العروض - الدراسات

رؤية هندية:

أبعاد ودوافع التقارب الهندي ـ السعودي

Kanchi Gupta

الثلاثاء, 03 فبراير, 2015

رؤية هندية:

إعداد: أحمد عاطف

بدأت كل من الهند والمملكة العربية السعودية مرحلة جديدة من توطيد العلاقات الثنائية، لاسيما العلاقات الدفاعية، وذلك مع زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير سلمان بن عبدالعزيز (ولي العهد حينها، وأصبح ملك السعودية في يناير 2015) إلى نيودلهي في فبراير 2014، وهي أول زيارة لشخصية سعودية رفيعة المستوى إلى الهند منذ عام 2006، عندما زار حينها العاهل السعودي الملك عبدالله (رحمه الله) نيودلهي منذ 8 سنوات.

وعلى خطى الصين وباكستان وغيرها من البلدان، فإن تعميق الهند لروابطها مع المملكة العربية السعودية، يعد أمراً في منتهى الأهمية لتأمين المصالح الهندية الأوسع في المنطقة.

وقد حظي هذا الموضوع باهتمام مراكز الفكر الهندية، ومنها "مؤسسة أبحاث المراقبين" Observer Research Foundation التي نشرت تقريراً بعنوان: "الهند والسعودية.. نطاق لمزيد من التعاون الأمني"، والذي أعدته Kanchi Gupta الباحثة في المؤسسة.

تاريخ العلاقات الهندية – السعودية

تعود المصالح الهندية في مجالات الطاقة والأمن البحري بمنطقة الخليج العربي إلى القرن التاسع عشر، فقد أبرمت الحكومة البريطانية في الهند "اتفاقيات حصرية" ذات صلة بالعلاقات الدفاعية مع مشايخ الخليج. وقد أدت الاضطرابات في القرن العشرين، بما في ذلك تقسيم الهند وبداية الحرب الباردة، إلى تقييد دور نيودلهي بشدة في منطقة الخليج.

وأدت الحرب الباردة إلى توجه الهند للانحياز نحو روسيا بعيداً عن الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج. وفي الوقت نفسه أقامت السعودية علاقات قوية مع باكستان، وأضحت حليفاً مع الولايات المتحدة، وذلك على خلفية الضغط الغربي والخوف من التوسع السوفيتي.

ومع اندلاع الثورة الإيرانية في عام 1979 والغزو السوفيتي لأفغانستان، توطدت علاقات باكستان والسعودية، فكلا البلدين كان لديه مخاوف بشأن آية الله الخميني المعادي للسياسات الأمريكية، وإمكانية تأثير خطابه الديني وتصدير الثورة إلى دول الجوار. وقد برزت باكستان أيضاً كدولة داعمة للولايات المتحدة ضد السوفييت، كما تعاون الجيش الباكستاني مع الرياض التي مولت بعض البرامج العسكرية لإسلام أباد.

وقد أدت نهاية الحرب الباردة، والتحرير الاقتصادي في الهند عام 1990، إلى تعميق الشراكة الهندية والتكامل الاقتصادي مع دول الخليج التي أدركت من جانبها أهمية الإمكانات الاقتصادية للهند وقدراتها الدفاعية في المنطقة.

وقد برزت الرياض كأكبر مورد للهند من النفط الخام، ورابع أكبر شريك تجارى، فضلاً عن وجود عدد كبير من العمالة الهندية في السعودية. وبالتالي فإن الاحتياجات الهندية المتزايدة من الطاقة، والمخاوف من التطرف الديني، تعد عوامل حيوية تؤثر في الحسابات الاستراتيجية لنيودلهي تجاه المملكة.

الأهمية الجيوسياسية للعلاقات الهندية – السعودية

يشير التقرير إلى عدد من التغيرات الجيوسياسية التي جعلت من تعزيز التعاون بين نيودلهي والرياض ضرورة حتمية، وذلك نظراً للاعتبارات التالية:

1- باكستان:

يرى التقرير أن تأسيس علاقات قوية مع السعودية يمكن أن يساعد الهند على تعزيز مكانتها في المنطقة، ومواجهة النفوذ الباكستاني في العالم الإسلامي. وخلال زيارة الأمير سلمان بن عبدالعزيز إلى الهند، وقع البلدان اتفاقية للتعاون الدفاعي. وقُبيل هذه الزيارة، قام الأمير سلمان أيضاً بزيارة إلى إسلام أباد وتعهد بزيادة التعاون الثنائي في مجال الدفاع.

وفي هذا السياق أيضاً، أبرز التقرير تصريحات لوزير الخارجية الهندي سلمان خورشيد أكد خلالها أن علاقات الرياض مع نيودلهي يمكن أن تتحسن، لأن كلا البلدين اختار النظر بعيداً عن خلافاتهم السابقة، مضيفاً أنه بما أن المملكة العربية السعودية لديها علاقة صداقة وثيقة مع باكستان، كان من الصعب عليها الانحياز إلى أي من الجانبين الهندي أو الباكستاني في الصراع بينهما.

كما تأثرت العلاقات بين الهند والسعودية بإرث العلاقات العسكرية الوثيقة بين إسلام أباد والرياض، فعلى سبيل المثال ساعدت باكستان القوات الجوية السعودية في بناء طائرات مقاتلة عام 1960، فيما قدمت المملكة بدورها الدعم العسكري لباكستان خلال حرب 1971 مع الهند، كما وعدت الرياض أيضاً بتوفير الدعم الاقتصادي والدبلوماسي لإسلام أباد عندما أجرت الأخيرة تجاربها النووية في عام 1998 رداً على الاختبارات الهندية النووية. وعلاوة على ذلك، كانت الرياض تميل إلى مواقف باكستان والجماعات المسلحة في كشمير ضد الهند في الصراع على إقليم كشمير، على حد زعم التقرير. لكن الآن تدعم الرياض تحسن العلاقات بين الهند وباكستان، وهو ما أكد عليه الأمير سلمان، معرباً عن أمل بلاده في إيجاد حل سلمي للنزاع في كشمير وفقاً لقرارات الأمم المتحدة.

2- الإرهاب:

أشارت Kanchi إلى أن الهند تتعرض لإرهاب عبر الحدود، ترعاه بعض الجماعات الباكستانية، وهو ما يتطلب المزيد من التعاون بين نيودلهي والرياض في مجال مكافحة الإرهاب. وبالنظر إلى "الإرهاب الجهادي" الذي يهدد استقرار كل من السعودية والهند، فقد وقع البلدان مذكرة تفاهم حول مكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة عبر الحدود.

وفي عام 2012، قامت الرياض بترحيل الإرهابي "سيد أنصاري" المتهم بالتورط في هجمات مومباي الإرهابية عام 2008، بما لا يعكس فقط التعاون عالي المستوى بين نيودلهي والرياض في مكافحة الإرهاب، ولكن أيضاً يُعد مثالاً للجهود السعودية لموازنة علاقاتها مع الهند وباكستان.

ويسلط التقرير الضوء على خطر تنظيم "داعش" على كل من السعودية والهند، مشيراً إلى أن الرياض تواجه تهديد صعود "داعش" الذي لديه مئات المقاتلين السعوديين بين صفوفه. ومن ناحية أخرى فقد تحول هنود إلى متطرفين على يد "داعش" عبر شبكة الإنترنت، ودفع ذلك أجهزة الاستخبارات الهندية والسعودية إلى مناقشة سبل منع مواطني الدولتين من الانضمام إلى تنظيم "داعش".

3- الصين:

برزت المملكة العربية السعودية باعتبارها ساحة جديدة للمنافسة بين نيودلهي وبكين. فإضافة إلى التنافس على موارد الطاقة، فإن السياسة الإقليمية للهند تتأثر بالنفوذ الأمني المتنامي للصين في منطقة الخليج. وتبرز Kanchi في هذا الشأن زيارة الأمير سلمان إلى بكين في مارس 2014 وتعهده بتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين السعودية والصين، وقوله: "الصين قوة دولية كبرى ذات ثقل سياسي واقتصادي، وتلعب دوراً بارزاً في تحقيق السلام والأمن بالمنطقة، وبلاده تتطلع إلى مزيد من التعاون مع الصين لتحقيق حل سلمي عاجل للأزمة السورية".

ويشير التقرير إلى أنه على مر السنوات الماضية، وسعت السعودية والصين من علاقاتهما العسكرية والاقتصادية. ففي نوفمبر 2010 وصلت مرافقة أسطول البحرية الصينية إلى ميناء جدة في زيارة هي الأولى من نوعها، وكان ذلك بمثابة إشارة واضحة على النشاط البحري للصين، ومحاولة لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين. كما أنه في ثمانينيات القرن الماضي باعت الصين صواريخ نووية للمملكة، كما أشارت بعض التقارير الإخبارية أيضاً إلى أن الرياض تدرس شراء مقاتلات تنتجها الصين وباكستان.

4- إيران:

تزامنت زيارة الأمير سلمان إلى الهند مع زيارة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف الذي كان في نيودلهي بهدف "إحياء العلاقات"، ومناقشة قضايا ذات أهمية لكلا البلدين، مثل التطورات في أفغانستان، والتطرف في المنطقة، والعلاقات التجارية والاقتصادية بما في ذلك صادرات إيران من النفط الخام إلى الهند.

وتؤكد Kanchi أن إيران تعد مصدراً مهماً للنفط والغاز الطبيعي، وكذلك عنصراً حاسماً في الحسابات الاستراتيجية للهند، نظراً إلى قُربها الجغرافي من باكستان وأفغانستان، كما أن إيران يُمكنها توفير ممر تجاري إلى آسيا الوسطى. وعلاوة على ذلك فقد اتفقت نيودلهي وطهران على الاستثمار في تطوير ميناء شاباهار الذي يربط أفغانستان مع آسيا الوسطى. ورغم ذلك فإن الشراكة الاستراتيجية بين الهند وإيران ستظل مصدراً للقلق بالنسبة للمملكة العربية السعودية.

5- الولايات المتحدة:

أرجعت  Kanchi رغبة السعودية في تنويع شركائها الأمنيين، إلى خلافاتها الأخيرة مع السياسة الأمريكية بشأن الحرب الأهلية في سوريا، فضلاً عن مفاوضات واشنطن مع طهران حول برنامجها النووي، مما أثار قلق الرياض من أن تلبي الولايات المتحدة بعض المطالب والشروط الإيرانية التي قد تشكل خطراً على المصالح السعودية. وقد عكس هذه المخاوف السفير السعودي لدى بريطانيا محمد بن نواف آل سعود عدما صرح بأن "سياسات الغرب نحو كل من إيران وسوريا تهدد الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط".

المنظور السعودي للعلاقات مع الهند

أشارت الدراسة إلى أن السعودية حاولت تعويض التحولات في موازين القوى بالمنطقة من خلال تعزيز الجهود الرامية إلى المزيد من التكامل بين دول مجلس التعاون الخليجي، بيد أنها واجهت بعض العقبات في هذا الصدد منها رفض عُمَان اقتراح "اتحاد دول مجلس التعاون الخليجي"، فضلاً عن توتر العلاقات بين الرياض والدوحة.

وقد فاقمت الخلافات السعودية - القطرية أيضاً من حدة الاضطرابات السياسية في المنطقة، حيث نقل الدراسة عن "ميشيل دن" خبيرة الشرق الأوسط بمركز كارنيجي للسلام الدولي، أنه "بالنظر إلى الأحداث في كل من سوريا والعراق وغزة وليبيا، نجد أن ثمة استقطاباً إقليمياً، فهناك السعودية والإمارات في جانب، وقطر وتركيا على جانب آخر، مما شكل عائقاً أمام الجهود الدولية لحل أي من هذه الأزمات".

وهكذا، فإن السياق الإقليمي، وما يتسم به من (التحالفات المتغيرة، والاستقطاب الطائفي، وتزايد تهديد تنظيمات مثل داعش)، فرض على السعودية عدداً من التحديات الداخلية والإقليمية؛ فقد أدت الثورات العربية التي بدأت عام 2011 إلى تزايد مطالب الشيعة في المملكة، وقد تم التعامل مع هذا التهديد من منظور المنافسة الجيوستراتيجية مع إيران. وعلاوة على ذلك، فإن ثمة تحديات تواجه النفوذ السعودي بالمنطقة مثل الدعم الإيراني لنظام الأسد في سوريا، ووجود حكومة يقودها الشيعة في بغداد، فضلاَ عن التمرد الحوثي في اليمن. ومن ثم فإن السعودية تسعى إلى تقوية روابطها مع الهند لمواجهة نفوذ إيران بالمنطقة.

التعاون الدفاعي الهندي – السعودي

عمَّقت الهند والسعودية من علاقاتهما في المجال الدفاعي، حيث حدثت زيارات متبادلة رفيعة المستوى بين المؤسسات العسكرية للبلدين بعد زيارة الملك عبد الله للهند في عام 2006، وهناك محادثات جارية لتطوير العلاقات في مجال التعاون البحري عن طريق إجراء مناورات بحرية وعسكرية مشتركة.

وقد تم التوقيع على اتفاقية للتعاون الدفاعي بين الهند والسعودية في فبراير 2014 خلال زيارة الأمير سلمان إلى نيودلهي، إذ سعت مذكرة التفاهم لتعزيز التعاون في مجال الدفاع من خلال تبادل الخبرات المتعلقة بالدفاع والتدريب، وكذلك في مجالات العلوم والتكنولوجيا.

وأوضح التقرير أنه خلال السنوات الأخيرة، تجاوز التعاون الدفاعي نطاق عمليات مكافحة القرصنة، ليشمل التدريب والمساعدة التقنية وتبادل المعدات العسكرية. وقد وسَّع "إعلان دلهي" الذي تم توقيعه في 2006 خلال زيارة الملك عبد الله إلى الهند، نطاق التعاون في جميع المجالات ذات الفائدة المتبادلة، ليشمل مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال والمخدرات وتهريب الأسلحة، وأكد الجانبان التزامهما بالحفاظ على السلام الدولي والاستقرار وتسوية النزاعات العالقة في العالم من خلال الوسائل السلمية.

كما تطرق التقرير إلى الزيارة المهمة لرئيس الوزراء الأسبق مانموهان سينغ إلى الرياض عام 2010 والتي تم خلالها التوقيع على "إعلان الرياض" الذي أدى إلى تعميق التعاون بين البلدين في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية والدفاع.

وبالإضافة إلى ما سبق، فقد وضعت زيارة وزير الدفاع الهندي "إيه. كي. أنتوني" إلى الرياض عام 2012، الأساس لاتفاقية دفاعية على نطاق واسع بين البلدين، حيث أسفرت هذه الزيارة عن تشكيل لجنة مشتركة للتعاون الدفاعي، والتي وضعت خارطة الطريق للاتفاقية الثنائية.

خلاصة التقرير، يُعد تعزيز العلاقات بين الهند والمملكة العربية السعودية مسألة حيوية لكلا البلدين. فمن وجهة نظر السعوديين، أصبح مهماً توجيه نيودلهي بعيداً عن إقامة علاقة وثيقة مع طهران، وقد تعزز ذلك التوجه في السنوات الأخيرة مع تغير الظروف الإقليمية والتخوف من الانتشار الشيعي في عدد من البلدان. ومن وجهة النظر الهندية، فإن إقامة شراكة مع حليف إقليمي قوي مثل السعودية أضحى ضرورياً لمواجهة نفوذ إسلام أباد في المنطقة.

* عرض مُوجز لتقرير نشر تحت عنوان: "الهند والسعودية.. نطاق لمزيد من التعاون الأمني"، الصادر عن " مؤسسة أبحاث المراقبين" نوفمبر 2014، وهي مركز فكر مستقل مقره الهند.

المصدر:

Kanchi Gupta, India and Saudi Arabia: The Scope for Greater Security Cooperation (New Delhi, Observer Research Foundation, November 2014)

الكلمات المفتاحية: الخليجالسعوديةالهند