التحليلات - التحولات الاقتصادية

بناء الثقة:

حدود فعالية "خفض نفقات الوزراء" في تجارب التقشف الحكومي

باسم راشد

الأربعاء, 19 أكتوبر, 2016

بناء الثقة:

سعت بعض الحكومات العربية والغربية إلى اتخاذ العديد من الإجراءات التقشفية التي من شأنها تخفيض العجز في الموازنات الحكومية ومواجهة تراجع الأوضاع الاقتصادية بها. وكان من بين هذه الإجراءات، خفض أو الحد من نفقات الوزراء والمسؤولين الرسميين في دول مثل اليونان وإسبانيا والبرازيل وفرنسا وتونس والجزائر، ومؤخراً المملكة العربية السعودية.

وتختلف كل دولة في حجم التخفيض الذي تُقرِّه على وزرائها ومسؤوليها طبقاً لميزانية الأجور والمرتبات والنفقات في الدولة، بيد أن الطريقة الأفضل لخفض النفقات ترتبط بالسعي لتحقيق نمو اقتصادي إيجابي وترشيد الإنفاق الحكومي على المدى الطويل، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة التهديدات الأمنية والاقتصادية التي تؤثر على فعالية الإجراءات الاقتصادية التي تتخذها الدولة.

تجارب متنوعة

تتعدد الأسباب التي تدفع الحكومات لاتخاذ الإجراءات التقشفية، وهو ما يستتبعه بالضرورة التنوع في طبيعة هذه الإجراءات وحجمها باختلاف كل دولة والتحديات التي تواجهها، بيد أن الدافع المشترك لجميعها يتمثل في السعي إلى الحد من العجز في موازناتها العامة. ومن أبرز تجارب الدول في هذا الشأن ما يلي:

1- اليونان: في أعقاب أزمة الديون الحكومية التي ضربت الاقتصاد اليوناني في أبريل 2010، كشف رئيس الوزراء اليوناني أنتونيس ساماراس، في أول اجتماع لحكومته في يونيو 2012، عن حزمة من القرارات الحاسمة التي تقود إلى خفض النفقات وإرضاء الطبقات الفقيرة في الشعب، حيث أعلن عن تخفيض مرتبات أعضاء الحكومة بنسبة 30%، وأيضاً تخفيض عدد السيارات الموضوعة تحت تصرف الوزراء والمسؤولين الحكوميين بشكل عام. كما أعلن ساماراس عن خفض الدعم المُقدم من الدولة للأحزاب السياسية بنسبة 20%، وذلك بهدف تقليل النفقات لسد عجز الموازنة الكبير واستعادة الثقة بين المواطنين والحكومة.

2- البرازيل: قبيل الإطاحة بها من منصبها في نهاية أغسطس 2016، وفي إطار سعيها لمواجهة الاتهامات التي وُجهت لها بـ"التلاعب بالحسابات العامة لإخفاء حجم العجز الاقتصادي الفعلي"، قامت رئيسة البرازيل ديلما روسيف بتقليص نفقات 8 وزارات في حكومتها وثلاثة آلاف عامل في إشارة إلى الإجراءات التقشفية الإصلاحية التي تتخذها، كما أنها قلَّصت راتبها الشخصي ورواتب نائب الرئيس وبعض القادة بنسبة 10%، وأكدت أنها ستستبعد 20% من نفقات حكومتها.

بيد أن تلك الإجراءات لم تفلح روسيف في الحفاظ على منصبها، وقام مجلس الشيوخ بعزلها بعد أن صوت 61 سيناتوراً من أصل 81 من أجل إقالتها، وتم تسليم السلطة مكانها لنائبها "ميشال تامر" من يمين الوسط، الذي يدير البلاد حالياً حتى عام 2018.

3- فرنسا: بعد تولي الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الحكم في مايو 2012، قررت الحكومة الفرنسية في أول اجتماع لها تقليص رواتب هولاند والوزراء بنسبة 30%. كما وقَّع الوزراء على ميثاق شرف وعدوا فيه بتقليص نفقات تسيير وزاراتهم بما في ذلك استخدام القطار بدل الطائرة إذا كانت الرحلة لا تتطلب السفر جواً. 

وبعد التعديلات، بات راتب هولاند الشهري 14910 يورو قبل الضرائب والضمان الاجتماعي، بدلاً من 21300 يورو، ويتقاضى رئيس الوزراء راتباً مماثلاً لرئيس الجمهورية. وأصبحت رواتب الأعضاء الآخرين في الحكومة 9940 يورو بدلاً من 14200 يورو في عهد الرئيس السابق ساركوزي.

4- المملكة العربية السعودية: أصدر مجلس الوزراء السعودي، يوم 26 سبتمبر 2016، أوامر ملكية تقضي بخفض رواتب الوزراء بنحو 20%، بالإضافة إلى تخفيض قيمة المكافأة والإعانات الممنوحة لأعضاء مجلس الشورى لأغراض السكن والتأثيث بنسبة 15%، علاوة على تخفيضات أخرى تطال المبالغ الممنوحة للأعضاء لشراء السيارات، وتكاليف قيادتها وصيانتها وما تستهلكه من وقود.

وتزامنت تلك القرارات مع تراجع أسعار النفط بشكل غير مسبوق، بما أثَّر سلباً على اقتصاد المملكة، فضلاً عن أنها تأتي في إطار "رؤية 2030" التي أعلنت عنها السعودية في وقت سابق من العام الحالي بشأن تحويل اقتصاد المملكة إلى اقتصاد استثماري عالمي، لا يكون النفط محركه الوحيد.

5- تونس: في إطار التضامن مع بلاده التي تعيش وضعاً اقتصادياً صعباً، قرر رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، في سبتمبر 2016، تخفيض المنح والامتيازات المُخوّلة لأعضاء الحكومة بنسبة 30% من مقدار المبلغ الشهري الذي يتقاضونه، كما ينص القرار على خفض بنسبة 20% من حصة وقود السيارات الشهرية التي يحصل عليها أعضاء الحكومة. ويمثل هذا التخفيض في المنح والامتيازات ما قيمته ألف دينار شهرياً (454 دولاراً).

ومن المتوقع في مرحلة لاحقة أن تنسحب هذه القرارات على أعضاء البرلمان التونسي أيضاً، وذلك لمواجهة ضعف الأداء الاقتصادي في الفترة الأخيرة نتيجة لتراجع السياحة التونسية بعد الأحداث الإرهابية المتكررة.

تحديات مختلفة

تواجه قرارات الحد من نفقات الوزراء عدداً من التحديات المختلفة، التي يجب أخذها في الاعتبار إذا ما أُريد لهذه القرارات أن تؤتي ثمارها. وتتمثل هذه التحديات فيما يلي: 

1- السياق الاقتصادي والسياسي والأمني الذي تمر به الدولة؛ والذي من شأنه أن يساهم في إظهار النتائج الملموسة لتطبيق قرارات خفض نفقات الوزراء من عدمه. فعلى سبيل المثال، على الرغم من أن القرارات التي اتخذها الرئيس الفرنسي هولاند منذ توليه السلطة بشأن تخفيض الرواتب، فإنها لم تسهم في تقليل الدين العام الفرنسي والذي وصل إلى 96.2% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2015 بعد أن كان 80% قبيل تولي هولاند السلطة.

ويُعزى استمرار تزايد الدين العام الفرنسي إلى طبيعة التطورات التي شهدتها القارة الأوروبية والأعمال الإرهابية التي مُنيت بها فرنسا على وجه التحديد في السنوات القليلة الماضية، ناهيك عن استغلال تلك الأحداث من جانب اليمين المتطرف في فرنسا لتوجيه انتقادات للحكومة، الأمر الذي أثر سلباً على مناخ الاستثمار في البلاد.

ينطبق الأمر نفسه على تونس، خاصةً في ظل تراجع السياحة بشكل كبير في الفترة الأخيرة بعد العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد، والتي ساهمت هي الأخرى في هروب بعض المستثمرين وتباطؤ معدلات النمو الاقتصادي. 

ومن ثم، لا تعدو سياسة خفض النفقات الخاصة بالوزراء والمسؤولين سوى خطوة بسيطة من استراتيجية إصلاحية كبيرة تعتمد على تخفيض الإنفاق الحكومي بشكل عام، وتظل مرهونة بالأساس بالاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني في الدولة، حتى يصبح لها تأثير ملموس على تقليل عجز الموازنة.

2- مدى ارتباط الحد من نفقات الوزراء بأهداف محددة ورؤية إصلاحية وجدول زمني واضح؛ بما يدحض المزاعم التي تُثار بشأن غياب الرؤية الاقتصادية.

3- تحدي عدم كفاية المعلومات عن أوجة صرف نفقات الوزارات؛ إذ لا تحقق قرارات خفض نفقات الوزراء والمسؤولين أي نتائج ملموسة طالما لم تكن هناك كفاية في المعلومات التي توفرها الموازنة ذاتها حيال أوجه صرف المخصصات، ما يجعل الأمر صعباً بالنسبة لمراقبة تنفيذ سياسات خفض النفقات بصورة فعَّالة، وبالتالي يضعف من تأثير تلك القرارات على تقليل عجز الموازنة العامة.

4- تحدي المحاسبة والشفافية في إعلان نتائج قرارات خفض نفقات الوزراء والمسؤولين؛ حيث يساهم الإعلان الحكومي المستمر عن نتائج هذه القرارات وما ساهمت في تحقيقه، في ظل التحديات الأخرى، في تعزيز الاستمرار في تنفيذ مزيد من الإجراءات الإصلاحية الأخرى وفي تقبل المواطنين لها. 

إجمالاً، يمكن القول إن تأثير الحد من نفقات الوزراء والمسؤولين يكون مرتبطاً بالظروف الأخرى السائدة في الدول، ويتعين أن تصاحب هذا الإجراء قرارات اقتصادية أخرى مُكملة، لأنه لا يؤتي ثماره بشكل منفرد. ومن ناحية أخرى، فإن قرارات خفض نفقات الوزراء والمسؤولين تحقق هدفاً سياسياً في ظل الإجراءات الإصلاحية التي تتخذها الدول، حيث إنها تساهم في سد فجوة الثقة بين الحكومة والمواطنين، بحيث تُزيد هذه القرارات من إيمان المواطنين بأن الحكومة تعمل للصالح العام ولا يسعى وزراؤها لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة للدولة والمواطنين.