التقديرات

سياسة الركائز:

كيف تتفاهم روسيا مع القوى الإقليمية في المنطقة؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الخميس, 31 أغسطس, 2017

سياسة الركائز:

بدأت روسيا بالتركيز على الوصول إلى تفاهمات سياسية وأمنية مع القوى الإقليمية في المنطقة، خاصة تلك التي تجاور دول الأزمات أو تنخرط فيها بشكل مباشر، على غرار إيران وتركيا وإسرائيل. لكن اللافت في هذا السياق، هو أنها تسعى من خلال ذلك إلى تحقيق أهداف ربما تكون متناقضة في بعض الأحيان؛ إذ إنها ما زالت حريصة على رفع مستوى التنسيق السياسي والعسكري مع إيران والميليشيات الحليفة لها في سوريا، لكن ذلك لم يمنعها من فتح قنوات تواصل مع إسرائيل من أجل تحجيم دور تلك الميليشيات على الأرض، خاصة في ظل وجود تقارير عديدة تشير إلى امتعاض موسكو من محاولات تلك الميليشيات تنفيذ أجندة إيرانية ربما لا تتوافق بالضرورة مع حسابات موسكو.

كما أنها استعادت تعاونها الثنائي مع تركيا بعد احتواء أزمة إسقاط الأخيرة مقاتلتها في نوفمبر 2015، ودعمت إشراكها في محادثات الأستانة التي قامت برعايتها إلى جانب طهران وأنقرة في إطار الجهود التي تبذل في الوقت الحالي لتوحيد المعارضة السورية، للتعامل مع التطورات الجديدة التي طرأت على الساحة السورية، بعد تثبيت دعائم النظام على الأرض، وبداية اتجاه بعض القوى الدولية والإقليمية المعنية إلى الانخراط مجددًا في مباحثات وتفاهمات معه.

مؤشرات عاكسة:

تعويل موسكو على الانخراط في تفاهمات سياسية وأمنية مع القوى الأربعة تعززه مؤشرات عديدة تتمثل في:

1- استمرار التنسيق السياسي والعسكري مع إيران: وهو ما يبدو جليًّا في المشاورات المستمرة التي يُجريها المسئولون في موسكو وطهران، حول التعامل مع تطورات الصراع في سوريا، خاصة فيما يتعلق باتفاقات تخفيف التصعيد في بعض المناطق، والتي توصلت إليها الدول الثلاث الراعية لمحادثات الأستانة، وهي روسيا وإيران وتركيا، أو حول التعاون الثنائي، لا سيما على المستوى العسكري.

فقد قام مساعد وزير الخارجية الإيراني وممثل إيران في محادثات الأستانة حسين جابري أنصاري بزيارة موسكو في بداية أغسطس الجاري، وذلك بهدف دعم فرص خروج المباحثات التي عُقدت بين خبراء الدول الثلاث حول الأزمة السورية في طهران، في 8 أغسطس الجاري، بنتائج قد تساعد في تقريب وجهات النظر في الجولة السادسة لمحادثات الأستانة التي ستعقد بمشاركة النظام وقوى المعارضة في منتصف سبتمبر القادم بعد أن كان مقررًا عقدها في أواخر الشهر الجاري.

وقد كان الملف السوري أحد المحاور الرئيسية في المباحثات التي عقدها الرئيس الإيراني حسن روحاني في موسكو خلال الزيارة التي قام بها في 28 مارس 2017، حيث اتفقت الدولتان على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا، كما توصلتا إلى إقرار خريطة طريق لتعزيز التعاون الاقتصادي بينهما، ورفع مستوى التنسيق في الحرب ضد الإرهاب.

وقد أشارت تقارير إعلامية عديدة إلى أن روسيا وإيران سوف تتجهان إلى رفع مستوى التعاون العسكري بينهما بعد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عليهما، في 27 يوليو 2017، وكشفت أيضًا أن روسيا ربما تكون قد انتهكت قرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي صدر بعد الوصول للاتفاق النووي، نتيجة قيامها بإصلاح بعض الأسلحة الثقيلة والمعدات العسكرية والأنظمة الدفاعية الإيرانية التي يتم نقلها جوًّا إلى سوريا ومنها إلى روسيا.

2- مواصلة التفاهمات مع تركيا: دعمت روسيا انضمام تركيا إلى المحادثات التي تجري برعاية موسكو وطهران في الأستانة، وذلك من أجل تعزيز فرص التوصل إلى اتفاقات لوقف العنف وتخفيف حدة التوتر في بعض المناطق داخل سوريا. ويبدو أن هذه التفاهمات سوف تتواصل خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع الإعلان عن زيارة مرتقبة سيقوم بها رئيس الأركان الروسي الجنرال فاليري غيراسيموف إلى أنقرة للتباحث حول إقامة منطقة تخفيف التوتر في محافظة إدلب التي تتواجد فيها "جبهة النصرة" أو "جبهة فتح الشام".

كما تبدو موسكو حريصة على رفع مستوى التعاون الثنائي مع أنقرة، خاصة في المجال العسكري، وهو ما انعكس في إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 25 يوليو 2017، قربَ توريد روسيا أنظمة صواريخ "إس 400" للدفاع الجوي إلى تركيا، التي ترى الأخيرة أنها في حاجة ماسة إليها للتعامل مع التهديدات التي تفرضها الأزمات الإقليمية التي تشهدها بعض دول الجوار الجغرافي، وعلى رأسها سوريا.

3- التنسيق الجوي والعسكري مع إسرائيل: تسعى موسكو باستمرار إلى التنسيق مع إسرائيل فيما يتعلق بالضربات الجوية التي يشنها الطرفان داخل سوريا منعًا لوقوع أية حادث عارض قد يؤثر سلبيًّا على العلاقات بين الطرفين، كما أنها حرصت على توجيه رسائل طمأنة إلى إسرائيل التي تبدي تخوفات عديدة إزاء التحركات التي تقوم بها إيران والميليشيات الحليفة لها على الأرض داخل سوريا، خاصة فيما يتعلق بالسعي إلى تأسيس ممر استراتيجي يربط بين إيران وسوريا عن طريق العراق، ويضمن وصول إيران إلى البحر المتوسط بالقرب من إسرائيل، وربما تأسيس مصانع لإنتاج صواريخ في سوريا ولبنان لتوجيهها إلى إسرائيل، حسب ما أشار إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 28 أغسطس الجاري.

وقد كان هذا الملف -تحديدًا- هو محور المحادثات التي عقدها نتنياهو في موسكو، خلال زيارته التي أجراها في 23 أغسطس الجاري، وهي المرة السادسة التي يلتقي فيها الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين خلال عامين، حيث سعت إسرائيل إلى ممارسة ضغوط على روسيا من أجل كبح التحركات الإيرانية على الأرض، من خلال توجيه رسائل تحذير من أنها لن تقف صامتة أمام محاولات إيران إنشاء مصانع صواريخ وتأسيس القوس الاستراتيجي الذي يربط بين الخليج وسوريا ويمر عبر العراق.

أهداف متعددة:

تسعى موسكو من خلال الانخراط في تلك التفاهمات مع هذه القوى إلى تحقيق أهداف عديدة، يتمثل أبرزها في:

1- الضغط على الحلفاء: لا سيما إيران، التي لا تخفي موسكو امتعاضها من محاولاتها توسيع نطاق نفوذها على الأرض بعيدًا عن التفاهمات التي تجريها موسكو وواشنطن داخل سوريا. 

2- حماية المصالح في الملفات الأخرى: خاصة في الملفين العراقي والليبي. إذ ترى موسكو أن انخراطها في تفاهمات سياسية وأمنية مع كلٍّ من إيران وتركيا يمكن أن يساعد في ضمان موطئ قدم لها في الترتيبات السياسية والأمنية التي تشهدها الملفات الصراعية الأخرى، خاصة في العراق، حيث تحظى إيران وتركيا بنفوذ واضح.

وقد حرصت موسكو في الفترة الأخيرة على اتخاذ خطوات عديدة للتعامل مع التطورات التي تشهدها تلك الملفات؛ إذ حذرت على لسان وزير خارجيتها سيرجي لافروف، في 25 يوليو 2017، من العواقب التي يُمكن أن يفرضها الاستفتاء الذي يستعد إقليم كردستان لإجرائه سعيًا للانفصال عن العراق في 25 سبتمبر القادم، ويبدو أنها تسعى إلى توسيع نطاق توافقاتها مع تركيا وإيران اللتين تعارضان تلك الخطوة.

كما أنها انخرطت في تفاهمات سياسية وأمنية مع بعض الأطراف الرئيسية في هذين الملفين، على غرار المشير خليفة حفتر (قائد الجيش الوطني الليبي) الذي زار موسكو في 14 أغسطس الجاري، ونائب الرئيس العراقي نوري المالكي الذي زار موسكو في 24 يوليو الفائت.

3- ضبط إيقاع الصراع: وهو ما يبدو جليًّا في الموقف الروسي من التخوفات الإسرائيلية إزاء التحركات التي تقوم بها إيران على الأرض داخل سوريا؛ إذ ترى موسكو أن تفاهماتها العسكرية مع إسرائيل يمكن أن تساعدها في ضبط تحركات إيران وميليشياتها على الأرض، خاصة في ظل امتعاضها من هذه التحركات، وهو ما يفسر تغاضيها عن الضربات العسكرية التي تشنها إسرائيل ضد بعض المواقع داخل سوريا، والتي تهدف إلى منع نقل الأسلحة إلى حزب الله داخل لبنان.

وربما يمكن القول إن قرار روسيا تأسيس نظام دفاع جوي موحد داخل سوريا، في 26 أغسطس الجاري، حيث جرى ضم المعدات الاستخباراتية والفنية الروسية والسورية في نظام واحد؛ يهدف إلى محاولة ضبط تحركات الأطراف الأخرى الحليفة لها داخل سوريا من أجل منعها من خلط أوراقها وحساباتها وتفاهماتها مع الأطراف الأخرى، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

عقبات ضاغطة:

ومع ذلك، فإن استمرار روسيا في تبني هذه السياسة ربما يواجه عقبات عديدة، في ظل الشكوك التي تبديها معظم تلك الأطراف -إن لم يكن مجملها- في مدى إمكانية التعويل على تلك التفاهمات مع موسكو، في ظل تطلع الأخيرة إلى صياغة الترتيبات السياسية والأمنية في تلك الملفات بما يتوافق مع مصالحها في المقام الأول، بصرف النظر عن مدى تطابق ذلك أو تعارضه مع حسابات بقية الأطراف، وهو ما يمكن أن يُحوِّل روسيا، على المدى الطويل، إلى حليف لا يمكن الوثوق فيه.