، شكلت رؤوس الأموال القادمة من دول المنطقة -بجانب الصين- معظم الاستثمارات الأجنبية بالبلاد منذ بداية العقد الماضي. 

وخلال الفترة من عام 2000 وحتى عام 2015، بلغت تدفقات الاستثمارات الأجنبية من 9 دول بالإقليم هى السعودية، ومصر، والكويت، والإمارات، والأردن، وتركيا، وليبيا، وقطر، والأردن قرابة 80% من الاستثمارات الأجنبية بالبلاد، فيما استحوذت الصين على حصة 19% من إجمالي الاستثمارات. وقد ساهم الشركاء السابقون أيضًا بالحصة الأكبر للتبادل التجاري الخارجي للسودان. ففي عام 2015 كانت الصين الوجهة الرئيسية للصادرات السودانية بنسبة 56.4%، فيما استحوذت الأسواق الإماراتية والسعودية والمصرية معًا على ثلث الصادرات، أما على صعيد الواردات، فقد استحوذت الواردات الصينية على 22.7% من إجمالي الواردات السودانية في العام نفسه، فيما سيطرت الأردن ومصر والإمارات معًا على 20% من الواردات. 

أكبر 5 مستثمرين بالسوق السودانية (2000-2015)


المصدر: تقرير الاستثمار السنوي 2015، وزارة الاستثمار السودانية.

وعلى ما يبدو، فإن الشركاء الرئيسيين هم المستفيدون الأساسيون من رفع العقوبات الاقتصادية على السودان، حيث من المتوقع أن يعزز من انسياب رؤوس الأموال الخاصة بهم في السوق السودانية. وهناك العديد من المؤشرات في الأشهر الماضية التي كشفت عن تطلع دول -مثل الصين والسعودية- إلى مضاعفة استثماراتها في البلاد، وتنفيذ عددٍ من المشروعات الضخمة مثل بناء محطة طاقة نووية بالبلاد، والتي من المتوقع أن تنفذها الشركات الصينية بناء على مذكرة تفاهم وُقِّعت بين وزارة الكهرباء السودانية والمؤسسة الصينية الوطنية للطاقة النووية في هذا الشأن في مايو 2016.

كما أحرزت السعودية والسودان تقدمًا نوعيًّا في سبيل تنفيذ مشروع الاستغلال المشترك للثروات المعدنية بحوض "أطلانتس 2" في البحر الأحمر، حيث وافق الطرفان، في مايو 2016، على البرنامج والخطط والدراسات الخاصة بالمشروع، ومن المتوقع البدء في عمليات الإنتاج بحلول عام 2020.

فضلا عن ذلك، فإن رفع العقوبات الاقتصادية سوف يفسح المجال أمام الشركات الغربية، لا سيما الأمريكية، لتعزيز حضورها بالسوق السودانية، واقتناص عدد من الصفقات التجارية والاستثمارية في الشهور المقبلة.

شروط النجاح:

يتوقف تحقق مكاسب للاقتصاد السوداني من رفع العقوبات الاقتصادية على عدة اعتبارات خارجية وداخلية، تتمثل في:

1- الالتزام الأمريكي: جاء قرار أوباما بإلغاء العقوبات الاقتصادية على السودان بناء على خارطة طريق تم التفاوض حولها بين السودان والمؤسسات الأمريكية المختلفة خلال الأشهر الست الماضية، وبالتوافق أيضًا مع الرئيس المنتخب دونالد ترامب، وذلك حسبما أكد وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور في 14 يناير 2017، وهو ما يعني أن القرار السابق سيحظى بقوى دفع كبيرة لتنفيذه بجدية في الشهور المقبلة طالما التزمت السودان بمواصلة جهودها في تعزيز الاستقرار الداخلي والإقليمي إلى جانب مكافحة الإرهاب.

ومع هذا، ستظل الجدوى الاقتصادية للقرار الأمريكي رهنًا بالإسراع في تنفيذ بنوده، أو -بعبارة أخرى- بالفترة الزمنية التي سيستغرقها الإفراج عن الأصول المجمدة، أو إلغاء حظر تعامل البنوك الأمريكية والعالمية في السوق السودانية. وإلى جانب ذلك، فإن ثمة اتجاهات عديدة تشير إلى أن سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة إزاء الشرق الأوسط غير واضحة، وهو ما قد يضع احتمالا بعدم تنفيذ قرار رفع العقوبات الاقتصادية الخاص بالسودان، على غرار التكهنات باتجاه الإدارة الجديدة إلى إعادة التفاوض حول الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران ومجموعة "5+1" في يوليو 2015. 

2- الإصلاحات الاقتصادية: يتزامن القرار الأمريكي برفع العقوبات الاقتصادية مع إجراء السودان العديد من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، والتي شملت ترشيد دعم الطاقة والكهرباء وغيرها، وهو ما سيعزز من الاستقرار المالي بالبلاد تدريجيًّا. وبجانب السابق، ينبغي على الحكومة السودانية مواصلة إصلاحاتها لتحسين مناخ الاستثمار الذي يعاني من عراقيل عديدة، ولذلك تبوأت السودان المرتبة 168 عالميًّا (من أصل 190 دولة) في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال عام 2017 الصادر عن البنك الدولي، متراجعة 4 مراكز عن مؤشر عام 2016، حيث حلت في المرتبة 164. وبالإضافة للسابق، هناك العديد من الإصلاحات الأخرى التي ينبغي على السودان تحقيق نتائج إيجابية فيها بالفترة المقبلة، على غرار توحيد سوق الصرف، ودعم البنية التحتية، وتعزيز رأس المال البشري.

3- الاستقرار السياسي: تمثل تسوية النزاعات الداخلية بالمناطق المختلفة، سواء في دارفور أو الولايات الجنوبية والشرقية، عاملا مهمًّا أيضًا لاستقرار الاقتصاد وجذب الاستثمار الأجنبي إلى البلاد. ومن ثم فإنه بالتوازي مع العاملين السابقين، ينبغي على الحكومة السودانية أن تواصل جهودها لتسوية النزاعات الداخلية بمختلف أنحاء البلاد، وهو ما نجحت في قسم منه بالفعل عندما أعلنت الحكومة والحركات المسلحة بدارفور وقف إطلاق النار في أكتوبر 2016 كبداية لإقرار السلام بالمنطقة. كما يجب على الحكومة السودانية أن تتبنى نهجًا سياسيًّا واقتصاديًّا يعزز من استمرار إجراء الحوار الوطني الذي بدأته عام 2014، إلى جانب تعزيز السياسات التنموية الشاملة، لا سيما في مناطق النزاعات.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إن القرار الأمريكي سيمثل أساسًا جيدًا لانطلاق السودان نحو دعم استقرار اقتصادها، وتعزيز التنويع الاقتصادي، بيد أن تحقيق ذلك يتطلب من الحكومة مواصلة الإصلاحات الاقتصادية اللازمة لدعم النمو الاقتصادي وتحسين مناخ الاستثمار، من خلال اتخاذ إجراءات متعددة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية.