التقديرات

جيوب هشة:

لماذا تتصاعد الاحتجاجات "المناطقية" في الشرق الأوسط؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الإثنين, 28 نوفمبر, 2016

جيوب هشة:

تشهد بعض المناطق أو الأقاليم في دول الشرق الأوسط احتجاجات موسمية لاعتبارات تتعلق بالتهميش السياسي أو الإهمال التنموي أو التمييز الطائفي أو الاندماج الثقافي أو الانفلات الأمني، على نحو ما تعكسه خبرات بقع جغرافية مختلفة في مصر وليبيا وتونس والجزائر وشرق السعودية والبحرين والعراق وإيران وإسرائيل، وفقًا لمؤشرات الفجوة بين الحضر والريف، وأيضًا بين المدن الكبرى والمحافظات الحدودية، والتي تترجم في الاختلافات في مستويات الدخول وطبيعة الخدمات والمرافق وشبكة الطرق والمواصلات وخدمات التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل وحالة الأمان، بما يجعل هذه المناطق أو تلك الأقاليم أشبه بـ"الجيوب الهشة" التي تكون "ثورات غير منتهية" تضاعف من معضلة عدم الاستقرار داخل الشرق الأوسط.

وتشير الأدبيات النظرية والحالات العملية إلى أن هناك جملة من العوامل التي تفسر اندلاع الاحتجاجات المناطقية في دول الإقليم، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

بقع توتر:

1- تفاقم التنمية الاقتصادية غير المتوازنة: شهدت عدة مدن عربية احتجاجات واسعة خلال عام 2016 على شاكلة محافظة القصرين في تونس (التي تشغل المرتبة الأخيرة ضمن مؤشرات قياس التنمية للولايات حيث يبلغ معدل البطالة فيها 23% مقارنة بالمعدل الوطني الذي وصل إلى 15% وفقًا لإحصاءات المنتدى الوطني للحقوق الاقتصادية والاجتماعية)، لا سيما في ظل فشل الحكومات المتعاقبة في إدارة المناطق الداخلية. وقد توسعت دائرة الاحتجاجات على نحو أعطى انطباعًا بأنها أشبه بـ"ثورة ثانية"، خاصة أنها جزء من "تركة" الرئيس السابق زين العابدين بن علي، حيث خصصت الحكومات المتعاقبة في عهده 82% من الإنفاق العام للمناطق الساحلية في حين خصصت 18% للمناطق الداخلية خاصة في الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب. 

لذا فإن أحد التحديات الرئيسية التي تواجه حكومة يوسف الشاهد يتمثل في معالجة اختلال التنمية بين الشمال المتطور والجنوب المهمل. ولا يمكن حصر هذا الوضع في تونس فقط، حيث تمثل ليبيا حالة مماثلة، الأمر الذي يمكن ملاحظته من متابعة احتجاجات قاطني المناطق الشرقية في ليبيا التي عانت من ضعف البنية التحتية وتدني الأوضاع المعيشية وتدهور التنمية البشرية من مياه نظيفة ومحطة للصرف الصحي رغم الثروة النفطية الهائلة في بنغازي ثاني أكبر مدينة في البلاد، بشكل جعلها أشبه بتمرد المناطق الريفية ضد السلطة الهشة. فمشكلات المناطق في الإقليم تشير إلى عدم تغير السياسات الاجتماعية والاقتصادية في مراحل الانتقال السياسي.

تقاسم السلطة:

2- تشكيل سلطة سياسية جديدة: تصاعدت تظاهرات شعبية، في 20 نوفمبر 2016، في إقليم كردستان العراق احتجاجًا على تزايد أزمة رواتب الموظفين على خلفية انهيار الاتفاق القائم مع بغداد منذ سنوات حول حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية السنوية. وفي هذا السياق، طالبت حركة "التغيير" بتشكيل حكومة جديدة في إقليم كردستان، وتفعيل عمل البرلمان لمراقبة السلطة التنفيذية وانتخاب رئيس جديد، لا سيما أن ذلك يمثل مدخلا أساسيًا لحل المشكلات الداخلية قبل معالجتها مع الحكومة الاتحادية في بغداد.

3- ممارسة الضغوط على السلطة التنفيذية: تجددت التظاهرات في مدينة الحسيمة بشمال المغرب، في 20 نوفمبر 2016، لتسريع نشر نتائج التحقيقات في مقتل بائع السمك محسن فكري طحنًا داخل ناقلة للنفايات بعد مصادرة أسماكه في نهاية أكتوبر 2016، وطالب المحتجون بتوسيع نطاق التحقيقات لتطال جميع المسئولين المعنيين بالحادث وعدم التستر على نتائجها. وقد لوحوا بالتصعيد في حال عدم تحقيق مطالبهم بـ"إنصاف" منطقة الريف وتحقيق الكرامة للشعب، ودعوا  -بعد انضمام فنانين منحدرين من منطقة الريف- إلى مواصلة التعبئة المجتمعية لمناسبة أربعين الضحية خلال الشهر المقبل، ورفعوا لافتة كبيرة تضم آلاف التوقيعات المحيطة بعبارة "كلنا محسن فكري".

"تحرش أمني":

4- تزايد الجرائم الأمنية: شهدت البلدات العربية في إسرائيل احتجاجات متصاعدة بشأن حالة الانفلات الأمني، وهو ما تعبر عنه الإحصاءات المتداولة التي تشير إلى أن 60% من جرائم القتل في إسرائيل و47% من جرائم السطو المسلح تقع في أوساط العرب الذين يشكلون 20% من السكان، وقد تزايدت تحركات "عائلات الإجرام" في مختلف المدن والقرى العربية، حيث أصبح إطلاق النار أمرًا معتادًا في مساء كل يوم. ووفقًا لتقديرات الشرطة، فإن هناك عشر آلاف قطعة سلاح غير مرخصة منتشرة داخل البلدات العربية، لكنها لا تتحرك للتعامل معها. 

5- معارضة خصخصة الأراضي الوطنية: يعود احتجاج أهالي النوبة في جنوب مصر، خلال نوفمبر 2016، إلى قرار الحكومة المصرية بأن يكون جزءًا من أراضي النوبة، بينها توشكي وقرية خورقندي، ضمن مشروع الـ 1,5 مليون فدان، المقرر طرحها على المستثمرين للاستزراع. وهنا، يكمن غضبهم - الذي تمثل في قطع طرق واعتصام وتعطيل حركة السياحة والتجارة بين مصر والسودان - في رغبتهم في الحفاظ على ما بقى من أراضيهم وفقًا لرؤية بعض كوادرهم.

"الربيع الأمازيغي":

6- الاعتراف بالهوية الثقافية: على نحو ما يفعله سكان منطقة القبائل في الجزائر، إذ يحتفل أمازيغ الجزائر، في 20 إبريل من كل عام، بذكرى "الربيع الأمازيغي"، وكان آخر المسيرات الاحتجاجية التي قادها نشطاء الحركة الأمازيغية ودخلوا على أثرها في مواجهة مع قوات الأمن الجزائرية في مدينة تيزي وزو في إبريل 2016، للمطالبة بالاعتراف بالهوية الأمازيغية.

وينتج عن الاحتجاجات المناطقية في دول الإقليم جملة من التأثيرات، التي تتمثل في:

تأثيرات انتشارية:

1- امتداد عدوى الاحتجاجات للمحافظات الحدودية: تشدد الأجهزة الأمنية الإيرانية من سيطرتها على المحافظات الكردية خشية انتقال المواجهات في المناطق الحدودية مع بعض التنظيمات المسلحة التي تنطلق من إقليم كردستان العراق إلى مناطق الأقليات الأخرى، وهو ما حدث في نهاية يونيو 2016، حيث قتل عناصر من القوات الإيرانية وآخرون من المسلحين الأكراد.

تجزئة المنفصل:

2- المطالبة بالكيانات الانفصالية: تطرح بعض السيناريوهات السيئة التي تتمثل في بروز دعوات انفصالية داخل الكيانات التي تطالب بالانفصال بما يؤدي إلى انتشار العنف والفوضى في مناطق جغرافية عدة. وقد يكون النموذج اليمني هو الحالة المعبرة عن ذلك في المستقبل، لا سيما في ظل وجود سوابق في هذا السياق، حيث دعت بعض القيادات الجنوبية باليمن أو ما يطلق عليه "تكتل عصبة القوى الحضرمية"، في 20 ديسمبر 2012، إلى انفصال حضرموت عن بقية محافظات الجنوب، وهو ما يتعارض مع دعوات الحراك الجنوبي لاستعادة مناطق الجنوب.

"كتل نيران": 

3- التعرض لموجة من العمليات الإرهابية: ويظهر ذلك جليًا في التداخل بين الاحتجاجات غير المنتظمة التي تشهدها hgالشيعية في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية في القطيف والإحساء والدمام وتاروت والصفوة والعوامية، وبعض القرى الشيعية في مملكة البحرين، على نحو ما برز بوضوح بعد الحراك الثوري العربي في عام 2011. كما تسود مخاوف من تحول الحراك الاحتجاجي في القصرين في تونس إلى أعمال إرهابية تهدد أمن الدولة والمجتمع، لا سيما في ظل احتمال تسلل الإرهابيين لتلك المدينة المحاذية لجبل الشعانبي الذي تتحصن به المجموعات الإرهابية التابعة لتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وهو ما سبق أن حذرت منه المخابرات العسكرية الجزائرية.

"كومنولث شيعي":

4- التهديد الشيعي للمنطقة العربية: تشير بعض الأدبيات إلى ما يطلق عليه "الأقاليم المذهبية" أي التي تسود فيها الغلبة العددية لمذهب بعينه، لا سيما وأنها ترتبط بإقليم جغرافي بدولة مجاورة، وما قد تؤدي إليه من تطابق المطالب خاصة بالنسبة للقوى الشيعية. وفي هذا السياق، تعتبر الطائفية قوة دافعة للراديكالية التي من شأنها النيل من استقرار وتماسك دول الإقليم، إذ تحاول دولة مثل إيران التأثير فيها على نحو ما خبرته مناطق في البحرين والأردن ولبنان والعراق واليمن والجزائر وتونس والمغرب والسودان.

5- نشوء التجارة الموازية: وخاصة على طول خطوط الحدود، مثلما هو الحال بين تونس والجزائر وليبيا، نظرًا لأن المناطق الطرفية تعاني من تفاوت جهوي كبير، فتلجأ إلى النشاط الاقتصادي غير المرخص الذي يحرم الدولة من عائدات الضرائب. لذا، فإن بعض الأطراف الداخلية تسعى إلى تأجيج بؤر التوتر في المناطق الطرفية كلما استشعرت تهديدًا لمصالحها الاقتصادية المتمثلة في تهريب سلع ومخدرات وأسلحة وأموال وأفراد، وهو نمط من الاقتصاديات غير الرسمية الذي يتجاوز الاقتصاديات الرسمية من حيث الناتج المحلي الإجمالي.

6- تدويل القضايا الداخلية: حاولت بعض التيارات داخل مصر تصدير صورة سلبية عن النوبيين لدى الرأي العام المصري والترويج إلى أنهم يسعون للانفصال عن الدولة، واللجوء إلى تحريك دعوى اختصام الحكومة المصرية أمام اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان في الاتحاد الإفريقي، وهو ما نفاه النوبيون، بل سارع بعض كوادرهم إلى إصدار بيان إعلامي موحد من مختلف القبائل، أكدوا فيه أن "تلويح البعض بتدويل القضية النوبية والمتاجرة بها مرفوض لأنها قضية قومية بالأساس، ولا تهم أي طرف خارجي". وأضافوا أن "كل من يحاول اللعب بالتدويل، عليه الخروج من أرض النوبة".

آليات المواجهة: 

هناك اتجاه يرى أن اللامركزية هي المدخل الصحيح لمواجهة مشكلات الدول العربية، لا سيما في ظل التعثر الذي يواجه بقاء "هياكل" الدول وصعوبة استعادة شرعية الدولة في سياق مجتمعي متصاعد للطلب على دور الدولة، شريطة ألا يتم ذلك عبر وعود حكومية بل قرارات فعلية تضمن تنفيذ مطالب سكان المنطقة، من خلال وضع تشريع قانوني لتنمية المناطق الحدودية مثلا بل والأفضل تكريس مبدأ تحقيق التنمية المتوازنة لكل مناطق البلاد وإنجاز مشروعات تنموية جديدة في المناطق الأكثر تهميشًا. 

وتجدر الإشارة إلى السياسة السعودية الحالية في التعامل مع مشكلات المنطقة الشرقية، حيث يفتتح الملك سلمان بن عبد العزيز، في 29 نوفمبر 2016، عددًا من المشروعات التنموية والاقتصادية والصناعية الكبرى بالمنطقة الشرقية، في إطار زيارته الأولى للمنطقة منذ توليه مقاليد الحكم في يناير 2015، وتتنوع هذه المشروعات ما بين مشروعات إسكان وبنية تحتية وبتروكيماوية وطاقة، إضافة إلى تدشين مركز الملك عبدالعزيز الثقافي، بخلاف تفعيل المرحلة الثانية من تطوير المدينة الجامعية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، التي وصلت تكلفتها إلى 2,7 مليار دولار.

ويعد من أبرز المشروعات التي سوف يدشنها الملك سلمان مشروع "منيفة"، وهو أحد الحقول المغمورة في المياه السعودية شمال الجبيل على الخليج العربي، ويأتي هذا المشروع في سياق رؤية 2030 التي تؤكد في مضمونها العام على أهمية تشجيع التنقيب عن الثروات الطبيعية والاستفادة منها، لا سيما أن هناك تقديرات دولية تشير إلى أن "منيفة" يعد خامس أكبر حقول النفط في العالم. كما سيدشن الملك سلمان حقل "خريص" الذي يجاور أكبر حقل للبترول وهو حقل "الغوار"، وسيفتتح أيضًا مشروعات طبية ومجمعات للصحة النفسية. 

وربما يمكن مواجهة مشكلات الأقاليم من خلال تعزيز رأس المال الاجتماعي بين الدولة والمواطنين الذين يقطنون في تلك المناطق عبر إعادة بناء الثقة من خلال الحوار مع ممثلين لهم وبحضور وسطاء بارزين، حيث استعانت الحكومة المصرية بجهود المشير محمد حسين طنطاوي للتعامل مع احتجاجات النوبيين، للمرة الأولى منذ خروجه من منصبه في عام 2012، من خلال عقد لقاءات مع قيادات النوبة بهدف تهدئة توتر المحتجين ودراسة المطالب، فضلا عن وساطة شخصيات برلمانية، وهو ما مكن مصر من التعامل بنجاح مع مشكلة النوبيين.

ولا يمكن أيضًا تجاهل دور مؤسسات المجتمع المدني في هذا السياق، مثل الاتحاد النوبي العام في أسوان وائتلاف القبائل العربية، حيث أسهما في صياغة مطالب المتظاهرين في نقاط محددة وأبرزها أولوية أبناء النوبة ومحافظة أسوان في مشروع توشكى ضمن خطة الحكومة لاستزراع 1,5 مليون فدان، وإقرار قانون إنشاء الهيئة العليا لإعمار وتنمية النوبة القديمة، لا سيما أن المادة "236" من الدستور تنص على أن الدولة تكفل لهم، ولأبناء مناطق أخرى، وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية والعمرانية، وخصتهم المادة نفسها بأن تعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيدهم إلى مناطقهم الأصلية.

نافذة الفرصة:

ولعل تزايد اهتمام بعض الحكومات في دول الإقليم برسائل الاحتجاجات المناطقية يعبر عن خطوة في مشوار طويل، إذ أن هذه الوسيلة التي يمكن من خلالها أن يعبر المواطن عن رأيه ويرتب قائمة أولوياته، وانفجار تلك المشكلات، يدفع صانع القرار إلى الاهتمام بالمدخلات القادمة من أفراد المجتمع، وهو ما يضفي أهمية وزخمًا خاصًا على نظرية "الفرصة السياسية" التي ترى أن المحدد الحاكم لنجاح تلك الاحتجاجات يتمثل في مدى قدرة هيكل النظم الحاكمة على استيعاب حركات الاحتجاج المختلفة.

المواطنة المنقوصة:

خلاصة القول، تعبر الاحتجاجات المناطقية في دول الشرق الأوسط، في الكثير من الحالات العملية، عن عجز الثورات العربية عن القضاء على التهميش ونقص التنمية وانتشار البطالة، وهو ما يطرح إشكالية إدارة المخاطر الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز حضور الدولة في المناطق النائية، التي يقع في القلب منها أزمة المواطنة المنقوصة مع قدر لا يمكن التقليل من أهميته يتعلق بالتدخلات الإقليمية بما يؤثر على استقرار هذه الدول ووحدتها الإقليمية والتعايش بين أبنائها، وينذر بانفجارات اجتماعية مقبلة، لا أحد يعرف مساراتها.