العروض - الدراسات

القيادة من الخلف:

استراتيجية إيران لتجنب "كابوس داعش"

Dina Esfandiary and A. Tabatabai

الثلاثاء, 24 فبراير, 2015

القيادة من الخلف:

إعداد: محمد أحمد عبد النبي


لم يعد "داعش" تنظيماً إرهابياً فحسب، وإنما أصبح سرطاناً يشكل تهديداً أمنياً لمنطقة الشرق الأوسط، خاصةً أن التنظيم أحكم سيطرته على عدة مناطق في سوريا والعراق، وارتكب مذابح دموية ضد المدنيين، ومن ثم فإن عدم مواجهته من دول المنطقة، لاسيما القوى المؤثرة فيها، سيكون له عواقب وخيمة.

وتعتبر إيران أن "داعش" يمثل خطورة عليها بشكل أكبر من باقي الجماعات المتطرفة الأخرى الموجودة على حدودها، ويرجع ذلك لعدة أسباب من أهمها التقدم الذي أحرزه "داعش" وسيطرته الجغرافية على العديد من المناطق خلال فترة قصيرة، وتجنيده عشرات الآلاف من المقاتلين من كافة دول العالم، وتجميعه لأكبر قدر من الموارد، فضلاً عن عدائه للشيعة، ومحاولته الترويج لإقامة دولة إسلامية وفقاً للشريعة، وهو ما دفع طهران في نهاية الأمر إلى أن تغير من سياستها في العراق.

في ضوء هذه المعطيات، نشر المعهد الملكي للشؤون الدولية (شاتام هاوس) في دورية "الشؤون الدولية" دراسة أعدتها كل من Dina Esfandiary وهي باحث مشارك في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن، وAriane Tabatabai وهي باحث مشارك في برنامج الأمن الدولي في مركز بلفر بجامعة هارفارد، تناولتا خلالها السياسة الإيرانية تجاه تنظيم "داعش"، ووضعتا رؤية استشرافية لمستقبل التعامل الإيراني مع هذا التنظيم.

أهمية العراق بالنسبة لإيران

تاريخياً، أكدت الكاتبتان على أن العراق يعد فاعلاً إقليمياً مهماً لإيران، حيث اُعتبرت العراق خلال محطات تاريخية مختلفة بمثابة عدو ومنافس وشريك استراتيجي؛ فقبل عام 1979 لم تمثل بغداد تهديداً لطهران بسبب قوة إيران العسكرية وتحالفاتها مع الولايات المتحدة، إلا أنه مع اندلاع الثورة الإيرانية، ضعفت القوات المسلحة التقليدية الإيرانية لصالح القوات شبه العسكرية (الحرس الثوري الايراني، وقوات التعبئة الشعبية المعروفة باسم الباسيج)، كما فقدت طهران حلفائها في الغرب؛ وهو ما أدى في النهاية إلى اندلاع الحرب الإيرانية - العراقية عام 1980، وهي الحرب التي أدت إلى دعم النظام الإيراني الجديد ودفعته للمطالبة باستئناف برنامجه النووي، وأثرت في نهاية الأمر على السياسة الإيرانية وعلى تغيير رؤيتها نحو العراق.

وتشير الدراسة إلى جانبين رئيسيين بالنسبة لأهمية العراق لإيران، وهما:

1- الارتباط الديني: تعد العراق هي الدولة الثانية بعد إيران من حيث تعداد الشيعة (60- 75% من الشعب العراقي شيعة "المحرر: ثمة اختلاف كبير حول هذه نسبة الشيعة من إجمالي سكان العراق". كما يوجد بالعراق مدينتين شيعيتين بارزتين هما كربلاء والنجف، واللتين يتواجد بهما مقدسات وأضرحة دينية، إضافة إلى المعهد الديني بالنجف وما يمثله من أهمية علمية دينية.

وتسعى طهران حالياً إلى توسيع علاقاتها بالجماعات الدينية في العراق، حيث يتولى آية الله محمود هاشمي شاهرودي، تكوين شبكات دعم في العراق تمهيداً لاختيار مرجع جديد، كما أنفقت إيران ما يزيد عن 13.5 مليون دولار لإعادة إعمار أضرحة مقدسة في العراق خلال السنة المالية الماضية.

2- الاعتماد الاقتصادي المتبادل: تسعى كل من طهران وبغداد لتطوير علاقاتهما الاقتصادية، خاصةً في ضوء العقوبات الدولية المفروضة على إيران. ففي عام 2011 سعت الأخيرة إلى استبدال شركائها التجاريين التقليدين في المنطقة - وفي مقدمتهم تركيا - بالعراق الذي يصنف حالياً باعتباره أحد أكبر الشركاء الخمسة التجاريين لإيران، كما شجعت طهران الشركات الإيرانية على الاستثمار في مشروعات البنية الأساسية العراقية بهدف زيادة الاعتماد المتبادل بين البلدين.

واعتبرت الباحثتان أن تنامي التجارة ببين البلدين كان سببه العلاقات الجيدة للقيادة الإيرانية مع رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي وباقي العشائر الشيعية والأكراد، كما أدى طول الحدود العراقية - الإيرانية وصعوبة السيطرة عليها إلى تسهيل عمليات التجارة غير القانونية وشبكات التهريب.

ولاشك أن ظهور "داعش" شكل تهديداً أمنياً هائلاً وصادماً لإيران، مما دفعها إلى أن تجعل قضايا الأمن وتكامل المؤسسات العراقية جوهر اهتمام سياستها الخارجية.

رد الفعل الإيراني إزاء ظهور "داعش"

أكدت الكاتبتان على أن زيادة خطر "داعش" في العراق قد أجبر إيران على تغيير بعض مواقفها الثابتة، حيث كانت تدين باستمرار تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الإقليمية، غير أنها باتت تكتفي بإدانات صغيرة للضربات الجوية الأمريكية في العراق، وبدأت تدخل في شراكات مع منافسيها الإقليميين - مثل السعودية - بهدف تقليل التهديد الذي يفرضه "داعش".

وأشارت الدراسة إلى أنه رغم التقدم الذي أحرزه تنظيم "داعش" في يونيو 2014، إلا أن المسؤولين ووسائل الإعلام الإيرانية من ناحية، والشعب الإيراني من ناحية أخرى، كان لديهم رؤى مختلفة لهذا الواقع؛ فبينما قلل الإعلام والمسؤولون في طهران من حجم ذلك التهديد واعتبروا أن المقاتلين يتواجدون في منطقة عراقية صغيرة، والجيش العراقي دفعهم للتراجع، فإن الشعب الإيراني – من جانب آخر – كان لديه اعتقاد أن مقاتلي "داعش" وصلوا إلى بعض المدن الإيرانية.

وقد طرأ تغير على السلوك الإيراني الرسمي في هذا الشأن، فمع استمرار الهجمات الناجحة لمقاتلي "داعش" في شمال العراق، بدأت وكالات الأنباء الإيرانية "وكالة أنباء فارس" في بث تطورات تقدم "داعش" لحظة بلحظة، ووجهت اللوم للدول الأجنبية بسبب صعود هذا التنظيم، وأيضاً لوصف هذه الدول للصراع بأنه طائفي.

السيناريو الكابوس: تقسيم العراق

أبرزت الدراسة تحذير مسئولي السياسة الخارجية الإيرانية من تقسيم العراق، والذي سيكون له انعكاسات سلبية، خاصةً فيما يتعلق بانتشار الفوضى في المنطقة، مُعبَّرين عن آمالهم في القضاء على تنظيم "داعش"، والحفاظ على وحدة الأراضي العراقية في نفس الوقت، وهو ما يتحقق بصفة أساسية من خلال دعم الجماعات العراقية المتنوعة.

وتتمثل دوافع إيران للحفاظ على وحدة الأراضي العراقية، في الخوف من تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات (سنية وشيعية وكردية)، لأنه يعني فقدان الدولة العراقية "الشيعية الصديقة" لطهران، وتقليل النفوذ الإيراني. كما أن الاستقلال الكردي سيجبر إيران "الثورة" على إعادة النظر في سياستها نحو المناطق الكردية التي أُهملت خلال العقود الماضية، فضلاً عن احتمالية تعاون الدولة السنية الجديدة مع السعودية، وإيوائها للنظام البعثي السابق.

التدخل الإيراني المتزايد في الأزمة

ذكرت الدراسة أن توغل تنظيم "داعش" وخوف الإيرانيين من انعكاس ذلك عليهم قد دفع القيادة في طهران للتدخل بشكل متزايد في تلك الأزمة منذ النصف الثاني من يونيو 2014، حيث أبدت اهتماماً بمدن دمشق وبغداد وأربيل، إضافة إلى المدن الشيعية "النجف وكربلاء"، واعتبرت أن سقوطها سيتبعه رد فعل إيراني قوي.

وقد لجأت إيران إلى استراتيجية "القيادة من الخلف" leading from behind، بمعنى أن توفر طهران مساعدات لوجستية وعسكرية للمجموعات الشيعية والكردية ضد "داعش"، وهي السياسة التي خدمت إيران في البداية، وجنبتها التدخل المباشر في الصراع، بل ومكَّنتها من التركيز على جهود إعادة بناء الوحدة الوطنية في العرق.

بيد أن الاعتماد الكلي على هذه المجموعات قد مثَّل خطراً "إقليمياً" على إيران، وهو ما دفعها إلى تبني موقف وسط عن طريق مساعدة الحكومة المركزية العراقية والجماعات الكردية والشيعية، كما أرسلت طهران مستشاريها الأمنيين إلى العراق، وزودت الحكومة والجماعات المقاتلة بالمعلومات الاستخباراتية.

وتلفت الدراسة إلى تغير السياسة الإيرانية تجاه الأزمة مع تقدم "داعش"، حيث أرسلت طهران معدات عسكرية ثقيلة إلى بغداد، والتي كانت قاصرة على تقديم أسلحة خفيفة خلال المرحلة السابقة، كما قدمت تدريباً عسكرياً للأكراد عقب الاستيلاء على قرية "جلولاء" التي تبتعد عن الحدود الإيرانية بنحو 20 ميلاً، فضلاً عن نجاح القوات الكردية والشيعية – في ظل المساعدة الإيرانية- في دفع "داعش" للتراجع عن بلدتي أميرلي وسليمان بيك في شمال العراق.

احتمالات التعاون مع الغرب والسعودية

شددت الباحثتان في هذه الدراسة على حتمية تنسيق الموقف الإيراني مع الغرب في مواجهة "داعش"، وهو الأمر الذي أكد إمكانية حدوثه كل من الجانبين "الغربي والايراني" على حد سواء. فقد تطرقت بالفعل محادثات فيينا في يونيو 2014 بين إيران والدول الست الكبرى (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وألمانيا) إلى بحث مشكلة "داعش".

وعلى الرغم من وجود تحفظ إيراني من قِبل التيار المتشدد إزاء التعاون مع الغرب في هذا الصدد، حيث يراه تقويضاً للخطاب الثوري، فإن هدف إلحاق الهزيمة بتنظيم "داعش" يمثَّل أولوية للتيارات السياسية الإيرانية. وتُذكِّر الدراسة في هذا السياق بالتعاون الإيراني - الأمريكي المحدود عام 2001 لتخليص أفغانستان من حكم طالبان، وتشير إلى أنه يوجد حالياً لدى كل من طهران وواشنطن نفس الأهداف في العراق (تجنب التقسيم، وتفادي حرب أهلية طائفية مدمرة، وهزيمة داعش)، لكن تشير الكاتبتان إلى أنه رغم أن حكومتي البلدين لا تزالان بعيدتان بشكل واضح عن التعاون بشكل مكثف، فإنه يمكنهما تنسيق الجهود في هذا الصدد.

وعلى صعيد احتمال التقارب الإيراني – السعودي، تؤكد الدراسة أنه رغم الاختلاف بين طهران والرياض حول القضايا الأمنية الإقليمية خلال الفترة الماضية، فإن ظهور "داعش" مثَّل تهديداً مشتركاً للدولتين، وقد أكد وزير الخارجية الإيراني على أهمية العلاقة الإيرانية - السعودية في مواجهة "داعش"، لافتاً إلى أنه التقى نظيره السعودي على هامش الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2014 لمناقشة هذا الأمر، وهو ما يعني أن طهران تضع الأيديولوجية جانباً في سبيل التركيز على تحقيق مصالحها الاستراتيجية، ويبدو أن ذلك يحدث فيما يتعلق بالتصدي لخطر "داعش.

تنافس الأولويات: سوريا أم العراق؟

ترى الدراسة أن ظهور وتقدم "داعش" في العراق قد وضع إيران في موقف صعب، حيث بات عليها أن تتولى مهمة حفظ الأمن بالعراق تفادياً لتقسيمه، كما أصبح عليها أن تحتفظ بوجودها في سوريا التي تمثل لإيران وسيلة للتأثير في المنطقة، وهي الالتزامات التي يصعب تنفيذها معاً في الأجلين القصير والطويل.

ويعود ذلك إلى أن ثمة صعوبات لاستمرار التواجد الإيراني في سوريا، ومنها نظرة العالم العربي لإيران على أنها فاعل شيعي يسعى لتنفيذ أجندته الطائفية في الشرق الأوسط، ووجود اختلافات بين النخبة الإيرانية الحاكمة حول استراتيجية التعامل مع سوريا، ورفض قطاع كبير من الإيرانيين دعم الرئيس السوري، فضلاً عن صعوبة الاستمرار في دعم سوريا مالياً في ضوء العقوبات الدولية المفروضة على طهران وانخفاض أسعار النفط.

أما العراق، فهو أكثر أهمية لإيران، في ظل تهديد "داعش" للمصالح الاقتصادية الإيرانية في بلاد الرافدين، ووجود أغلبية شيعية بالعراق، وهو ما يساعد على نشر النفوذ الإيراني، كما أن أي نزعات انفصالية عراقية ستثير رغبات مشابهة لدى الأقليات الموجودة في إيران. وعليه، فإن إيران لن تصبح قادرة على الحفاظ على مصالحها في سوريا بنفس مستوى تدخلها في العراق.

ختاماً، تخلص الدراسة إلى أن استراتيجية إيران لمكافحة تنظيم "داعش" ستتغير وفقاً لطبيعة الصراع ومستواه والرهانات المرتبطة به، مشيرةً إلى وجود ثلاثة خيارات أمام إيران فيما يتعلق بمواجهة "داعش"، وهي:

1 ـ أن تستمر إيران في دعم الجماعات العراقية بالوكالة، وتحافظ في نفس الوقت على مستوى تدخلها الحالي في سوريا.

2 ـ أن تزيد طهران من مواردها المخصصة للأزمة العراقية دون أن ترسل مزيد من القوات على الأرض.

3 ـ أن تتدخل إيران بقوات في العراق في حالة استمرار تقدم "داعش"، وفشل التحالف الدولي، وهو يُمثل السيناريو الإيراني الأسوء في ضوء القيود المالية والعسكرية التي تواجهها طهران في الوقت الراهن.

* عرض مُوجز لدراسة تحت عنوان: "السياسة الإيرانية تجاه داعش"، والمنشورة في دورية "الشؤون الدولية"، الصادرة عن المعهد الملكي للشؤون الدولية (شاتام هاوس)، عدد يناير 2015.


 المصدر:

Dina Esfandiary and Ariane Tabatabai, Iran’s ISIS policy, International Affairs, Volume 91, Number 1 (London: The Royal Institute of International Affairs, January 2015).

إقرأ أيضاً