أخبار المركز - المركز في الإعلام

صحيفة الاتحاد:

استطلاع رأي باحثي المركز عن أسباب تفشى العنف في مجتمعات تحيتهـا السلام ؟

الإثنين, 19 ديسمبر, 2016

صحيفة الاتحاد:

قف في شرفة العالم وخذ لقطة بانورامية لكوكبنا، سترى أن غالبية الاحترابات المدمرة للبشر والحجر والشجر تحدث في أرض المسلمين، وأكبر بحور الدماء والدموع تجري فيها، وإذا اقتربت أكثر من المشهد ستجد أننا نعيش صورة هزلية: القاتل فيها مسلم يزمجر: الله أكبر.. والقتيل مسلم يصيح: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، بينما يردد جمهور المسلمين: لا حول ولا قوة إلا بالله!

وإذا تعمقت في خلفيات الأحداث لابد أن تقفز إلى ذهنك عدة أسئلة: لماذا تنشأ ثقافة العنف المتمسح بالدين في مجتمعات، السلام هو تحيتها واسم خالقها وختام صلاتها؟ ولماذا تستمر دعايات منذ عصر الفتنة الكبرى وحتى اليوم تزعم أنها الفرقة الناجية على الرغم من أنها لم تقدم للأمة إلا العنف والعنف المضاد؟

هذه التساؤلات تطرحها (الاتحاد) لتلقي الضوء على أبرز الأفكار المؤسسة للعنف في المجتمعات الإسلامية وكيفية التصدي لها ودور المؤسسة الدينية في نشر ثقافة السلم والتسامح في مواجهة التطرف والعنف؟

بعيداً عن الانطباعات الجاهزة والتعميمات المتداولة، نحاول الغوص في أعماق ظاهرة العنف المتمسح بالدين، ونستعرض مقولاته الأساسية مع رد عليها من جانب أهل الاختصاص، للخروج بفهم أكثر عمقاً وشمولية لأبعادها المختلفة. ومن ثم طرح آفاق أكثر رحابة للتعاطي مع سبل المواجهة والعلاج.

يقول الدكتور هاني نسيرة الخبير المتخصص في الحركات الأيديولوجية والتطرف العنيف أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية تشهد مسلسلاً طويلاً من العنف لا تنتهي حلقاته، تصبغ العقل والواقع دماً، ذاكرة وبصراً، فمنذ عصر الفتنة الكبرى وحتى الآن، نحيا دواماته باسم الدين وباسم الكراهية في كل اتجاه؟ فتتدنس أرواحنا باسم القداسة، وباسم دعاوى زائفة، تزرع التطرف وتروي شجرته الخبيثة. ويضيف أن كل فرقة متطرفة وعنيفة ادعت أنها «أهل الحق والعدل» وأنها «الفرقة الناجية» رغم أنهم لم يقدموا لهذه الأمة إلا الدماء وإلا الكراهية والتمييز والعنف. ويؤكد أن العنف لم يكن متناً غالباً في تاريخ الأمة، بل ظل استثناءً وهامشاً، لكنه رغم هامشيته ظل يزعج القاعدة العريضة، بل يرهق الأمة ويعوقها عن إنجاز تقدمها وسعادتها وتعايشها ولا يزال، موضحاً أن مقولات الجماعات العنيفة ليست بأصيلة في النص الأصيل للإسلام، بل نتاج تصورات تاريخية معينة ومنحرفة، فقد جعلت أيام الفتنة خلافاً تاريخياً كالإمامة أو التحكيم أصلاً! رغم أن كليهما ظهر بعد اكتمال الرسالة وانتهائها بسنين.

وفي عصرنا الحديث تمثلت هذه المقولات في «استعادة الخلافة» كما خرجت عن جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928م، و«الحاكمية» كما روج لها أبو الأعلى المودودي وعربها سيد قطب، ثم حزب التحرير الذي جعل الخلافة شرطاً لاستئناف الحياة الإسلامية- حسب تعبير مؤسسه تقي الدين النبهاني- وأخذها كل منظري الحركات الجهادية القطرية والمعولمة، وصولاً إلى القاعدة وداعش، حتى جعلها أحدهم -الأردني عاصم البرقاوي - «أخص خصائص الإلوهية»، ولم يسأل نفسه: لماذا لم يذكرها العلماء والسلف ويصرون عليه إصراره وإصرار تياره وجماعاته المختلفة رغم ذلك والمتقاتلة الآن في سوريا وأفغانستان والعراق وغيرها؟! يؤكد الدكتور هاني أن هذه الفرق والجامعات تقرر الرأي اعتقاداً وأصلاً رغم أنه ليس بأصل، فما استقر عند علماء السلف أن الإمامة مسألة تقديرية واجتهادية، وأنها خاضعة لقوانين التاريخ ومن هنا كان حديثهم عن التغلب والقبول بإمارة الاستيلاء، ومن هذا المنطلق رأى ابن خلدون، أن العصبية هي العامل المؤثر في تاريخنا، إيماناً بدور موازين القوى في تحديد من يحكم في هذا التاريخ.

وكذلك شيعياً لم تكن ولاية الفقيه موجودة قبل الخميني المتوفى سنة 1979 والإرهاصات بها ضعيفة عند أمثال النائيني ويزدجردي، وما طرحه لم يكن إلا ترجمة بلون شيعي فقط للإسلام السني الذي رآه يبكي الخلافة السنية ويعادي العالم، وشاهده وأعجب به جزئياً عند نفيه لتركيا بعض الوقت أيام الشاه، وروى ذلك للمرجع عبد العزيز الحكيم الذي تحفظ عليه.

غياب الوعي التاريخي

ويوضح الدكتور هاني نسيرة أن مقولات ومنطلقات التطرف العنيف تعبر عن غياب الوعي التاريخي، «فهم لا ينتبهون إلى أن مصر احتلت سنة 1882م تحت بصر الخلافة العثمانية، ونفس الأمر حدث للجزائر والهند ودول المغرب العربي وغيرها، فأي فائدة من عودة العباسيين وقد كان صلاح الدين وحده يقاتل الصليبيين محرراً القدس دون وجود أو حضور للخلافة، وكان المماليك كذلك يواجهون التتار وقتل خليفة عينه بيبرس بعد سقوط خلافتهم في أول معركة خاضها»، موضحاً أن هؤلاء الذين يصدرون للناس هذه المقولات اليوم لم يستفيدوا من دروس التاريخ، وإنما يصرون على أن تكون تلك المقولات أحد أهم أسباب العنف والعنف المضاد.

أثقل كابوس

وهكذا أصبح العنف أثقل كابوس يجثم على صدر البشرية المعاصرة &ndash كما يقول الدكتور فاروق حمادة المستشار الديني في ديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي، موضحاً أن هذا الكابوس الرهيب نزل شيئاً فشيئاً لاختلالات في الفكر البشري، فالإرهاب نبت من فكرة سوداء بغيضة كبرت وترعرعت في غرائز ناقمة حاقدة فأثمرت تدميراً ورعباً في كل مكان حلَّت فيه، لافتاً إلى أن أخطر ما يكون العنف عندما يتكئ على عقيدة دينية أو أيديولوجية فكرية فعندها يقوم الإرهاب بالفواجع ولا يؤنبه ضمير ولا تحركه مشاعر ولا يردعه عقل حصيف، بل يبقى متعطشاً إلى مزيد من العنف والتدمير. ويؤكد الدكتور حمادة أن مستقبل البشرية رهين بمدى تغلبها على هذا العنف وإيقاف مدّه، ونشر الأمن والاطمئنان والسلم الاجتماعي والسلام الدولي بواسع معانيه حتى يطمئن الناس على أرواحهم وأهلهم وممتلكاتهم، وإلا فالكارثة عظيمة فلم يعد هناك مجتمع مغلق أو دولة منعزلة عن العالم.

الأفكار المؤسسة للعنف

ولكن هذا الكابوس الذي يعيشه العالم ناتج عن أفكار مؤسسة للعنف في المجتمعات الإسلامية يوضحها الدكتور شادي عبدالوهاب، رئيس وحدة الدراسات الأمنية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة في أبوظبي ورئيس التحرير التنفيذي لدورية اتجاهات الأحداث، قائلاً إن أبرز الأفكار هذه تتمثل في المبادئ المتطرفة التي يعتنقها البعض مثل مفهوم «الحاكمية» و«جاهلية المجتمع»، فالمفهوم الأول، يقصد به الحكم وفقاً لشريعة الله، ومناصبة العداء لأي نظام يحكم بخلاف ما أنزل الله، كما أنهم يميلون إلى تكفير المجتمع، وادعاء أنهم يعيش حالة «جاهلية»، لتبرير عملياتهم الإجرامية بحق المدنيين. وبطبيعة الحال، فإن هذه المفاهيم واللافتات التي يرفعونها يهدفون من خلالها إلى إخفاء طمعهم في الوصول إلى السلطة باسم الدين، موضحاً أن تهافت الجماعات الإرهابية على السلطة، يتجلى في الخلاف الشهير بين تنظيم داعش وجبهة النصرة، ومبايعة الأخيرة لتنظيم القاعدة، حتى لا تنضوي تحت سلطة تنظيم داعش الإرهابي.

الترويج للظلم والاضطهاد

وعلى الرغم من مركزية هذا الأفكار لدى الجماعات التكفيرية تقريباً، فإن هناك أمراً لا ينبغي إغفاله، ينبه إليه الدكتور شادي، وهو أن أحد أهم العوامل التي تسعى الجماعات الجهادية لجذب الشباب لأفكارهم المتطرفة تقوم على الترويج للظلم والقتل والاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون، خاصة الفلسطينيين على يد إسرائيل، والعراقيين على يد الدول الغربية، فقد أدى احتلال الولايات المتحدة للعراق، وامتلاء الإعلام الغربي بصور القتلى من المدنيين إلى استغلال الجماعات المتطرفة لتلك الصور وتقديم نفسها باعتبارها جماعة تسعى للثأر لمقتل المدنيين.

الهوية وثقافة العنف

ولكن بعض الباحثين في العلوم السياسية لديهم تفسيرات أخرى تسلط المزيد من الضوء عن أبعاد هذه الظاهرة، فيرى الدكتور عمار علي حسن الباحث في العلوم السياسية أن التأويلات الفاسدة للنص الديني هي فعلاً المسؤول الأول عن أشكال شتى من العنف مورست في العالم العربي من المحيط إلى الخليج على مدار العقود الأربعة المنصرمة، ولكنها ليست العامل الوحيد، ويوضح أن مسألة الهوية قد تكون مدخلاً أساسياً لفهم وتحليل ثقافة العنف بخاصة لدى الشباب، موضحاً أن الصراعات حول «الهوية» بشتى أشكالها هي الأكثر إراقة للدماء في تاريخ البشرية، فالإنسان الذي طالما تمزق بين «نحن» و«هم» كان أكثر ضراوة حين خاصم وقاتل من يختلفون معه في الدين والسلالة والطبقة والثقافة.. وحتى الإمبراطوريات الكبرى لم تقلع عن توظيف الهويات في تبرير مشروعاتها الاستعمارية.

ويضيف أن طيلة هذا المسار التاريخي كان الشباب هم أكثر الشرائح الاجتماعية دفعاً لثمن العنف الذي يترتب على التعصب الأعمى للهوية، وسوء فهم ثقافة الآخر، لكنهم ظلوا، ولا يزالون، هم الفاعل الأكبر في هذه العملية الدموية المتواصلة.

ويؤكد أن أغلب هذه الأفعال العنيفة لدى بعض الشباب تعود إلى التعصب الأعمى للهويات تارة، وإلى الهويات التي تنطوي على أفكار تدعو إلى كراهية الآخر ونبذه، تارة أخرى، لافتاً إلى تنامي أزمة الهوية، لاسيما في المجتمعات التي يغلب فيها بعض الأفراد انتماءاته العشائرية والقبلية والطائفية على الانتماء للمجتمع الأول، أو الدولة، الأمر الذي يخلق تنازعاً نفسياً داخل الشخص بين هذين الانتماءين. وقد تصل الأزمة إلى حد الصراع المفتوح بين الثقافة الوطنية والثقافات الوافدة، وبين الخصوصية الذاتية وبين السيطرة الأجنبية. وينبه إلى أن إمكانية إنتاج هوية ما عنفاً مقنعاً أو منظماً، لا يعني بأي حال من الأحوال الدعوة إلى التخلي عن الهوية، فهذه مسألة مستحيلة بل ومرفوضة تماماً، لكن من الضروري أن يتخلى الأفراد عن التعصب الأعمى لهوياتهم وخصوصياتهم، وألا يستسلموا لما يسمى «حرب الأفكار» وأن يؤمنوا بتعدد الهويات وتقاطعها، ويتسامحوا مع «الآخر».

تأثير العولمة

ويشير الدكتور عمار علي حسن إلى أن هناك عوامل أخرى تسهم في تفسير ثقافة العنف لدى بعض الشباب، منها تأثير العولمة، حيث طرأت على العالم المعاصر تغيرات عميقة هزت الثوابت التقليدية للمجتمعات، فالمعلومات والقيم والأفكار والسلع التي تتدفق بلا هوادة ورحلات السفر والهجرة التي تنتهي بين الشمال والجنوب، وتوحش أنماط الاستهلاك واتساع رقعة الفقر والتهميش، تؤدي جميعاً إلى فتح أبواب جديدة للعنف.

حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام

وينطلق الدكتور كمال حبيب المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية وتركيا في تحليله للظاهرة من رؤية تعتبر أن العنف ليس غريزة أو طبيعة وإنما هو نتاج، التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحادة التي تجعل الشباب علي وجه الخصوص غير قادرين علي التكيف معها أو إدراك أسبابها وكيفية التعامل معها وفهمها.

ويوضح أن الخوارج الذين نعتبرهم المثال الذي يمكن القياس عليه لمعرفة نشوء العنف واستخدام الدين كأداة في الصراع الاجتماعي والسياسي والثقافي، كانوا عباداً لكنهم كانوا جهلة لا يعرفون عمق المعاني، وهم كما قال النبي صلي الله عليه وسلم عنهم في حديث رواه البخاري «حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام»، أي أنهم صغيرو السن لا تجارب لهم بالحياة أو العلم أو الواقع، والسفاهة أي عدم التعمق في المعاني والأخذ من ظواهرها للوصول إلى استنتاجات عامة.

فقد قاتلوا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ورفعوا في وجهه أن لا حكم إلا لله «وهم بذلك أول من رفع شعار «الحاكمية»، ولم يكونوا يظنون أن هناك حاكمية للبشر، وقد رد عليهم ابن عباس في مناظرته لهم مستدلاً بالقرآن الكريم عن أن هناك حاكمية للبشر ومن ذلك قوله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ» (سورة المائدة: من الآية 95) وقال: «فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا» (النساء: الآية 35).

الخوارج.. ومشكلة التكييف

ويوضح أن التحول الكبير الذي عرفته الدولة الإسلامية مع الفتوحات الكبرى أثر على نمط حياة الناس، وأن الخوارج لم يستطيعوا التكيف مع تلك التغيرات فذهبوا إلى العنف الملتحف باسم الدين، لأن الدين كان هو الفضاء المرجعي الذي يمكن الرجوع إليه للجدال الفكري والاجتماعي والسياسي.

ويشير إلى أنه تم تأويل الآيات القرآنية تحت ضغط التحولات الاجتماعية والسياسية الكبري بعد عصر عثمان بن عفان وعصر علي بن أبي طالب &ndash رضي الله عنهما- وأنتج تلك الفرقة التي تعد المثال الذي احتذاه من جاء بعدهم من جماعات العنف.

ويوضح الدكتور كمال حبيب أن النسق الإسلامي نسق مفتوح، بمعنى أن هناك فهماً يعبر عنه التيار الرئيسي للأمة، وهم أهل السنة والجماعة لكن هذا الفهم لا يحول دون أن يذهب آخرون إلى فهم مختلف، غير أنهم على هامش تيار الأمة الرئيس، لافتاً إلى أن شكري مصطفى - مؤسس «جماعة المسلمين» في مصر التي سميت إعلامياً «جماعة التكفير والهجرة»، قرأ كتب الخوارج الأزارقة مثلاً في أزمة مواجهة الدولة الناصرية مع الإخوان في الستينيات، وبدأ يتبني أفكارهم بالتكفير بالمعصية والتوقف والتبين وتكفير المجتمعات.

التحولات الحادة

ويشير إلى أفكار تلك الجماعات الميتة يحييها ظهور حالات تحول حادة في المجتمعات المسلمة فيما يتعلق بعلاقة الحكومات بالجماعات الإسلامية وعلاقتها بالشريعة والإسلام، وهنا تجد أفكار الخوارج وقد انتشرت على يد جماعات التكفير وهي تنتشر على يد داعش وحتى مفكري القاعدة كسيد إمام الشريف.

كما أن احتلال فلسطين وأفغانستان وانحياز الغرب ضد العرب والمسلمين في المحافل العالمية وقضاياهم شجع على ظهور مثل هذه الجامعات المتطرفة، محذراً من أن صعود اليمين المتطرف في الغرب قد يشجع على ظهور جماعات أكثر تطرفاً وعنفاً.

وينتهي الدكتور كمال في تحليله إلى أن هذه الجماعات تعبر عن ميل نفسي للأعضاء الذين ينخرطون فيها، وتعبر عن واقع اجتماعي وسياسي داخلي ، وخارجي غربي بخاصة فيما يتعلق بالموقف من دار الإسلام وعالمه، مؤكداً أن هناك ميل نفسي وفكري يجعل أعضاء تلك الجماعات يذهبون في التأويل إلى ما يخدم أهدافهم، فإنهم يستخدمون الدين، لكنهم جماعات عنف لا علاقة للدين بها، فهي توظف الدين وتستخدمه لكنها تجتهد في مواجهة الأمة ولا تجتهد لها.

أبعاد نفسية واجتماعية

وبجانب استناد خطاب التنظيمات الإرهابية على مقولات مضللة تعتمد على بعض الآراء الفكرية المرتبط بالدين لتبرير العنف يرى الدكتور محمد عبد الله يونس رئيس برنامج التحولات السياسية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بأبوظبي أن تلك التنظيمات تركز على أدوات خطابية ذات أبعاد نفسية واجتماعية قابلة للفهم لدى قطاعات واسعة من المتابعين غير المتخصصين في العلوم الفقهية، ويوضح أن أهم أركان خطاب التطرف الذي تعتمد عليه التنظيمات الإرهابية، تتمثل في ادعاءات الاستهداف والاضطهاد من جانب الآخر والترويج لثقافة الكراهية واستغلال تعرض المسلمين في بعض الدول لمعاملة غير إنسانية لتبرير تبني العنف بدعوى «الجهاد» في مواجهة العدوان ورفع الظلم. ويشير ، إلى أن استطلاعات الرأي التي أجراها مشروع «الصحوة» الذي يدعمه مركز برشلونة للشؤون الدولية عام 2015، كشفت أن انتشار التطرف يرتبط بعوامل مثل الاحتياجات المادية والحرمان النسبي نتيجة تصاعد معدلات الفقر والبطالة في بعض الدول العربية.

الحاجة إلى الانتماء

وتدفع الاحتياجات النفسية بعض الأفراد للانضمام للتنظيمات الإرهابية مثل الشعور بالانتماء في ظل سيادة الشعور بالاغتراب والعزلة والتهميش والاضطهاد، وقد يكون البحث عن المغامرة والسعي لكسر السلطة هو الدافع الأساسي للتطرف والانضمام للتنظيمات الإرهابية، كما تستغل التنظيمات الإرهابية الاختلال النفسي لدى بعض الأفراد لاستقطابهم للتنظيمات الإرهابية، حيث تمثل توجهات مثل العدوانية والاكتئاب والكبت النفسي والانعزالية أهم الدوافع النفسية للانضمام للتنظيمات المتطرفة.

مفهوم العنف

يؤصل الدكتور كمال حبيب الأكاديمي المصري المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية وتركيا لمفهوم العنف قائلاً إن معاني لفظ عنف تدور في المعاجم ومنها «لسان العرب» حول الخرق بالأمر وقلة الرفق به، فالطريق المعتنفة، أي غير القاصدة التي لا توصل إلى الغاية. كما تتصل مادة العنف بالجهل، ولها علاقة ببداية الأشياء وحداثتها وهي متصلة بالخرق بالأمر أي عدم المعرفة المتعمقة به، وبعدم الرفق والتعنيف أي التوبيخ وقلة السياسة وعدم القيادة وغياب الإحسان في معرفة مسارب العلم وواقع الناس وأحوالهم.

الظروف المحيطة بالشباب

لا يستبعد الدكتور عمار علي حسن الباحث في العلوم السياسية تأثير الظروف المحيطة بالشباب على لجوء بعضهم إلى العنف، موضحاً أن الشباب العربي يسكن قلب أوطان كثير منها يعتمد التمييز بكفاءة بالغة وتنوع هائل، فمثلاً الأثرياء يملكون المال وطاقات الفقراء ومصائرهم، والحضر يتعالى على الريف الفقير، والرجال هم العناصر الأرقى من النساء، والفقيرات هن الأقل قدراً من غيرهن.

ويضيف أنه مع تفشي البطالة وإصرار الكبار على ممارسة الوصاية على الشباب في نظام «أبوي» جامد، وسط صراع أجيال حاد، وانسداد الأفق السياسي بفعل تسلطية الدولة وبطشها، واستشراء الفساد، وازدياد حجم الغبن الاجتماعي، وشيوع ثقافات تقليدية ودينية نازعة إلى الجمود والتشدد، واستفحال الشعور بالقهر والظلم والهوان حيال العالم الخارجي، يجد بعض الشباب العربي نفسها مدفوعاً للانزلاق إلى ارتكاب العنف بشتى صوره الرمزية واللفظية والمادية، وهي حالة لا شفاء منها دون انقضاء الأسباب التي تؤدي إليها.

التطرف عبر السياق العائلي والصراعات الأهلية

يوضح الدكتور محمد عبد الله يونس رئيس برنامج التحولات السياسية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بأبوظبي، أن السياق العائلي قد يكون دافعاً للتطرف، حيث يضغط بعض أفراد الأسرة من المتطرفين لضم الأسرة كاملة للجماعات الإرهابية، كما تعد علاقات القرابة والمصاهرة والصداقة مع المتطرفين من ضمن العوامل الدافعة للتطرف فيما يطلق عليه «رأس المال الاجتماعي المظلم» (Black Social Capital)، وهو ما يمكن اعتباره تكراراً لنموذج الأخوين «كواشي» اللذين نفذا الهجوم على صحيفة تشارلي إيبدو في باريس في 7 يناير 2015، والأخوين إبراهيم وصلاح عبد السلام منفذي تفجيرات باريس في مارس 2016. كما أن الصراعات الأهلية تعد ضمن العوامل الدافعة للتطرف على عدة مستويات، حيث إن بيئة الصراعات في منطقة الشرق الأوسط تعد بمثابة ملاذ آمن للجماعات الإرهابية، كما تعد الأوضاع الإنسانية في الصراعات ضمن المظلوميات (Grievances) التي تستغلها التنظيمات الإرهابية في اجتذاب تعاطف الشباب بدعوى «نصرة المستضعفين من المسلمين» في سوريا والعراق، وهو ما ينطبق على الانقسامات الطائفية التي تستغلها التنظيمات الإرهابية في استقطاب الشباب.

رسائل مقصودة لصناعة صورة ذهنية

يرى الدكتور محمد عبد الله يونس رئيس برنامج التحولات السياسية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بأبوظبي، أنه لا يمكن اعتبار ممارسات التنظيمات الإرهابية العنيفة مجرد تصرف عشوائي غير منظم، وإنما يتم توظيفه ضمن استراتيجية صناعة صورة ذهنية تتضمن رسائل مقصودة، منها التركيز على جاذبية القوة التي تثير انتباه الشباب إلى قدرة أعضاء التنظيمات الإرهابية على استخدام القوة المفرطة دون حدود، ورسالة أخرى تتمثل في جاذبية الانتقام والثأر من العدو، ولذلك ينجذب للتنظيم الأفراد الذين لديهم هوس بالقوة والسيطرة والانتقام بسبب شعورهم بالإحباط وعدم تحقيق الذات وافتقاد للشعور بالتقدير من الآخرين. كما تضيف التنظيمات الإرهابية عناصر ذات طبيعة دينية لتعزيز الجاذبية لأفكارها، مثل إعادة إنتاج مفهوم «الخلافة» لما ينطوي عليه هذا المفهوم من دلالات تاريخية ودينية تمكنها من اجتذاب تعاطف الشباب وتجنيدهم، وتركز دعاية هذه التنظيمات على مضامين متعددة لمفهوم الخلافة يتصدرها التقدم والسيطرة وإزالة الحدود والتمدد اللانهائي.

المصدر: صحيفة الاتحاد

الكلمات المفتاحية: الإرهابالعتف