التحليلات - الاتجاهات الأمنية

افتقاد الحاضنة:

عراقيل توسع أنشطة "داعش" في اليمن

د. حمود ناصر القدمي

الخميس, 29 ديسمبر, 2016

افتقاد الحاضنة:

تُشكل اليمن إحدى أبرز مناطق الصراع التي من المحتمل أن تشهد تصاعدًا في أنشطة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، لا سيما بعد تعرضه لحالة من الانزواء في سوريا والعراق وليبيا خلال عام 2016. ويستند هذا الاحتمال إلى طبيعة السياق اليمني الراهن؛ حيث هشاشة الدولة، وفقدان النظام السياسي فيها السيطرة الأمنية على جزء من أراضيها، واشتعال الصراع بين السلطة الشرعية وجماعة الحوثي، وحالة اللا استقرار التي تمر بها البلاد على كافة الأصعدة، ما جعلها دولة من السهل اختراقها، وإن كان ذلك الاحتمال تواجهه تحديات مثل البنية القبلية، ووجود تنظيم القاعدة في اليمن.

مؤشرات أولية

بدأ الحديث عن بزوغ تنظيم "داعش" داخل اليمن مع بروز اتجاه لدى بعض قيادات تنظيم القاعدة لتأييد تنظيم الدولة الإسلامية، وبدا ذلك واضحًا عندما أعلن المتحدثُ باسم تنظيم "القاعدة في شبه الجزيرة العربية" "مأمون حاتم" في (18 سبتمبر 2014) عن دعمه لتنظيم داعش الذي أعلن تأسيس ما يسمى بـ"الخلافة الإسلامية" في يوليو 2014. 

على أن تعاطف هذا القيادي القاعدي -الذي قُتل لاحقًا بطائرة أمريكية بدون طيار في مدينة المكلا في 11 مايو 2015- لم يستمر طويلا. إذ سرعان ما عاد إلى أحضان تنظيم "القاعدة" تحت إمرة زعيمه "أيمن الظواهري".

ويُرجع البعض ظهور تنظيم "داعش" في اليمن إلى انقلاب الحوثيين، وسيطرتهم على مفاصل الدولة اليمنية. فعقب ذلك أعلنت جماعة أطلقت على نفسها اسم "مجاهدو اليمن" مبايعتها لتنظيم الدولة الإسلامية وزعيمه "أبو بكر البغدادي"، وذلك في تسجيل صوتي نُشر في 10 نوفمبر 2014 على الإنترنت تحت عنوان "البيعة اليمنية للدولة الإسلامية".

وإثر ذلك، أُشيع أن القيادي في تنظيم "أنصار الشريعة"، كما كانت القاعدة تسمي نفسها، "جلال بالعيدي" الملقب بـ"أبو حمزة الزنجباري" أعلن انضمامه لتنظيم "داعش"، وذلك بعد قيامه بأشنع جريمة يرتكبها تنظيم "القاعدة"، حيث قاد المذبحة التي ارتُكبت بحق 14 جنديًا يمنيًّا في محافظة حضرموت شرقي البلاد في 8 أغسطس 2014؛ حيث أعطى الزنجباري الأوامر لرجاله بذبح جنود عُزّل، ورمي جثثهم على قارعة الطريق. وقد تم استهدافه وقتله بطائرة أمريكية بدون طيار في 4 فبراير 2016.

واعتبر مراقبون أن القيادي "جلال بلعيدي" فاق كافة قيادات تنظيم "القاعدة" السابقة في الوحشية والعدوان، وقدم نموذجًا يمنيًّا لتنظيم "داعش" المعروف عنه استخدام أساليب وحشية في قتل خصومه، منها قطع الرءوس. لكن سرعان ما اتضح فيما بعد أن هذا القائد القاعدي ما زال في تنظيم "القاعدة"، وقاد الكثير من عمليات السطو على البنوك في مدينة المكلا ومدن أخرى في محافظات حضر موت وشبوة وأبين.

وفي 24 أبريل 2015، نشر فرع تنظيم "داعش" باليمن، مقطع فيديو تبلغ مدة عرضه تسع دقائق و20 ثانية أعلن فيه تأسيس "ولاية صنعاء" كأحدث الولايات التابعة الدولة الإسلامية. وأظهر المقطع حوالي 20 مقاتلا يُجرون تدريبات عسكرية، واستعراضًا عسكريًّا باستخدام الأسلحة الآلية. وتم تصوير الفيديو في منطقة صحراوية، ولهذا يُرجِّح المراقبون أنه تم تصويره خارج اليمن، كون محافظة صنعاء تقع في منطقة جبلية.

عمليات منسوبة لـ"داعش"

بدأت عمليات تنظيم داعش باليمن في 20 مارس 2015 من خلال تفجير مسجدين تابعين لجماعة "الحوثي" الشيعية في العاصمة صنعاء، ما أسفر عن مقتل قيادات ومرجعيات دينية للجماعة، أبرزهم "المرتضى المحطوري"، و"محمد عبدالملك الشامي". وفي 30 إبريل 2015، نشر التنظيم تسجيلا مصورًا كشف فيه عملية قطع رءوس أربعة جنود يمنيين، وقتل 11 جنديًّا آخرين بالرصاص في محافظة شبوة جنوب شرق البلاد، الأمر الذي جسَّد استراتيجية "التوحش" التي ينتهجها تنظيم "داعش" في معقله بالعراق. وقد طبق أفراد التنظيم باليمن أساليبه ونهجه الإعلامي.

وتبنى فرع تنظيم "داعش" باليمن في 17 يونيو 2015 أربع عمليات وقعت في صنعاء، طالت مقارَّ دينية ومباني تابعة لجماعة أنصار الله (الحوثيين)، أسفرت عن سقوط 31 قتيلا وعدد آخر من الجرحى. وفي الـ20 من الشهر ذاته، انفجرت سيارة ملغومة كانت متوقفة بجوار مسجد "قبة المهدي" يعمل عليه حوثيون في مدينة صنعاء القديمة، أسفرت عن سقوط عدد من القتلى والجرحى.

 وفي 18 يوليو 2015، أعدمت "الدولة الإسلامية" بولاية عدن عددًا من قناصة الحوثيين في حي شعب العيدروس في منطقة كريتر بمحافظة عدن. وبعد ثلاثة أيام من هذه العملية، تبنى فرع تنظيم الدولة في ولاية صنعاء تفجير سيارة مفخخة في مربع أمني تابع للحوثيين في حي الجراف بالعاصمة صنعاء، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى منهم.

وفي سياق متصل، أعلن تنظيم "داعش" في اليمن في 6 ديسمبر 2015 في بيان له استهدافه محافظ عدن "جعفر محمد سعد"، وقد أعلنت السلطات اليمنية عن استشهاده باستهداف موكبه بسيارة مفخخة بمنطقة فتح بجوار مبنى مركز الاتصالات الرئيسي بجولد مور بالتواهي أثناء ذهابه إلى مقر عمله.

وفي عام 2016، ظهر تنظيم داعش بطريقة أكثر دموية في اليمن؛ حيث قام بعددٍ من العمليات الانتحارية ضد تجمعات الجنود في معسكراتهم، خاصةً في مدينة عدن. وبالتالي يمكن القول من خلال تتبع عمليات تنظيم داعش، إن أهم مناطق تركزه تكون في المدن أكثر من المناطق الريفية والقبلية، وما يؤكد ذلك نشاطه الملحوظ في مدينة عدن وبعض العمليات في العاصمة صنعاء.

الاختلاف بين "داعش" و"القاعدة"

ينشط تنظيم "الدولة الإسلامية" في مناطق الصراع الهوياتي؛ حيث يجد أرضًا خصبةً عندما يحدث انقسام مذهبي أو مناطقي، إذ يستثمر جميع الانقسامات المذهبية والطائفية والسياسية. كما أن أهم سماته هي السيطرة المكانية، وإعلان الخلافة، بينما تنظيم "القاعدة" براجماتي يستند إلى مبدأ "النكاية" في قتال العدو البعيد، وليس مهتمًّا بالسيطرة المكانية. وفي حين يقسم تنظيم القاعدة خصومه إلى عدو بعيد (غير المسلمين) وعدو قريب (الأنظمة الإسلامية) فإنه يستثني جمهور المسلمين ومن لا يقاتله، إلا أن تنظيم "داعش" يستهدف الجميع، معتبرًا أن كل من ليس معه عدوٌّ له.

ومعروف أن فلسفة تنظيم "داعش" القتالية تعتمد على السيطرة على منطقة جغرافية معينة كما حدث في العراق وسوريا، والتي ينطلق منها لتكريس نفوذه في مناطق أخرى خارج سيطرته، وهو ما فشل نسبيًّا في تحقيقه حتى تلك اللحظة في اليمن، إلا أنه زعم -في المقابل- إقامة معسكرات تدريب لمقاتليه في مناطق جبلية في جنوب البلاد. وهو ما كشفه ذلك بيان لداعش في نوفمبر 2015، حيث أعلن أن من نفذوا العملية التي استهدفت معسكرًا للقوات الحكومية في منطقة شبام حضرموت تم تدريبهم في معسكر تابع له بمنطقة يافع بمدينة لحج (جنوبًا)، في حين أعلن تنظيم "القاعدة" أن أفراده هم من قاموا بتنظيم هذا الهجوم.

وينظر تنظيم "القاعدة" في اليمن إلى "داعش" على أنه "تنظيم دخيل"، بينما يرى نفسه ذا جذور وامتدادات داخل أوساط قبلية يمنية. وقد استغل تنظيم "القاعدة" تبني "داعش" للهجوم الانتحاري الذي استهدف مؤخرًا معسكرًا للقوات اليمنية بعدن مخلفًا عشرات القتلى والجرحى ليغازل القبائل اليمنية الناقمة عليه. فعلى خلفية الهجوم المذكور، وصف تنظيم "القاعدة" في اليمن، في بيان له، تنظيمَ "داعش" بـ"الجماعة المنحرفة"، وذلك يوم الخميس الموافق 22 ديسمبر 2016. وأضاف: "تبيينًا للحقيقة واعتذارًا إلى إخواننا المسلمين، نعلن بشكل واضح أنه لا علاقة لنا بهذه العملية لا من قريب ولا من بعيد".

عراقيل التوسع 

هناك أسباب عدة تعرقل توسع تنظيم "داعش" في اليمن، ومن أبرزها ما يلي:

أولا- عدم اختيار قيادة معروفة لتنظيم "داعش" اليمني، وهو ما يعني أن هذا التنظيم ليس واضح المعالم، وأن التوجيهات الصادرة من قيادات غير معروفة يُرجعه البعض إلى عدم قدرته على ترتيب أوضاعه، وتبعيته لقيادات الخارج، وتلقيه توجيهات من التنظيم المركزي في العراق، الأمر الذي يُشير إلى أنه ليس تنظيمًا قويًّا يمكن أن نُطلق عليه فرعًا مكتمل البنيان لتنظيم "داعش" في اليمن.

ثانيًا- يُشير البعض إلى أن أفراد تنظيم "داعش" في اليمن هم الجناح الأكثر تشددا في تنظيم "القاعدة" في اليمن، ويرون أن تطور العمليات التي يقوم بها تنظيم "داعش" أكثر فاعلية من تنظيم "القاعدة"، مما ساهم في تنفيذ الأخير عمليات كالتي ينفذها تنظيم "الدولة الإسلامية"، حيث رأوها أكثر فعالية وأكثر تأثيرًا في تحقيق أهدافهم.

ثالثًا- يُشير باحثون إلى أن سياسة "بث الرعب" التي ينتهجها عناصر تنظيم "داعش" في العراق وسوريا قد تُفهَم بالنظر إلى طبيعة المجتمعات المدنية هناك، لكنها قد لا تنجح في مجتمع قبلي مسلح مثل اليمن. وفي هذا الصدد يرى البعض أن تنظيم "القاعدة" يدرك أهمية الحاضنة القبلية التي سهّلت لبعض العناصر التحرك نتيجة عدم الرضى عن سياسة الدولة في الماضي، الذي جعل أغلب القبائل لا تتحمس مع الدولة للدخول في حربها ضد "القاعدة".

رابعًا- العمليات التي يقوم بها تنظيم "داعش" تخالف الأعراف القبلية التي تُحرِّم قتل أسرى المعارك، فضلا عن خطف جنود خارج أرض المعارك وذبحهم، وهو ما يُعد "عيبًا أسود" في العرف القبلي، ما يعني أن إعلان التنظيم رسميًّا واختيار قيادات له قد يؤدي إلى مواجهة مع القبائل؛ كون قيم القبيلة في اليمن تتعارض مع الأفعال التي يقوم بها تنظيم "داعش".

خامسًا- على عكس تنظيم "القاعدة"، يفتقر تنظيم "داعش" إلى حدٍّ أدنى من الحاضنة في الأوساط القبلية اليمنية، لكنّه يطمع في استقطاب بعض أتباع "القاعدة"، رغم أنه لم ينجح حتى الآن بعد هزائمه المتلاحقة في حضرموت وأبين، وإعلان عددٍ من مقاتليه إلقاء السلاح والاستسلام للسلطات اليمنية. ولتنظيم "داعش" تجربة سابقة في وراثة "القاعدة"، إذ إن النواة الصلبة له في العراق وسوريا تتكون أساسًا من مقاتلين سبق لهم القتال تحت راية زعماء تنظيم القاعدة "أسامة بن لادن" و"أيمن الظواهري" و"أبو مصعب الزرقاوي".

"القبلية" عائقًا

يُمكن القول إن تنظيم "داعش" في اليمن لم يجد الحاضنة الشعبية التي تُشجعه على إعلان نفسه رسميًّا، وتشكيل فرع له تحت قيادة مُهَيْكَلَة ومتسلسلة المراتب. وفي المقابل، الاعتماد على الخارج في تلقي الأوامر، وفي الحصول على التمويل لعملياته التي ينفذها، كما أن أفراده هم المقاتلون الأكثر تشددًا وتطرفًا في تنظيم "القاعدة" باليمن الذين ارتأوا في عمليات تنظيم "داعش" في العراق الدموية أنموذجًا ناجحًا يمكن اتّباعه، لذلك لا يتم الإعلان عن أسماء أفراد هذا التنظيم إلا بعد تنفيذهم عمليات انتحارية خوفًا من الرفض المجتمعي والمقاومة الشعبية لجماعة متطرفة وفكر ضال كفكر "داعش".

كما يمكن تأكيد أن هذا التنظيم وسياسته التي تقوم على السيطرة على الأرض كأساس لقيام الدولة الإسلامية لم يجد في اليمن قاعدة لبسط نفوذه وتمكنه من التحكم والسيطرة كما هو حاصل في العراق وسوريا؛ حيث يُمكن لهذا التنظيم أن يتمدد وينمو في مجتمع أكثر مدنية، بينما ينكمش ويضعف في مجتمع قبلي كما في اليمن وباكستان وأفغانستان، لذلك لم نجد له تأثيرًا في هذه الدول مقارنة بالدول الأكثر مدنية.