التحليلات - التغيرات السياسية

الأزمة السورية نموذجاً:

الداخل التركي والدور الخارجي بعد فشل الانقلاب

رستم محمود

الأحد, 17 يوليو, 2016

الأزمة السورية نموذجاً:

في اجتماع البرلمان التُركي في اليوم الذي تلى ليلة الانقلاب الفاشل، لم تُجمع الأحزاب التُركية الأربعة الرئيسية إلا على البيان المُشترك "الأدبي" المُندد بالانقلابات العسكرية؛ بينما اختلف قادة هذه الأحزاب أثناء إلقاء كلِماتهم الحزبية في تفسيرهم للأسباب التي أدت لأن تصل البِلاد إلى حالة "تُغري" بعض القادة وقِطاعات الجيش بالانقلاب على السُلطة الشرعية. إذ شدد زعيم حزب الشعب الجمهوري "الأتاتوركي" على أن الشيء الذي حمى البِلاد من الانقلاب هو هذا التعدد والتآلف والرفض من قِبل جميع القطاعات الشعبية ومُمثليهم السياسيين /الحزبيين في البرلمان، موضحاً أن النِظام البرلماني هو ما يناسب تُركيا تماماً، مُنتقداً مسعى الرئيس أردوغان إلى تحويل النِظام السياسي الحالي إلى الرئاسي.

فيما أكد نائب رئيس حزب الشعوب الديمقراطية "الكردي" إدريس بالوكين أن الخِطاب القومي والتحريضي للحزب الحاكم بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ومحاولته التفرد بقرارات البلاد وتهميش الملفات السياسية الحيوية، هي من حولت البِلاد لأن تكون جاهزة لمثل هؤلاء المُغامرين. بينما دافع رئيس الوزراء وزعيم حزب العدالة والتنمية بن علي يلدريم عن "تمثيل الشرعية" لإرادة الشعب، والحُكم عبرها، مُشيراً إلى أن ذلك الشيء هو جوهر سياسة حزبه.

من خلال ذلك، يُمكن الاستدلال على أن حدوث محاولة الانقلاب وفشلها بات أحد العوامل في التخاصم السياسي الداخلي التُركي، بين مُختلف الجهات، وأنه سيشكل مادة مُستقبلية للمزيد من المداولة والتدافع فيما بينها. لكنها بالأساس ستُشكلُ مؤثراً مركزياً على ملفات رئيسة مترابطة بهذا الحدث الاستثنائي.

الملفات الداخلية التركية بعد فشل الانقلاب

مثل كُل الانقلابات التقليدية السابقة التي جرت في التاريخ الحديث، كان الانقلاب الأخير أيضاً يسعى إلى كسر حلقة التوازنات السياسية الراهنة، وخلق ديناميكيات جديدة للحُكم، تستطيع من خلالها هذه النُخبة الانقلابية ومن معها وورائها، الوصول إلى الحُكم، وأن يظهر ذلك وكأنه شيء شرعي عبر هذه الديناميكيات الجديدة.

ويمكن إلقاء الضوء على تأثير فشل الانقلاب الأخير على ثلاثة ملفات داخلية في تركيا، وهي:

1- مساعي أردوغان للتحول إلى النظام الرئاسي:

فشل الانقلاب سيغدو موضوعاً مُناهضاً تماماً لمسعى أردوغان الحثيث للمزيد من المركزية السياسية، عبر التحول للنِظام الرئاسي للحُكم. ليس فقط لأنه سيظهره كشخص مناهض لأهم عامل أفشل الحركة الانقلابية الأخيرة بالقوة الكامنة في تآلف الأحزاب السياسية وتوافقها على أهمية ما يشكله النظام البرلماني من ضمانة لتوافقها على رفض مثل هذه النزعات الإلغائية للتعددية والتمثيل الأوسع للشعب في مؤسسات الحُكم، بل أيضاً سيُظهر أردوغان وكأنه يسعى لانقلاب مدني سياسي غير عسكري، لكنه في المُحصلة مُناهض لقيم هذا التوافق السياسي والمؤسساتي الذي تصدى للانقلاب.

قد يكون ذلك أيضاً دافعاً قوياً لحزب العدالة والتنمية، وبالذات لشخص أردوغان، للمزيد من التفكير العميق والمتزن بالتوازنات الداخلية التي في البِلاد، وأنه لا يستطيع السيّر في جميع مشاريعه السياسية دون الالتفات لتطلعات الشُركاء في العملية السياسية، وأن ذلك الشيء لو استمر قد يدفعه في لحظة ما لمواجهة شيء شبيه بذلك الانقلاب، لكن دون أية مساندة من غير حلقته الحزبية، وألا تتكرر اللحظة الراهنة من الإجماع السياسي "الشعبي" حوله مرة أخرى.

2- المعضلة الكردية في تركيا:

المسألة الكُردية في البِلاد، أو بعبارة أكثر دقة، قراءة حزب العدالة والتنمية لمُستقبل عملية السلام الكُردية وطريقة تعامله معها، هي ثاني تلك الملفات الداخلية المُتعلقة بالانقلاب الفاشل. فمُنذ توقفها قبل قُرابة العام، وطوال شهور الأخيرة من الصراع المُسلح الذي أوقع مئات الضحايا بين مُقاتلي حزب العُمال الكُردستاني وقوى الجيش والأمن التركية، في حرب المُدن التي اندلعت في أكثر من مدينة في جنوب شرق البلاد. طوال تلك الفترة فإن الآلة الدعائية والسياسية لحزب العدالة والتنمية كانت تذهب للحديث عن حلف سياسي قائم بين الحركة القومية الكُردية وجماعة الداعية فتح غولن، وأن حزب الشعوب الديمقراطية "الكُردي" لم يتعدى عتبة دخول الأحزاب للبرلمان الانتخابات البرلمانية الأخيرة إلا بأصوات الموالين للداعية غولن، وأن الخطوة الثانية بينهم قائمة على رفع الحركة القومية الكُردية لمستوى الصراع المُسلح، لتتمكن الحركة من الانقلاب على الحياة السياسية الشرعية، عبر ما كانت الآلية الدعائية للعدالة والتنمية تُسميه بـ"الكيان الموازي".

كان الموقف السياسي لحزب الشعوب "الكُردي" المُناهض لمحاولة لانقلاب واضحاً مُنذ ساعاته الأولى، وهو ما أثبت أن تلك القراءة كانت بحيزها الأعظم أداة وظيفية لحزب العدالة والتنمية لتمرير سياساته وهيمنته على الحياة السياسية العامة، في جو يوحي بوجود مؤامرة ما تُحاك للبِلاد. وهو ما ستثبته الأسابيع القادمة، من خِلال توسع عملية التحقيق مع النُخبة العُليا من الانقلابيين، الذين تُظهر مواقعهم وسيرهم الشخصية صعوبة أي توافق لهم مع الحركة القومية الكُردية.

وسيشكل ذلك جرعة إضافية توضح للرأي العام التُركي أن أي من الأحزاب السياسية الأربعة لا يُملك استراتيجيات غير مُعلنة في تعاطيها مع الحياة العامة في البِلاد، وأن اللعبة والبرامج السياسية الواضحة هي المدخل لتناول قضايا البلاد بالتشارك، وعلى رأسها المسألة الكُردية ومستقبل العلمنة والتشاركية وتنمية التنوع السياسي، حيث مجموع ذلك هو ما حمى التجربة التُركية من الانقلاب الفاشل الوحيد في تاريخها المعاصر.

3- دور الجيش التركي في الحياة السياسية:

الملف الأخير يتعلق بدور الجيش في الحياة السياسية العامة في تُركيا، فبعدما بقي لأكثر من تسعين عاماً مُحافظاً على مركزيته وحيويته في نواة الحُكم الفعلية للبِلاد، يبدو أنه سوف يغدو عاملاً هامشياً في هوية الدولة التُركية والتوجهات الاستراتيجية لأحزابه الحاكمة. وهو ما سيزيل الحرج في الكثير من الملفات عن الأحزاب الأيديولوجية التُركية التي كانت تخشى من ردة فِعل على الدوام، وكذلك سيُضعف التيار الأيديولوجي "العلماني"، الذي كان بدوره يحتمي بالجيش، بشكلٍ أو بآخر.

الدور الخارجي التركي والمسألة السورية

لن يكون ذلك المسار الذي ستتحول به العلاقات الداخلية التُركية إلا مدخلاً لتحول ما متوقع للسياسات التُركية العمومية في منطقة الشرق الأوسط، وربما في العالم. وستكون سوريا البؤرة المركزية لانعكاس ذلك والاستدلال عليها.

فقبل محاول الانقلاب الفاشلة بأيام قليلة، كانت السياسية الإقليمية التُركية قد شهدت تحولاً نوعياً، قائماً على إعادة الهدوء لعلاقاتها الإقليمية، بالذات عبر التصالح مع كُلٍ من روسيا وإسرائيل، وكانت أغلبية القراءات، وكثيرها كان قائماً على إشارات تظهر من تصريحات المسؤولين الأتراك، تُشير إلى أن تحولاً نوعياً في القراءة والسلوكيات التُركية تجاه سوريا ستشهده خلال الشهور القليلة، وأن أردوغان قد خضع تماماً للشروط العامة للمحور الروسي، وأن انعطافاً سياسياً تُركياً قريباً تجاه الملف السوري سيُعاش قريباً، مع قليل من الحِفاظ على ماء وجه تُركيا. لكن المتوقع أن يُضيف الحدث الأخير ثلاثة مداخل/ محاذير جديدة لاستراتيجية السياسية الخارجية التُركية، حيث تُشكل سوريا جوهر قياسها وتحولاتها، وذلك كالتالي:

1- يكمن المعنى الأول في أن تُركيا لم تعد حتى الآن "دولة مؤسسات" بالمعنى الحرفي التقليدي لهذا المفهوم، بحيث يستطيع الحزب الحاكم تحديد التوجهات الاستراتيجية للبلاد، وتتبعه فيها باقي أجهزة الدولة ومؤسساتها بحُكم القانون. فالانقلاب الفاشل أظهر الشرخ العامودي العميق في أكثر مؤسسات الدولة مركزية وحيادية تجاه السياسة، أو التي من المُفترض أن تكون كذلك. بهذا المعنى، فإن تُركيا الجديدة ستكون أكثر حذراً في تحديد استراتيجياتها من الملفات المرتبطة عضوياً بالملفات الداخلية التي بها، لأنها قد تؤثر بعمق على وحدة مؤسسات الدولة، وحتى وحدة المُجتمع التركي، وتبعاً لذلك، فإن التحول النوعي المُفاجئ تجاه الملف السوري، سيكون أكثر حذراً وحساسية بالنسبة للحزب الحاكم، لأنه سيعني المزيد من سوء التفاهم بينه وبين مواليه في هذه المؤسسات.

2- المسألة الأخرى تتعلق بما يُسمى "تُركيا المحمية"، فالانقلاب الفاشل، وردة الفعل الباردة من قِبل الولايات المُتحدة والدول الأوروبية، خصوصاً في ساعاته الأولى حينما كانت مصائر الأحداث غير مرئية، ومعها الاتهامات المتدفقة حول دور الداعية فتح غولن المُقيم في الولايات المُتحدة؛ كُلها تدفع إلى تعزيز الشك بالشعورٍ القديم الذي كان دفيناً، والذي يُفيد بأن "الدولة التُركية" وسُلطتها الشرعية محمية من قِبل هذه القوى الكُبرى.

على هذا الأساس ستجري الحسابات التُركية الجديدة تجاه ملفٍ استراتيجي بالغ التداخل مع تُركيا كالملف السوري، فتركيا بعد الانقلاب الفاشل لا تملك أية ضمانات استراتيجية لأمنها القومي، حيث إن خضوعها للشروط الأمريكية طوال خمس سنوات من الأزمة السورية، ثم قبولها وتفهمها للمحاذير الروسية والإقليمية، لم يُنقذ أمنها القومي بالمعنى الاستراتيجي، وبالتالي يُمكن أن تكون مُعرضة لأية هزة عنيفة فيما لو استسلمت لمثل تلك التطمينات.

3- السُلطة الحاكمة في تُركيا سترى نفسها في مرحلة بعد الانقلاب الفاشل أكثر حرجاً للتعامل مع نِظام سوري غير شرعي في رؤيتها وقراءتها، وهي التي أنقذت نفسها تحت ظِلال الدفاع عن الشرعية الدستورية، وبحُكم سيطرة المدنيين على الشارع والحياة العامة، مقابل دبابات العسكر. في هذا الإطار، سيُصعب عليها للغاية أن تجري تحولاً شاملاً في استراتيجيتها السورية.