التحليلات - التغيرات السياسية

ملفات عالقة:

دوافع التقارب المرحلي بين تركيا والعراق

أحمد عدلي

الأربعاء, 11 يناير, 2017

ملفات عالقة:

تدخل العلاقات التركية-العراقية مرحلة جديدة من التقارب مع زيارة رئيس الوزراء التركي "بن علي يلدريم" للعراق في 7 يناير الجاري، وذلك بعد أشهر من التوتر بين البلدين الذي وصل إلى حد التراشق اللفظي بين رئيس الوزراء العراقي "حيدر العبادي" والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، وذلك على خلفية دخول قوات تركية للأراضي العراقية وتمركزها في معسكر "بعشيقة" قرب مدينة الموصل قبل بدء المعارك حول المدينة لتحريرها من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فضلا عن تمديد البرلمان التركي في الأول من أكتوبر 2016 مهمة قوات بلاده في العراق عامًا إضافيًّا.

ويُثير التقارب التركي-العراقي جملة تساؤلات من قبيل: لماذا أقدمت أنقرة على تحسين علاقاتها مع بغداد بعد فترة من التوتر في هذا الوقت على وجه التحديد؟ وهل سيكون هذا التقارب مرحليًّا أم دائمًا؟ وأخيرًا: ما هي الملفات العالقة التي قد تُؤثر على جهود البلدين لتحسين علاقاتهما؟.

تفاهمات واسعة:

أسفرت زيارةُ "يلدريم" لبغداد عن اتفاق الطرفين على هامش الاجتماع الثالث لمجلس التعاون الاستراتيجي التركي-العراقي على ما يلي:

1- تعهد الجانب التركي بسحب قواته البالغ عددها 500 جندي (تقوم بتدريب قوات الحشد الوطني التي يقودها محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي) من معسكر بعشيقة، والالتزام بوحدة وسيادة العراق.

2- زيادة التنسيق الأمني بين البلدين في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش"، خاصة في معركة الموصل الجارية، والقضاء على جميع العوامل التي من شأنها تهديد استقرار المنطقة، ومن ضمنها الاستقطاب الطائفي والإثني. ويكمن الهدف التركي من هذا في منع قوات "الحشد الشعبي" (القوات الشيعية الموالية لإيران) من اقتحام منطقة تلعفر التي يسكنها تركمان سنة.

3- عدم السماح بتواجد أي منظمات إرهابية على الأراضي العراقية من شأنها تهديد الأمن القومي التركي. ويرتبط بذلك تعهد الحكومة في بغداد بمنع نشاطات حزب العمال الكردستاني (الذي تتهمه الحكومة التركية بالوقوف وراء الكثير من الهجمات الإرهابية التي ضربت عديدًا من المدن التركية مؤخرًا) في منطقة سنجار الإيزيدية بعد الانتهاء من تحرير الموصل ومحيطها.

4- رفع مستوى التعاون التجاري والاقتصادي بين بغداد وأنقرة، وإعادة فتح أنبوب نقل النفط من العراق إلى تركيا بعد تحرير مدينة الموصل من قبضة تنظيم "داعش"، وتعزيز التعاون في مجال إعادة إعمار المناطق المتضررة من الهجمات الإرهابية، وتفعيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين الطرفين في هذا الشأن، وزيادة التعاون في إدارة مياه نهري دجلة والفرات والمشاريع المائية المشتركة.

محفزات ودوافع التقارب: 

يمكن رصد دوافع الحكومة التركية للإقدام على تحسين علاقاتها مع الحكومة العراقية على النحو التالي: 

أولا- العودة إلى سياسة "تصفير المشاكل": يُمكن فهم التقارب التركي-العراقي ضمن جملة التحولات الأخيرة في علاقة أنقرة بالإقليم، والمراجعات التي تقوم بها في هذا الشأن، خاصةً بعد التقارب الواسع مع روسيا مؤخرًا، والاتفاق الروسي-التركي-الإيراني (إعلان موسكو) بشأن الأزمة السورية، وما تفرع عنه من رعاية تركية-روسية لوقف إطلاق النار في سوريا.

ثانيًا- الرغبة في استئناف التنسيق الأمني مع العراق: ترغب تركيا في ضبط حدودها مع العراق لمنع تسلل عناصر تنظيم "داعش"، لا سيما مع تزايد التوقعات بهروبهم إلى دول الجوار العراقي، وفي مقدمتها دولتا تركيا وسوريا، لتزايد الخناق عليها في المدن العراقية، خاصة في الموصل. بالإضافة إلى الرغبة التركية في إنهاء تواجد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في وقت تتعدد فيه العمليات الإرهابية التي تضرب مناطق جنوب تركيا بصورة أساسية.

ثالثًا- تعزيز العلاقات الاقتصادية مع العراق: تهدف تركيا من تعزيز تقاربها مع العراق إلى توثيق العلاقات الاقتصادية بين البلدين، لا سيما مع المساعي التركية لمعالجة الآثار السلبية لمحاولة الانقلاب الفاشلة على اقتصادها، وضمان دور رئيسي لها في مرحلة إعادة إعمار عراق ما بعد "داعش" من خلال شركات البناء والمقاولات التركية. ويُشار في هذا الإطار إلى تأكيد رئيس الوزراء التركي خلال الزيارة استياءه من تراجع العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وانخفاض حجم التبادل التجاري بينهما مؤخرًا بنسبة 40%.

رابعًا- استمرار نقل النفط العراقي إلى تركيا: هدفت الزيارة -ضمن أهدافها الأخرى- إلى الاطلاع على الخطط العراقية-الأردنية فيما يتعلق بمد أنبوب لنقل النفط من العراق إلى ميناء العقبة الأردني، والتي كانت المحور الرئيسي للزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الأردني "هاني الملقي" إلى بغداد يوم الاثنين 9 يناير الجاري. وهو الأمر الذي أثار مخاوف تركيا من سعي العراق لتنويع مسارات تصدير النفط إلى الخارج، وأن يكون الخط العراقي-الأردني بديلا عن الأنبوب الشمالي إلى تركيا، حيث يوجد ميناء جيهان. ويأتي هذا الهدف في ضوء سعي تركيا لأن تتحول إلى أهم مركز عالمي لتجارة الطاقة في العالم من خلال مشروع السيل التركي الذي تنفذه روسيا.

خامسًا- توقف هجوم "الحشد الشعبي" على مدينة تلعفر: خلال الزيارة أعرب رئيس الوزراء التركي عن امتنان بلاده لاستجابة العراق لمطلبها في هذا الشأن؛ حيث ألزمت الحكومة العراقية ميليشيات "الحشد الشعبي" بوقف الهجوم عند مطار تلعفر، وعدم التقدم نحو قلب المدينة. ويُشار في هذا الإطار إلى أن جوهر القلق التركي من مسألة مشاركة قوات "الحشد" في المعارك ضد تنظيم "داعش" ينحصر في الخوف من أن يكون له دور مركزي في مستقبل المدينة السياسي بعد تحريرها، بما يُعظم من النفوذ الإيراني بجوار الحدود التركية.

سادسًا- الاستمرار في منافسة الدور الإيراني المتصاعد: يُعد الملف العراقي أحد أهم ملفات التجاذب التركي الإيراني في المنطقة، في ظل تخوف أنقرة من الدرجة التي وصل إليها نفوذ طهران في العراق، والذي تعاظم مع إدماج قوات "الحشد الشعبي" ضمن صفوف الجيش العراقي، وهو ما يُعد تقنينًا غير مباشر للنفوذ الإيراني داخل العراق، من خلال بناء طبقة شيعية جديدة في الدولة لها أدوار أمنية.

ملفات معرقلة:

لا تزال هناك ملفات عدة من الممكن أن تعوق جهود تركيا والعراق لتحسين العلاقات، وينحصر أبرزها فيما يلي:

1- تشكيك بعض نواب البرلمان العراقي في النوايا التركية: حيث أكد بعض نواب لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب العراقي أن الاتفاق بين بغداد وأنقرة بشأن انسحاب القوات التركية انطوى على نوع من المقايضة، وأن تركيا كانت واضحة بشأن إصرارها على إخراج عناصر حزب العمال الكردستاني من سنجار، مقابل خروجها من معسكر بعشيقة.

2- انتقادات بعض القوى الشيعية: خاصة من جانب ائتلاف "دولة القانون" الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق "نوري المالكي"، حيث انتقد إخفاق حكومة "العبادي" في تحديد سقف زمني محدد لانسحاب القوات التركية من بعشيقة، حيث رهن عودة العلاقات مع تركيا بانسحاب قواتها في أسرع وقت من العراق دون تحديد وقت زمني لانسحابها من الأراضي العراقية. بالإضافة إلى استمرار اتهامات بعض الفصائل الشيعية العراقية لتركيا بالسعي لتغيير المشهد السياسي في غير صالح المكوِّن الشيعي من خلال دعواتها المتكررة لعدم تهميش سنة العراق، ودعواتها لتفكيك "الحشد الشعبي"، والمساعدات الإنسانية التي تقدمها تركيا للمحافظات السنية، خاصةً محافظة نينوى، وهو ما يتم تفسيره من القوى الشيعية بأن أنقرة تبحث عن موطئ قدم لها في هذه المحافظة بمساندة المكون السني.

3- التنافس التركي-الإيراني في العراق: فعلى الرغم من ترحيب إيران على لسان مستشار المرشد الأعلى للثورة الإسلامية "علي أكبر ولايتي" بعودة العلاقات التركية-العراقية إلى طبيعتها، إلا أن طهران تُدرك أنها ستكون أول المتضررين من هذا التقارب، خاصة مع التنافس التركي-الإيراني في العراق، وتحديدًا فيما يتعلق بخطط التغيير الديمغرافي في المناطق العراقية المتاخمة لتركيا، ومنطقة تلعفر بالتحديد التي يقطنها تركمان سنة وشيعة. ويُضاف لذلك استمرار التزام الحكومة العراقية بالتوجهات الإيرانية، ويعزز من ذلك الضغوط التي تُمارسها المرجعية العليا على رئيس الوزراء العراقي، وتوجيه المرجع الشيعي الأعلى "آية الله علي السيستاني" له لجعل العلاقات مع إيران أولوية أولى للحكومة العراقية.

4- الدور التركي في الخلافات بين بغداد وأربيل، خاصةً في ضوء تنامي العلاقات بين تركيا وإقليم كردستان، ويتضح ذلك في حرص "يلدريم" في أعقاب زيارته لبغداد على زيارة أربيل، واتفاقه خلالها مع "مسعود بارزاني" (رئيس الإقليم) على تشكيل لجنة اقتصادية مشتركة لحل الأزمة الاقتصادية في الإقليم. ويتمثل الخلاف العراقي حول دور تركيا في إقليم كردستان في الآتي:

(أ) دور تركيا في الخلاف النفطي بين بغداد وأربيل، حيث كانت السبب الرئيسي في إفشال اتفاق نفطي بينهما ببيع أربيل النفط بشكل مستقل عن بغداد عبر ميناء جيهان التركي لأسواق أوروبية بموجب الاتفاقية النفطية المشتركة بين إقليم كردستان وتركيا. ويُشار في هذا الإطار إلى أن آخر مظاهر تجدد الخلاف النفطي بين بغداد وأربيل كان اتهام رئيس الوزراء العراقي في 4 يناير الجاري حكومة الإقليم بتصدير كمية أكبر من النسبة المحددة له من النفط. 

(ب) السعي التركي للاستفادة من الصعود الكردي في العراق، وتعاظم نفوذ الأكراد ودورهم في صوغ المشهد السياسي العراقي، بهدف امتلاك أوراق يمكن توظيفها عند الضرورة للضغط على الحكومة العراقية والتأثير في عملية صنع القرار في العراق.

(ج) تنامي المصالح الاقتصادية بين أنقرة وأربيل، فمن الواضح أن نسبة كبيرة من الشركات الأجنبية العاملة في الإقليم هي شركات تركية تقوم بتنفيذ سلسلة ضخمة من المشاريع في مجالات الطاقة والبنية التحتية بإقليم كردستان.

علاقة متقلبة:

يتسم نهج العلاقات التركية-العراقية باللجوء إلى الحلول الاضطرارية والوقتية بدلا من الحلول الدائمة والمطمئنة للطرفين. ولهذا، تبقى العلاقات بين البلدين عُرضة للتوتر مجددًا في ضوء عدم سعيهما لوضع شروط جدية جديدة تكفل استمرار علاقة مستقرة بينهما، وكذلك تركيزهما على نقاط الالتقاء في العلاقات بدلا من التفكير في تفكيك القضايا الخلافية.

وسيبقى تخوف وقلق بعض الأطراف والقوى السياسية العراقية، خاصة المكون الشيعي، من التحرك التركي في الداخل العراقي، واستمرار فشل الحكومة العراقية في تحقيق المصالحة مع المكون السني، وتشابك العلاقة بين تركيا وإقليم كردستان؛ من أهم العراقيل أمام عودة العلاقات بصورة طبيعية بين البلدين.

وعلى الرغم من المساعي التركية المكثفة لزيادة حضورها بالعراق، وضمان امتلاكها أدوات تكفل لها منافسة النفوذ الإيراني إقليميًّا؛ إلا أن من الصعب على أنقرة منافسة طهران في الداخل العراقي، أو الوصول إلى نفس درجة نفوذها عراقيًّا، وذلك لتعدد حلفاء إيران بالعراق.

ويعكس تركيزُ رئيس الوزراء التركي "بن علي يلدريم" على الملف الاقتصادي خلال الزيارة، إعطاءَ السياسة الخارجية التركية خلال فترة ما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، أولوية كبرى للنهوض بالاقتصاد التركي بما يسمح بتجاوز التداعيات السلبية لمحاولة الانقلاب.

وبشكل عام، يمكن القول إن تركيا تريد تحييد خلافاتها في الخارج -ولو بصورة مؤقتة- لانشغالها بترتيبات داخلية على المستويين السياسي والأمني. فسياسيًّا يسعى الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" لتغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي. وعلى المستوى الأمني يبرز السعي التركي لضبط الخلل الأمني المتصاعد، وجهود تصفية مصادر نفوذ حركة "فتح الله كولن"، وكذلك أولوية مواجهة الخطر الكردي. 

ولهذا، من المتوقع تجدد الخلافات العراقية-التركية في مرحلة ما بعد تحرير الموصل، خاصة وأن مستقبل المدينة السياسي والإداري لن يتم حسمه بعيدًا عن التدخلات والصراعات الإقليمية، خاصة بين إيران وتركيا اللتين تدركان أن مستقبل الموصل سيمس مستقبل الدولة العراقية ذاتها، وأنه الباب لضمان أي نفوذ مستقبلي فيها.