التحليلات - التغيرات السياسية

إطالة الحرب؟

إخفاقات الاستراتيجية الأمريكية في محاربة داعش

د. سيف الهرمزي

الجمعة, 23 يناير, 2015

إطالة الحرب؟

يتمتع العراق بمكانة مهمة في المدرك الاستراتيجي الأمريكي خاصةً بعد تزايد الخطر الذي بات يمثله تنظيم "داعش" على بلاد الرافدين ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها. وإذا أمعنا التدقيق في الاستراتيجية الأمريكية تجاه العراق، لاسيما فيما يتعلق بتكتيك الحرب على الإرهاب، فإنها لا تخرج عن دائرة سياسة "القوة الذكية" Smart Power التي اضطلع بها "جوزيف ناي" و"ريتشارد أرميتاج"، وطبقها على أرض الواقع الديمقراطيون في إدارة الرئيس "أوباما".

تهدف "القوة الذكية" إلى العمل على إعادة الولايات المتحدة كدولة لها القدرة على الإقناع وبث الأمل في دول العالم، وذلك بدلاً من التركيز على الاستخدام المنفرد للقوة، من خلال الاعتماد على خلق نوع من التوافق بين القوتين "الناعمة والصلبة"، ومحاولة دمجهما، لكي يكون لهما القدرة على مواجهة التحديات وكسب الحلفاء، مع ضمان المحافظة على الأمن القومي الأمريكي.

ولتقييم الأداء الاستراتيجي الأمريكي تجاه العراق، فإنه من الأهمية بمكان الإجابة على عدة أسئلة تتعلق بماهية الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب، وأبرز نتائج ودلالات الحرب التي يشنها التحالف الدولي بقيادة واشنطن على تنظيم "داعش" في العراق.

أبعاد الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب

إن تحديد أدوات الاستراتيجية التي انتهجتها واشنطن بغرض مكافحة الإرهاب، يقتضي التمييز بين مرحلتين، كالتالي:

- المرحلة الأولى (مرحلة بوش الابن): برزت استراتيجية الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وكانت الأداة الوحيدة فيها هي المكون العسكري، وظهرت أولى نماذج التطبيق في أفغانستان والعراق. وأعلن حينها الرئيس الأمريكي السابق "جورج دبليو بوش" أنها (حرب صليبة على الإسلام)، وأننا (سنجعل من العراق ساحة حرب لمكافحة الإرهاب).

- المرحلة الثانية (مرحلة باراك أوباما): طبقت الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة "أوباما" استراتيجية تصحيحية تعد بمثابة مُراجعة للإخفاقات التي وقع فيها سلفه "بوش" على مستوى الاستراتيجية الشاملة وحتى جزئياتها المتعلقة بمكافحة الإرهاب. بيد أن الاختلاف في هذه المراجعة الجديدة هو التزاوج ما بين ما هو مثالي وما هو واقعي، مما أفرز "القوة الذكية" كآلية للتغيير الدولي.

وأهم ما يميز الاستراتيجية الجديدة لأوباما في محاربة الإرهاب استخدام أسلوب "التغيير عن بُعد وبأقل الخسائر المادية والبشرية وبأسرع وقت ممكن". فالحرب في العراق كلفت الولايات المتحدة أكثر من خمسة آلاف قتيل أمريكي، على عكس الحرب على الإرهاب حالياً في كل من العراق وسوريا والتي لم تكلف واشنطن كثيراً.

وبالعودة إلى المقولتين السابق الإشارة إليهما أعلاه لـ"بوش الابن" وربطهما باستراتيجية "أوباما" الحالية، نجد أن الأخيرة بمثابة استكمال للاستراتيجية السابقة، لكن الاختلاف فقط في الأدوات، فأوباما لم يصرح بازدراء الإسلام، وإنما عمد إلى استخدم "القوة الناعمة" لكسب تأييد الدول الإسلامية؛ وبالتالي تقسيم الإسلام إلى معتدل ومتطرف، وتسخير ما يسمى "الإسلام المعتدل" في محاربة المتطرف بكل مذاهبه.

والحقيقة أن كل الاستراتيجيات تصب في بوتقة واحدة، وهي المصلحة الأمريكية العليا، فإعلان "بوش" (أنها حرب صليبة على الإسلام) ما هي إلا "الجزرة" لاستقطاب الفكر الجهادي والسلفي من كل دول العالم في ساحة واحدة، وهي تكملة للمقولة الثانية المتعلقة (بجعل العراق ساحة حرب لمكافحة الإرهاب)، واستخدام "العصا "أي القوة العسكرية.

وبالفعل اجتمع كل من يحمل فكر "القاعدة" من كل دول العالم في العراق وسوريا، وهذا يضمن للولايات المتحدة مجموعة من المرتكزات، وهي:

1- إصباغ الحرب بالطابع الديني، إذ يعد ذلك من أهم المحفزات لظهور الإرهاب، وبالتالي صناعة العدو من الفاعلين من غير الدول.

2- إن إعلان "الحرب على الإسلام" ليس كلمة تفوهه بها شخص عادي، وإنما رئيس أقوى دول في العالم، ومغزاها جمع المتطرفين في بلد واحد وهو العراق، لمحاربته خارج الأراضي الأمريكية.

3- تجفيف منابع الإرهاب وإفراغ الولايات المتحدة وأوروبا ممن يحمل هذا الفكر من خلال استفزازهم عبر صناعة قضايا تدغدغ عقائدهم وعواطفهم، وبالتالي استقطابهم إلى العراق ومحاربتهم. فأوروبا وحدها أعلنت أن لديها أكثر من 3 آلاف مقاتل في صفوف "داعش"، والولايات المتحدة غادرها 251 شخص للانضمام إلى هذا التنظيم الإرهابي.

4- إن استراتيجية الحرب على الإرهاب في العراق تقوم على أساس خلق "ثنائيات العنف"، مما يُبعد إسرائيل العدو التقليدي في المنطقة عن ساحة العداء؛ ومن ثم فإن صناعة العدو أصبحت تتم على مستوى الفاعلين من غير الدول، فكل جماعة توجد على الأرض لها شأن وتأثير- مهما كان توجهها راديكالي أو معتدل - يكون أمامها عدو من نفس الجنس، فتنظيم "داعش" في سوريا تقابله المعارضة السورية، والأخيرة تقابلها قوات النظام السوري وحزب الله اللبناني والميليشيات العراقية، بما يؤدي إلى الوصول إلى دوامة لا تنتهي من العنف.

5- إن دوامة العنف المتجددة في ظل توافر محفزات الفكر الطائفي والقومي، تضعف ولاءات الشعوب لدولها، بحيث يكون انتماء كل جماعة أو طائفة للدولة التي تدعم أفكارها وأهدافها.

6- يقوم كل ما سبق على أسس "تفتيت المُفتت وتقسيم المقُسم" وفق مشاريع بعيدة المدى أعدها مفكرو الهيمنة الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط، وذلك من خلال السعي إلى تقسيم المنطقة على أساس طائفي وقومي وعرقي، فالعراق سيكون تحت طائلة إقليم السنة وإقليم الشيعة وإقليم الأكراد.

7- إن أصعب الحروب في العالم هي "حرب الأفكار"، فالفكر "الجهادي الراديكالي" يُحاكي العداء للولايات المتحدة ولا يمكن القضاء عليه، لانتشار المسلمين في كل بقاع العالم. وبالتالي يصعب على واشنطن كشف "الفكر" رغم امتلاكها أضخم أجهزة العالم الاستخباراتية في التجسس والمراقبة وكشف عوامل التهديد. وفي هذا الصدد كان "مذهبة الصراع" في العراق وسوريا إلى سني – شيعي، البوابة لجمع الفكر المُهدِد لأمن الأمريكيين واستقرارهم في غرفة واحدة حدودها العراق وسوريا، والقضاء عليه بدعم مادي ولوجستي وعسكري دولي.

نتائج الحرب على "داعش" في العراق

إن المتتبع للحرب التي يقودها تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة ضد "داعش" في العراق، سيكتشف أن كافة التصريحات والأفعال الصادرة عن المسؤولين المعنيين تقوم على أساس واحد، وهو إعلان رقمي فحسب، وتحديداً ثلاثة أشياء مدونة بالأرقام، وهي:

1- عدد العمليات الجوية ضد "داعش"، فحسب تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) نفذت الطائرات الحربية الأمريكية 819 ضربة جوية ضد مواقع تنظيم "داعش"، وذلك حتى شهر كامل قبل تاريخ نشر هذا المقال.

2- تفاوت المدة الزمنية المطلوبة للقضاء على "داعش"، فهي تارة سنة واحدة، وتارة أخرى خمسة أعوام، وتارة ثالثة 20 عاماً.. إلخ.

3- تفاوتت الإحصائيات الصادرة بشأن عدد مقاتلي "داعش"، فأحياناً يُقال أن عددهم 30 ألف، وأحياناً أخرى يُقال أنهم 70 ألف مقاتل موزعين ما بين العراق وسوريا.

وإذا ما تعمقنا أكثر بشأن النتائج التي أفرزتها الطلعات الجوية وكل ما يُقال عن محاربة "داعش" ودعم الحكومة العراقية، نجد أنه لا يوجد نتائج واضحة على الأرض، فالقصف الجوي الأمريكي وكل العمليات الجوية من دول التحالف لم تحدث تقدماً على الأرض، بل على العكس فإن ثمة إرباك كبير وخطر فعلي يهدد الكثير من المناطق التي فيها تماس مع "داعش".

وهذه النتيجة في لغة الحساب لا تكون سوى "مُعطى صفري" أو سلبي في تقييم الاستراتيجية الأمريكية بالعراق.. ولكن هل هذه سياسة مقصودة؟ أم أنها تعبير عن سوء إدارة أو إخفاق كما يُطلق في بعض الاتجاهات؟

الحقيقة التي لا تخفى لدى جميع المفكرين الاستراتيجيين، أن الدوافع الحقيقية لأي استراتيجية تكمن في "الدوافع المضمرة"، وهي في الحالة العراقية تتمثل في الآتي:

1- إطالة أمد الحرب على الإرهاب، وذلك لأسباب كثيرة منها خلق دول ضعيفة وهشة في المنطقة على شكل "كانتونات" صغيرة قومية وعرقية وطائفية يسهل التحكم فيها. ومن ناحية أخرى إيجاد جماعات مناظرة لكل فئة من هذه الفئات تماثلها من حيث التصنيف، لمنع أي تمرد عن المسار الأمريكي.

2- مسك العصا من المنتصف، عن طريق خلق توازن يقوم على فرض رؤية الإرادة الأمريكية في المحصلة النهائية، فعلى سبيل المثال وضعت واشنطن خطوطاً حمراء لـتنظيم "داعش" إذا تجاوزها فإنها تقوم بقصفه جوياً مثل خط كركوك الذي يقع تحت سلطة إقليم كردستان.

3- وضع كل الأطراف العراقية تحت المسار الأمريكي في مثلت متساوي الأضلاع، أو ما يسمى بالمثلث المنتظم (السنة – الشيعة – الأكراد)، فالإدارة الأمريكية لا تسمح لأي طرف بالتقدم إلا بموافقتها.

4- يؤكد هذا التكتيك الاستراتيجي الأمريكي أن "داعش" تعتبر "ورقة ضغط" على جميع الأطراف للالتزام بما هو مُخطط له، وإبقاء جميع الأطراف ضعيفة. ويعد الأكراد هم الطرف الأكثر نجاعة، لأنهم يعلمون - وبنظرة واقعية - أن لدى الولايات المتحدة ما يكفي لتحقيق مشاريعها والتي تتطابق معهم، على عكس حكومة "العبادي" التي تعلن رفضها الوجود الأمريكي على الأرض بسبب الموقف الإيراني، لكن كل ذلك لا يخفي حقيقة مهمة، وهي أنه لا تقدم بدون جهود واشنطن لحسم الأمر، وهو ما ينادي به السنة في العراق لأنهم الخاسر الأكبر في هذه المعركة.

5- من المفارقات التي تقوم عليها الاستراتيجية الأمريكية، التهديد بـ(داعش) بصورة غير مباشرة، كما في تصريح أوباما "وإلا فالذئب على الباب- يقصد داعش- لمن لا يلتزم بتوجهات حكومة العبادي الجديدة"؛ وبالتالي تُضخم واشنطن من قوة هذا التنظيم ليكون الدافع للحكومة العراقية الحالية نحو الالتزام بأمرين:

الأمر الأول: إقرار قانون الحرس الوطني، وهو أشبه ما يكون بقوات "البيشمركة"، بمعنى أن يكون لكل محافظة قوة من أبنائها لتلافي المسائل الطائفية واستكمال الكونفدرالية.

الأمر الثاني: إقرار قانون الأقاليم، غثمة تسريبات في هذا الصدد بأن المناطق سيكون تقسيمها كالآتي: إقليم السرايا (إقليم الأقليات في سهل نينوى) والإقليم الأحمر (الموصل) وإقليم الأنبار، وإقليم صلاح الدين يقتطع منه سامراء وبلد والدجيل، وإقليم كركوك العربية الذي يشمل الحويجة والرياض والرشاد، وكركوك الكردية تخضع تحت سيطرة إقليم كردستان ويُضم اليها طوزخورماتو، ولكن يكون إدارتها بتنسيق مع القوى التركمانية.

حاصل القول، ستبقى الولايات المتحدة تعتمد على (تكتيك التأخير) في القضاء على تنظيم "داعش"، حيث إنها تعمل على التخلص من مجموعات التنظيم التي كانت تنتشر في أوروبا والولايات المتحدة لتُلقي بهم في مساحات مكشوفة مثل العراق وسوريا وليس في بيئة وتضاريس يستحيل القتال فيها مثل باكستان وأفغانستان.

ولكن ثمة حقيقة استراتيجية وعسكرية لا يجب إغفالها، ومفادها أن (إطالة أمد الحرب تخدم القوات غير النظامية). وإضافة إلى استفادة "داعش"، والأطراف الساعية إلى بقاء دول المنطقة في حالة من الفوضى والاضطرابات، فإن الشركات الأمريكية هي أيضاً المستفيد الأكبر من إطالة أمد الحرب، فلا يخفى على أحد أن جميع الحروب التي خاضتها واشنطن تزيد من دعم شركات السلاح والتي تعد بدورها أحد "اللوبيات" المهمة في صناعة القرار الأمريكي، فضلاً عن دورها في دعم الاقتصاد الأمريكي.

ويكفي القول إن شركات صناعة الأسلحة الأمريكية حققت ارتفاعاً في أسهمها منذ إعلان التحالف الدولي ضد "داعش"، فشركة "لوكهيد مارتن" حققت ارتفاعاً قدره (9.3%) بعد ثلاثة أشهر فقط من إنشاء التحالف، وكذلك شركة "ريثيون" التي حققت ارتفاعاً بنسبة (3.8%)، وشركة "جنرال ديناميك" التي حققت ارتفاعاً بنسبة (4.3%).

إقرأ أيضاً