العروض - المقالات

اليمن.. ملاحظات على جهود التسوية


الثلاثاء، 22 نوفمبر، 2016

أكتب هذا المقال في أجواء هدنة مرتبكة نتمنى لها النجاح، حرصاً على عدم سفك المزيد من دماء الشعب اليمني، ولكن هذه التمنيات لا يمكن أن تثنينا عن رد الأمور إلى أصولها، فالأصل في الصراع الدائر حالياً في اليمن أن ثمة انقلاباً على الشرعية اليمنية التي لم تكن قد اكتملت، وفقاً للمبادرة الخليجية التي جاءت بتسوية للصراع الدامي بين نظام صالح وقوى التغيير، والذي تصاعد اعتباراً من فبراير 2011، على رغم كون بداياته سبقت ذلك بكثير. وقد قامت بهذا الانقلاب جماعة الحوثي التابعة لإيران والتي ارتدت زوراً عباءة الثورة، بدليل تواطئها مع صالح الذي ثار الشعب عليه أصلاً. وبانقلاب الحوثي- صالح بدأت المأساة الراهنة في اليمن، وقد أدت إلى أن يطلب الرئيس اليمني رسمياً من مجلس التعاون الخليجي أن يتدخل لنصرة الشرعية اليمنية ففعل، باستثناء عُمان، وبالتعاون مع عدد من الدول العربية ضمن التحالف العربي. وقد حظي هذا التحرك العربي بدعم أممي حاسم وشامل تمثل في قرار مجلس الأمن رقم 2216 الذي جاء قاطعاً في إدانته لكل من صالح والحوثيين، وفرض العقوبات عليهم، وحظر توريد كل ما يتعلق بالمجهود الحربي لهم، بما في ذلك إعطاء حق التفتيش وبالذات للدول المجاورة لليمن للتأكد من عدم مخالفة هذا القرار. وبالنسبة للحل السياسي أكد القرار الأممي على الالتزام بالمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني اليمني وقرارات مجلس الأمن، فأين جهود التسوية الراهنة من هذا كله؟

منذ شهور بدأت تظهر أفكار جديدة، سواء من المبعوث الأممي، أو من وزير الخارجية الأميركي الذي يبدي اهتماماً بالصراع في اليمن لا يتناسب مع بلادة السياسة الأميركية تجاه الصراع في سوريا مثلاً، والأمر اللافت أن ثمة خيطاً يجمع بين أفكار المبعوث والوزير، وهو الانفصال عن القرار 2216 الذي يتضمن رؤية شاملة للصراع وحله تنتصر للشرعية في اليمن. ويمكن القول بأن هذا الخيط يتمثل في وقف لإطلاق النار وهو أمر موضع ترحيب تام، وكذلك عن انسحاب من صنعاء ومدن أخرى غير محددة مع تسليم الأسلحة لطرف ثالث، وهو أمر جيد بدوره، مع إشارة واجبة إلى تعقيدات هائلة متوقعة في التنفيذ، غير أن الأمر يمتد بعد ذلك إلى حديث غامض عن حكومة وحدة وطنية، مع إشارات إلى تنحي الرئيس اليمني وتسليم سلطاته إلى نائب توافقي يشكل هذه الحكومة. ولي على هذه الأفكار ملاحظتان: الأولى أنها منبتة الصلة بالقرار 2216، لأنه يشير صراحة إلى المبادرة الخليجية كمرجعية للحل، ولا تتضمن هذه المبادرة أي حديث عن حكومة وحدة وطنية، وإنما تتضمن بالإضافة للخطوات التي تمت فيما يتعلق بالرئاسة إعداد دستور جديد يطرح على الاستفتاء العام، وقد أُعد مشروع الدستور بالفعل، ولكن الاستفتاء لم يتم بسبب الانقلاب، وبالتالي فإن نص القرار 2216 وروحه يتطلب إكمال الخطوات المتبقية من المبادرة وهي الاستفتاء على الدستور، ثم إجراء الانتخابات البرلمانية وفقاً له إذا أُجيز، على أن يشكل الحكومة رئيس الحزب الفائز بأكبر عدد من الأصوات. وسيُقال بطبيعة الحال أين نحن من إجراء استفتاء أو انتخابات في هذه الظروف، وهذا صحيح، ولكن الخطوات المطروحة في الأفكار الأخيرة لا تقل تعقيداً كتسليم الأسلحة لطرف ثالث، وهو ما لم ينص عليه القرار الأممي. والملاحظة الثانية تتعلق باشتراط تنحي الرئيس اليمني، ولا مانع عندي من ذلك إذا كان في صالح الوطن، ولكن الغريب حقاً أن يكون الحديث عن تنحي الرئيس الشرعي دون أن يطول قادة الانقلاب، سواء صالح أو الحوثي.

ويعني ما سبق أن الشرعية الدولية تتراجع في اتجاه يقترب بها من الانقلابيين، وهذا خطير، ولا يمكن تفسيره إلا بأن القائمين على هذه الشرعية (الأمم المتحدة) أو المؤثرين فيها (الولايات المتحدة) يريدون ترجمة عدم الحسم العسكري إلى نتائج سياسية، وهذا خطير أيضاً، وثمة أسئلة مشروعة حول حماس الإدارة الأميركية لهذه الأفكار التي تجعل الحوثيين شريكاً في الحكم بفعل انقلابهم على الشرعية، بينما هم يمثلون النظير اليمني لـ«حزب الله» في لبنان.

*نقلا عن صحيفة الاتحاد

الكلمات المفتاحية: اليمن

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات