العروض - المقالات

ترامب والقضية الفلسطينية


الثلاثاء، 29 نوفمبر، 2016

نظمت اللجنة المصرية للتضامن الأفروآسيوي، يوم الأربعاء الماضي، ندوة عن مستقبل العلاقات العربية- الأميركية، بمناسبة الجدل المحتدم حول الرئيس الأميركي المنتخب ومآل سياساته وانعكاساتها على قضايانا، وقد دُعيت للحديث عن القضية الفلسطينية، فقلت إن هذا الحديث لا يشكل تحدياً علمياً يُذكر، لأنه بينما يشق علينا الكثير من الموضوعات عند محاولة التنبؤ بمسارها المحتمل في المستقبل، فإن الموقف الأميركي من هذه القضية مستقر على نموذج لا يتغير منذ نشأة إسرائيل التي تُتم سبعة عقود من عمرها في العام بعد القادم. ومنذ هذه النشأة لم يحدث أن رئيساً أميركياً اختلف مع إسرائيل وتحدى إرادتها، وثابر على هذا التحدي ونجح فيه إلا مرة واحدة، عندما أصر الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور على انسحابها من شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة بعد احتلالهما إبان العدوان الثلاثي على مصر 1956. وفيما عدا هذا حدث أن رؤساء أميركيين اختلفوا مع إسرائيل في جزئيات، ولكنهم لم يثابروا على هذا الخلاف وانصاعوا لها في النهاية. وقد صوت مندوب الرئيس كارتر في مجلس الأمن على تفكيك المستوطنات الإسرائيلية، ولكن الإدارة الأميركية تراجعت بعد ذلك واستقال المندوب من منصبه. وأتى الرئيس ريجان بمبادرته الشهيرة التي لا نحلم بها الآن، لكنه سرعان ما تخلى عنها، وأوقف الرئيس بوش الأب ضمانات قروض لإسرائيل لاستخدامها في الاستيطان ولكنه لم يصمد، ووافق الرئيس كلينتون على أن المستوطنات يجب أن تُفكك واللاجئين الفلسطينيين يجب أن يعودوا، ولكنه لم يعد لهذا التصريح بعد ذلك أبداً. وكذلك بادر الرئيس بوش الابن بخريطة طريق تنتهي بدولة فلسطينية، ولكن شيئاً لم يحدث، وقال أوباما كلاماً لطيفاً في جامعة القاهرة، ولكنه أنهى عهده بثمانية وثلاثين مليار دولار مساعدات عسكرية لإسرائيل، على رغم تحدي رئيس وزرائها له في عقر داره أثناء مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني، فكيف يكون ترامب استثناءً من هذا كله؟

لقد تراكم لدينا من تصريحات ترامب ما يكفي لكي يكون امتداداً بامتياز لأسلافه، ولا نملك على سبيل الاستثناء سوى تصريح وحيد في فبراير الماضي أثناء مناظرة جمهورية، ذكر فيه أن أحد أهدافه تحقيق السلام بين إسرائيل وجيرانها، وأنه لا يعتقد أن هذا يمكن أن يتحقق بتصنيف طرف على أنه خير والآخر شرير. وعلى رغم تأكيده موالاته لإسرائيل فإنه قال إن على المفاوض ألا يتبنى طرفاً ضد آخر، واعتُبر هذا من دوائر عربية مفاجأة سارة، ولكن انقلاباً شاملاً حدث بعد ذلك وصل إلى التعهد بنقل السفارة الأميركية إلى القدس وعدم إقامة دولة فلسطينية «إرهابية»، وإلى أن الحل قوامه مفاوضات ثنائية دون إملاءات أو تدخل من أحد، في إشارة واضحة إلى حديث الفلسطينيين عن ضرورة وقف الاستيطان قبل بدء المفاوضات ووضع جدول زمني لها، بل لقد رأى أن الاستيطان حق مشروع للإسرائيليين! ولو انتقلنا إلى رجال ترامب لوجدنا أن أركان حملته من غلاة المؤيدين لإسرائيل: نيوت جينجريتش صاحب مقولة أن الشعب الفلسطيني شعب مُختَرَع! ورودولف جولياني وجون بولتون المعروفان بتأييدهما الأعمى لإسرائيل، ووليد فارس ذو الأصل اللبناني الذي انتمى لتنظيم الأَرز الموالي لإسرائيل، إضافة لنائبه مايكل بينس الذي ينافس غلاة الإسرائيليين في تطرفهم! ويُعوِل البعض على أن «المرشح» يختلف عادة عن «الرئيس»، أي أن الخبرة تفيد بأن المرشح قد يتبنى مواقف معينة أثناء حملته لكسب تأييد قطاعات ما، ولكنه بعد فوزه يتصرف في إطار مؤسسي يُرَشد مواقفه، وأنه قد سبق غير مرة لمرشحين أن وعدوا بنقل السفارة إلى القدس، ولكنهم تراجعوا بعد توليهم مقاليد الرئاسة، بسبب الضغوط المؤسسية وبالذات من وزارة الخارجية، وإن كنا يجب ألا ننسى أيضاً في هذا السياق أن ترامب جاء أصلاً من خارج مؤسسة الحكم، بل لقد كان الهجوم عليها عنصراً أساسياً في حملته. والواقع أن أفضل نهج لنا تجاه ترامب هو ألا ننتظر ما سيفعله، وإنما نبادر نحن بالفعل بنقل وجهة نظرنا إليه، كما فعل اللوبي الصهيوني بالتأكيد في مواجهة تصريحاته الأولى، وأن نغير ما بأنفسنا، فلسطينيين وعرباً، حتى نجبر ترامب أو غيره على احترام حقوقنا.

*نقلا عن صحيفة الاتحاد

الكلمات المفتاحية: فلطسينترامب

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات