التقديرات

"الأرض المحروقة":

إشكاليات إعادة إعمار المدن المحررة من تنظيم "داعش"

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 02 نوفمبر, 2016

"الأرض المحروقة":

استخدم تنظيم "داعش" التدمير المتعمد للبنية التحتية للمدن العراقية والسورية كآلية شديدة التأثير إما لمضاعفة الخسائر الاقتصادية والسياسية لخصومه من القوات العراقية وقوات النظام السوري والميليشيات الحليفة لها، أو كوسيلة دفاعية لمنع تقدمها ولتحقيق انتصارات ميدانية في مواجهتها أثناء تحرير المدن العراقية والسورية. 

وفي هذا الصدد، كشفت معارك تحرير مدن تدمر السورية والرمادي والأنبار والموصل العراقية (التي تجري في الوقت الحالي) عن قيام التنظيم باتباع ما يعرف بسياسة "الأرض المحروقة"، حيث استهدف تدمير الأصول الاقتصادية بشكل ممنهج سواء آبار النفط، أو المطارات والقواعد العسكرية، أو الأبنية السكنية وغيرها. 

وهذه السياسة من شأنها أن تحقق هدفين رئيسيين للتنظيم: أولهما، تأجيل حسم المعركة لصالح القوات العراقية والسورية ضد التنظيم وبما يسمح للأخير، على أقل تقدير، بتوظيفها كغطاء آمن لانسحابه. وثانيهما، مضاعفة الخسائر الاقتصادية التي يتكبدها خصومه.

لكن التداعيات المترتبة على هذه السياسة قد تفرض، من ناحية أخرى، آثارًا سلبية مستقبلية على مختلف الأصعدة الأمنية والمالية والبيئية، وبما يعرقل إعادة عمليات إعمار المدن المحررة من "داعش"، ويُنذر في الوقت نفسه بصعوبات بالغة في إعادة دمج السكان النازحين داخل الأراضي المحررة. 

نماذج متعددة:

وتتمثل أبرز النماذج التي سعى التنظيم إلى تطبيق سياسة "الأرض المحروقة" عليها في:

1-  آبار النفط والغاز: يمثل استهداف المنشآت النفطية وتدميرها قبل فقدان السيطرة عليها أكثر النماذج وضوحًا في اتباع التنظيم سياسة "الأرض المحروقة"، وهو ما بدا جليًا في غضون عامي 2015 و2016 عندما قام التنظيم بتفجير عدد من آبار الغاز الطبيعي بحقل شاعر غرب مدينة تدمر السورية بالإضافة لحرق محطة الغاز الرئيسية المرتبطة بالحقل، وذلك بعدما اقتربت قوات النظام السوري من اقتحام المدينة. وفي اتجاه مماثل، قام التنظيم أيضًا بإضرام النيران في 11 بئرًا في حقل القيارة النفطي جنوب الموصل في أغسطس 2016 قبل تحريرها. 

ويسعى التنظيم من خلال ذلك إلى تحقيق هدفين: يتصل أولهما، بتفادي المراقبة الجوية عبر إطلاق الأدخنة الكثيفة الناتجة عن حرق النفط. وينصرف ثانيهما، إلى منع خصومه من الاستفادة من عوائد هذه الآبار، حيث إن إحراقها قد يطيل عملية إعادة تأهيلها لشهور عديدة. ومن أجل ضمان النتائج نفسها، عمد التنظيم لإشعال النيران بعدد من الآبار النفطية المتبقية تحت سيطرته بمعركة الموصل الجارية حتى الآن لتحرير المدينة. 

2-  الأراضي الزراعية: تعمد التنظيم تدمير الأراضي الزراعية وتجريفها في محافظتي كركوك ونينوى العراقيتين، عندما أشعل النيران بها قبل الانسحاب منها. وفي الوقت نفسه، استخدم التنظيم السدود الواقعة على نهر الفرات والتي كان يسيطر عليها في عام 2014 لإغراق عدد من الأراضي الزراعية بالمياه. وبالمثل قام التنظيم بحرق الأراضي الزراعية ومنازل المدنيين على أطراف قرية البل بريف مدينة حلب السورية بعد هزيمته فيها في يونيو 2015.

3-  الأبنية المختلفة: أسفرت المواجهات المسلحة بمناطق نفوذ "داعش" بالعراق وسوريا عن تدمير واسع للمنشآت على مختلف طبيعتها. ففي الرمادي وضواحيها، وهي إحدى المدن العراقية المحررة في عام 2016، تم رصد نحو 5700 مبنى تكبدت مستويات مختلفة من الضرر منذ منتصف عام 2014، منها ما يقرب من 2000 مبنى تعرضت لدمار كلي بحسب ما كشفت الأمم المتحدة. أما مدينة تكريت المحررة أيضًا، فتشير التقديرات إلى أن التنظيم دمر نصف المباني الحكومية بها قبل تحريرها في مارس 2015.

وبخلاف استهداف المنشآت السكنية أو الحكومية العراقية، فعلى على ما يبدو فإن التنظيم يندفع حاليًا نحو تدمير المباني التي اتخذها كمقار لأنشطته المالية والإدارية في المدن العراقية من أجل تقويض أية جهود محلية أو دولية لجمع أدلة مادية ينتج عنها توفير معلومات حول التنظيم، وهو ما يمكن أن يفسر أسباب قيام التنظيم مؤخرًا بتدمير فندق "نينوى أوبرى"، الذي اتخذه مقرًا للقيادة منذ عام 2014. 

4-  المنشآت العسكرية: بالإضافة إلى استهداف المنشآت المدنية، عمل تنظيم "داعش" على تخريب المنشآت العسكرية التي استولى عليها منذ عام 2014. وتتمثل إحدى أهم هذه المنشآت التي تضررت في قاعدة القيارة الجوية التي أظهرت تقديرات عسكرية عراقية تعرضها لدمار كبير بعد سيطرة القوات العراقية عليها في أغسطس 2016. 

5-  زراعة الألغام: توسع "داعش" في تنفيذ تكتيكات عسكرية تتضمن زراعة الألغام الأرضية لمنع تقدم خصومه. وتكمن خطورة انتشار هذه الألغام في تهديد الأرواح البشرية في المنطقة، وإعاقة جهود الإعمار والتنمية في حالة عدم إزالتها بالكامل. 

وعلى طول مدينة تدمر السورية، التي طرد منها "داعش" في مارس 2016، تمت زراعة نحو 3 آلاف لغم أرضي حسبما أشار جيش النظام السوري. وكمثال آخر في سوريا، تشير بعض الشواهد إلى زرع الألغام وانتشارها بشكل عشوائي  في ريف حلب، سواء في الأراضي الزراعية أو في الطرق المختلفة، مما جعل بعض تلك الأراضي غير صالحة للزراعة. أما بالنسبة للأراضي العراقية، فربما ترتبط إحدى العقبات الرئيسية في تقدم القوات العراقية، بالتنسيق مع التحالف الدولي، نحو استعادة المدينة، بالانتشار العشوائي للألغام بالمدينة والقرى المجاورة لها. 

تحديات مختلفة: 

تفرض العوامل السابقة أعباءً إضافية في سبيل إعادة إعمار المدن العراقية والسورية المحررة من سيطرة تنظيم "داعش"، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي: 

1-  توفير الأمن: من دون شك فإن سياسة "الأرض المحروقة" ربما تعوق، بدرجة محدودة، تقدم القوات العسكرية المواجهة لـ"داعش" على المدى القصير، بينما في الأجل الطويل سيتطلب الأمر جهودًا مضنية لاستعادة وتحقيق الاستقرار الأمني قبل بدء مرحلة إعادة الإعمار.

فلا خلاف على أن الفراغ التنموي والسكاني الماثل حاليًا في المدن العراقية والسورية المحررة حديثًا قد يمثل فرصة لانتشار البؤر والجيوب الإرهابية مجددًا. وكما ينتظر أن تنجح الجهود الدولية في طرد مقاتلي التنظيم من العراق وإزاحته نحو سوريا، فقد يصاحب إعادة تمركز مقاتلي التنظيم بسوريا تهديدات أمنية مباشرة للأراضي العراقية المجاورة عبر الهجمات الخاطفة والعمليات التفجيرية الواسعة والألغام المزروعة التي يتكلف إزالة الواحد منها نحو 1000 دولار بحد أقصى أي بما يعادل 13 مرة من تكلفة إنتاجها حسب بعض التقديرات. 

ويضاف إلى السابق، أن طرد التنظيم ربما لن يكون كافيًا لإعادة الاستقرار الأمني والسياسي بهذه المناطق دون التأسيس لنظام تشاركي للحكم يقوم على تمثيل الجماعات الدينية والعرقية المختلفة مثل العرب والأكراد والأيزيديين والتركمان وغيرها. 

2-  حشد التمويل: تفرض سياسة "الأرض المحروقة" أعباءً مالية إضافية على الاقتصاد المتردي بكل من سوريا والعراق، من أجل توفير المخصصات المالية اللازمة لإعادة تأهيل المدن المحررة. وحتى الآن، تشير التقديرات العراقية إلى أن تكلفة إعادة إعمار المدن العراقية المحررة من "داعش" تبلغ نحو 40 مليار دولار، قد يضاف إليها لاحقًا التقديرات الخاصة بمحافظة نينوى. وهذه المبالغ لم يتلق منها الجانب العراقي حتى الآن سوى 2.2 مليار دولار. أما على الجانب السوري، فبطبيعة الحال تتضاعف تكلفة إعادة الإعمار التي قدرت من قبل الأمم المتحدة بنحو 180 مليار دولار حتى الآن.

وبالرغم من البوادر الإيجابية التي أبدتها بعض القوى والمؤسسات الدولية للمشاركة في جهود إعادة إعمار المدن المحررة من "داعش"، لكن على ما يبدو فإن الصعوبات الاقتصادية التي تواجه الاقتصادات الكبرى والإقليمية على حد سواء، قد تعرقل، بشكل نسبي، تدفق الأموال اللازمة لعمليات إعادة الإعمار. 

3-  التعامل مع المشاكل البيئية: تقتضي تلك السياسة التعامل مع الخسائر البيئية، حيث أدى التدمير العمدي للمدن إلى حدوث تلوث واسع للمجال الجوي والمائي بالعراق وسوريا وهو أمر من شأنه أن يخل بالتوازن البيئي بكليهما ويلحق أضرارًا صحية بالسكان. 

فكما أعلنت منظمة الأمم المتحدة في أواخر أكتوبر 2016، فقد تم تسجيل أضرار بيئية خلال عملية استعادة الموصل، حيث تسبب إشعال التنظيم للنار في جزء من معمل الكبريت بالمشراق واستمرار اشتعال 19 بئرًا نفطية قرب الموصل حتى الآن في إطلاق غازات سامة بالهواء مثل ثاني أكسيد الكبريت وكبريتيد الهيدروجين. 

ويضاف إلى السابق هجمات لـ"داعش" باستخدام غاز الخردل بمحافظة حلب في أغسطس 2015، كانت لها أضرار بيئية وصحية واسعة حسبما أشارت النتائج التي توصلت إليها لجنة "آلية التحقيق المشتركة" التابعة للأمم المتحدة والمشكلة بقرار 2235 من مجلس الأمن عام 2015. 

وفي هذا السياق أيضًا، فقد تسبب إقدام تنظيم "داعش" على ضخ كميات من النفط من حقل القيارة من أجل تدمير الجسر العسكري العائم بنهر دجلة، الذي أنشأه الجيش العراقي عليه، في حدوث تلوث واسع بمجرى النهر. 

4-  إعادة إدماج السكان: بطبيعة الحال، أدى تصاعد حدة الصراع مع التنظيمات الإرهابية مثل "داعش" إلى نزوج عدد كبير من السكان بجانب تزايد عدد اللاجئين بالخارج. وطبقًا لتقديرات الأمم المتحدة، فقد وصل عدد النازحين في الداخل السوري بنهاية عام 2015 إلى 6.6 مليون نازح، في حين بلغ عدد النازحين بالعراق نحو 4.4 مليون نازح، ومن المرجح أن تتزايد هذه الأرقام بعد معركة الموصل، حيث تتوقع الأمم المتحدة نزوح مليون شخص من أصل 1.5 مليون من مدينة الموصل فقط بسبب عملية تحريرها.  

ومن ثم وبناءً على المعضلات المذكورة سابقًا، فقد تواجه الحكومتان السورية والعراقية صعوبات جمة في سبيل عمليات إعادة إدماج السكان مرة أخرى في بيئة لا زالت تتسم بالهشاشة الأمنية والاقتصادية والسياسية. وعلى أقل تقدير، فإن الحكومتين بحاجة لتأمين الخدمات الأساسية المطلوبة بشكل عاجل في تلك المناطق بالمدن المحررة والأكثر تماسكًا من الناحية الأمنية والاقتصادية. 

وختامًا، يمكن القول إن سياسة "الأرض المحروقة" التي تبناها التنظيم قد تعرقل، بدرجة ما، عمليات إعادة الإعمار في كل من سوريا والعراق، وبما قد يخلق بالتبعية بيئة مواتية لاستعادة التنظيم لنفوذه في بعض المناطق التي فقدها في العام الجاري، وهو ما يفرض على القوى المعنية بالحرب ضد "داعش" المسارعة في احتواء التداعيات السلبية التي أنتجها التدمير المتعمد للبنية التحتية في المناطق التي سيطر عليها "داعش" من أجل تحصينها من خطر عودة التنظيم من جديد.