التقديرات

احتواء التصعيد:

هل يمكن الفصل بين الأزمات الإقليمية والاتفاق النووي؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الثلاثاء, 26 سبتمبر, 2017

احتواء التصعيد:

تبدي العديد من القوى الدولية المعنية بالاتفاق النووي مع إيران، مثل الاتحاد الأوروبي وبعض الدول على غرار ألمانيا وفرنسا، مخاوف عديدة إزاء المسارات المحتملة لهذا الاتفاق بعد مرور أكثر من عامين على الوصول إليه في منتصف يوليو 2015. إذ ترى أن الخلافات المتصاعدة والانتقادات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت مؤخرًا، توحي بأن العمل بهذا الاتفاق خلال المرحلة القادمة سوف يواجه عقبات عديدة قد تؤدي في النهاية إلى انهياره، ومن ثم العودة من جديد إلى المربع الأول لأزمة الملف النووي الإيراني التي فرضت توترات حادة في المنطقة خلال الفترة السابقة على إجراء المفاوضات التي مهدت لهذه الصفقة.

ومن هنا، بدأت هذه القوى في محاولة تقليص حدة تلك الخلافات وتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران. وقد كان لافتًا في هذا السياق، أنها لم تركز فقط على الجوانب الفنية الخاصة بالاتفاق النووي، والتي تمثل محورًا رئيسيًا في هذه الخلافات، على غرار التجارب الخاصة بالصواريخ الباليستية التي تواصل إيران إجراءها رغم التنديدات الدولية المتكررة، والقيود التي سوف ترفع على إيران بعد مرور عشرة أعوام من الوصول للاتفاق، بل إنها بدأت أيضًا في إلقاء الضوء على الجوانب السياسية والأمنية المرتبطة بالاتفاق، والخاصة بالأدوار التي تقوم بها إيران على الساحة الإقليمية، والتي أدت إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط ودعم التنظيمات الإرهابية.

قلق متزايد:

هذا التركيز على الجوانب السياسية والأمنية المرتبطة بالاتفاق يعود إلى تزايد اهتمام تلك الدول بالسياسة التي تتبعها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تقوم على الربط بين الاتفاق النووي والدور الذي تقوم به إيران على الساحة الإقليمية. إذ ترى الأخيرة أن أحد الأهداف التي كان يفترض أن تتحقق من خلال الاتفاق النووي يتمثل في تعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط، باعتبار أن هذا الاتفاق يجنب المنطقة احتمالات نشوب مواجهة عسكرية جديدة سوف تفرض تداعيات سلبية عديدة على مصالح وأمن دولها، كما يعفيها من الدخول في سباق تسلح نووي.

إلا أن الخطوات التي اتخذتها إيران بعد الوصول إليه أنتجت في النهاية تداعيات عكسية، حيث أدت، وفقًا للرؤية الأمريكية، إلى تصاعد حدة التوتر في المنطقة وعرقلة الجهود التي بذلتها أطراف عديدة للوصول إلى تسويات سياسية للأزمات الإقليمية المختلفة، خاصة أنها حرصت على استغلال الأموال المجمدة في الخارج والتي حصلت على قسم منها بعد إبرام الصفقة النووية في توسيع نطاق الأنشطة التي يقوم بها "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري والمسئول عن العمليات الخارجية.

ولذا، يوجه بعض المسئولين الأمريكيين اتهامات مستمرة لإيران بـ"انتهاك روح الاتفاق"، رغم إقرارهم في الوقت نفسه بأنها ملتزمة بالبنود الخاصة بالجوانب الفنية في الاتفاق، على غرار مستوى تخصيب اليورانيوم وعدد ونوعية أجهزة الطرد المركزي التي تستخدم في عمليات التخصيب، فضلاً عن كمية المياه الثقيلة التي تبقيها إيران داخل حدودها وفقًا للإطار الذي يسمح به الاتفاق.

 ففي هذا السياق، قال وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، في 21 سبتمبر الجاري، أن "الاتفاق يطبق من الناحية التقنية، لكن تبعاته السياسية غير مقبولة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية".

تباين ملحوظ:

ورغم أن هذه القوى لا تختلف في مواقفها عن تلك الرؤية التي تتبناها الإدارة الأمريكية، إلا أنها تحاول في الوقت نفسه تحييد التداعيات السلبية للأدوار التي تقوم بها إيران على الاتفاق النووي.

ففي هذا الإطار، قال وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل، في 20 سبتمبر الحالي، أنه "يتفق مع المسئولين الأمريكيين بشأن عدم تغير سلوك إيران في الشرق الأوسط بعد إبرام الاتفاق وهى مسألة تتطلب الاهتمام لكنها ليست جزءًا من الاتفاق".

وربما يمكن القول إن هذا الملف تحديدًا كان أحد محاور المحادثات التي أجريت بين وزراء خارجية إيران ومجموعة "5+1" برعاية منسقة الشئون الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في 21 سبتمبر الجاري.

فقد كان لافتًا أن موغيريني حرصت على تأكيد أن "هناك مواضيع أخرى خارج نطاق الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران"، مضيفة أن "أزمتى اليمن وسوريا يمكن مناقشتها في إطار منفصل".

دلالتان رئيسيتان:

هذا الاتجاه الذي ظهر في الفترة الأخيرة يطرح دلالتين: تتمثل الأولى، في أن بعض القوى الدولية باتت ترى أن السياسة التي تتبعها إيران على الساحة الإقليمية ساهمت بالفعل في زعزعة الاستقرار في المنطقة ودعمت تمدد التنظيمات الإرهابية في بعض المناطق داخل دول الأزمات، لكنها تبدي تخوفات في الوقت نفسه من أن حرص الولايات المتحدة الأمريكية على الربط بين هذه السياسة وبين الاتفاق النووي قد ينتج تداعيات سلبية على الأخير، بشكل قد يؤدي إلى توقف العمل به في النهاية.

 وتنصرف الثانية، إلى أن ثمة اتجاهًا داخل بعض تلك الدول يرى أنه يمكن الوصول إلى تفاهمات مع إيران حول تلك الملفات الإقليمية بشكل قد يساعد في تحصين الاتفاق النووي ضد أية تأثيرات سلبية قد تفرضها الأدوار التي تقوم بها إيران في تلك الملفات.

وقد عبر العديد من مراكز الأبحاث الغربية عن هذا الاتجاه، من خلال التأكيد على أهمية الانخراط في محادثات جديدة غير نووية مع إيران بدلاً من الدخول في مواجهة معها.

عقبات عديدة:

لكن هذا الاتجاه الداعي إلى الانفتاح "غير النووي" على إيران يواجه عقبات رئيسية ثلاث: أولها، أن إيران نفسها سوف ترفض ذلك، باعتبار أن القيادة العليا في النظام الإيراني، ممثلة في المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، سوف تستند إلى السياسة الأمريكية تجاه الاتفاق النووي لتأكيد عدم جدوى الدخول في مفاوضات جديدة مع القوى الدولية، حتى لو كان الرئيس حسن روحاني وتيار المعتدلين يؤيدون ذلك.

وثانيها، أن طهران لم تثبت فعليًا أنها طرف قادر على الانخراط في التزامات دولية صارمة، وهو ما بدا جليًا في تعمدها انتهاك بنود الاتفاق واستغلال بعض الصياغات الغامضة التي يتضمنها، على غرار البند الخاص بعدم إجراء أنشطة مرتبطة بتطوير الصواريخ الباليستية المصممة لحمل أسلحة نووية، حيث تحرص إيران بشكل مستمر على إجراء تجارب متواصلة على تلك النوعية من الصواريخ.

وثالثها، أن بعض الدول الأوروبية باتت ترى أن الدور الإقليمي الإيراني يمثل مشكلة فعلاً تواجه الاتفاق، بشكل يفرض ضرورة تسويتها من أجل ضمان استمرار العمل بهذا الاتفاق، وهو ما أكد عليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بقوله، في 21 سبتمبر الجاري، أن "التطورات الإقليمية والضغوط التي تمارسها إيران في المنطقة تشير إلى أن الاتفاق النووي ليس كافيًا".

 وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إن الاتفاق النووي بات يواجه اختبارًا صعبًا، سواء بسبب انتهاكات إيران المستمرة له، أو بسبب تقارب السياسات تدريجيًا بين بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية تجاه التداعيات السلبية التي تفرضها الأدوار التي تقوم بها إيران على الساحة الإقليمية.