التقديرات

استقلالية أم رضوخ:

هل نجحت المؤسسات الأمريكية في "احتواء" ترامب؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الثلاثاء, 29 أغسطس, 2017

استقلالية أم رضوخ:

أثارت التغييرات المتكررة في الدائرة المحيطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت ‏الأبيض التكهنات حول ما إذا كان اختفاء بعض الشخصيات، خاصة ستيف بانون، مؤشرًا ‏على تحول في رؤية أو طريق عمل ترامب، أو على نجاح "القوى المؤسسية" في احتوائه. ‏لكن تصرفات ترامب خلال الفترة القليلة الماضية أكدت استقلاليته، واستمرار أسلوبه "المنفلت" ‏بحسب المعايير المؤسسية. ‏

وبينما يؤشر تولية الجنرال كيلي منصب كبير موظفي البيت الأبيض على استمرار علاقته ‏الطيبة مع العسكريين، والذي تأكد باعتماده الاستراتيجية التي قدمها وزير الدفاع جيمس ‏ماتيس على الرغم من أنها تناقض تعهدات ترامب الانتخابية، إلا أن هذا التأثير يبدو أنه ‏يقتصر على السياسات الخارجية وتحديدًا العسكرية، ولا يمتد إلى محتوى تغريداته أو إلى ‏سياساته الداخلية، أو تلك المتعلقة بالهجرة أو التجارة الخارجية.‏

وينصب اهتمام ترامب على الحفاظ على دعم قاعدته الانتخابية، إلا أنه يواصل الصدام مع ‏الحزب الجمهوري وقياداته في الكونجرس، ومهاجمتهم بشكل شخصي. لهذا، ستظل تفاعلات ‏السياسة الأمريكية قائمة على مواجهات مستمرة بين الرئيس، مستندًا إلى قاعدته الانتخابية، ‏وعدة مؤسسات، خاصة الكونجرس والقضاء والإعلام، بينما يلعب العسكريون دورًا أكبر في ‏رسم السياسة الخارجية الأمريكية، مع تراجع للبعد الدبلوماسي بسبب الضعف المؤسسي ‏لوزارة الخارجية، التي تعاني من فراغ العديد من المناصب المهمة.‏

وشهدت إدارة ترامب في الأسابيع القليلة الماضية تغيرات متوالية في دوائر البيت الأبيض، ‏ومنها تغييرات متعددة في الواجهة الإعلامية للبيت الأبيض، وإقالة كبير موظفي البيت ‏الأبيض واستبداله بشخصية ذات خلفية عسكرية، وهو وزير الأمن الداخلي كيلي، ثم تبع ‏ذلك خروج ستيف بانون، أحد أهم رموز اليمين المحافظ في دائرة الرئيس، ثم تبعه ‏سيباستيان جوركا، وكان أيضًا أحد مستشاري البيت الأبيض الذي أثارت توجهاته ‏الأيديولوجية الكثير من الجدل.‏

مركزية ترامب:‏

ورغم ما يؤشر إليه استبعاد الأخيرين من بعد "أيديولوجي" في هذه التغييرات، وما يوحي به ‏تصعيد شخصية عسكرية لإدارة البيت الأبيض من النجاح في "احتواء" التوجهات الأكثر تطرفًا ‏في الإدارة، والاتجاه نحو قدر أكبر من العمل المؤسسي؛ فإن الأحداث اللاحقة والرؤية الأكثر ‏تعمقًا لا تساند هذا التوجه للأسباب التالية:‏

‏1- التغييرات الواسعة في موظفي البيت الأبيض لا تعني حالة استثنائية من الصراع في ‏الدائرة المحيطة بترامب، وذلك لأن الإطاحة بأفراد من الدائرة المقربة لترامب ليست بُعدًا ‏جديدًا، مهما كان قربهم منه، باستثناء العائلة. فقد كانت هناك شخصيات وثيقة الصلة ‏بترامب، وساندته أيام الحملة الانتخابية، وقت أن كان لا يحظى بدعم كبير من الحزب ‏الجمهوري، مثل عمدة نيويورك السابق رودي جولياني، والذي كان من المنتظر أن يحصل ‏على منصب مهم في إدارة ترامب ثم اختفى. وقد تكرر أثناء الحملة الانتخابية تغيير ‏المسئولين. التغيير المستمر -من وجهة نظر ترامب- يدعم محوريته شخصيًّا، ويُحمِّل ‏الآخرين المسئولية عن أي قصور أو إخفاقات.‏

‏2- خروج ستيف بانون تحديدًا لا يعني تحولًا في رؤية ترامب الأيديولوجية، بل كانت لديه ‏أسباب شخصية تدعم مثل هذه الخطوة، حيث كان ترامب يتذمر من الاهتمام الذي كان يلقاه ‏بانون في الإعلام، والذي كان كثيرًا ما يصفه بأنه "المُنظِّر الرئيسي" لرؤية ترامب، وهذا ما ‏كان يثير حفيظته. ويأتي خروجه لتضافر عدة عوامل، منها تصريحاته الأخيرة لأحد ‏الصحفيين، والتي نُشرت في مجلة "بروسبكت"، والتي ناقض فيها تصريحات ترامب عن ‏أهمية أزمة كوريا الشمالية، واستعداد الولايات المتحدة لاتخاذ إجراءات عنيفة ضدها، كما أنه ‏سعى من خلالها -من وجهة نظر المراقبين- لـ"سرقة الأضواء" مرة أخرى.‏

من جانب آخر، دخل بانون في مواجهات عنيفة مع شخصيات هامة في البيت الأبيض، وقد ‏أغضبت مواجهاته مع جارود كوشنر، صهر الرئيس، ترامب بصفة خاصة، كما أنه اصطدم ‏بشدة مع مستشار الأمن القومي، مكماستر. وقد أوعز إلى الموقع اليميني بريتبارت، والذي ‏عاد إلى رئاسته فور خروجه من البيت الأبيض، لنشر مقالات مسيئة للأخير، وسط تكهنات ‏بأنه كان مسئولًا عن بعض التسريبات المتعلقة بما يدور في البيت الأبيض. وقد تردد في ‏الشهور الأخيرة أن بانون كان يشعر "بالعزلة" داخل البيت الأبيض، وأنه كان يفكر في ‏الاستقالة. ثم كان صعود الجنرال كيلي إلى منصب كبير موظفي البيت الأبيض سببًا في ‏التعجيل برحيله، حيث سادت الرؤية بأن وجوده يخلق مناخًا غير مواتٍ للعمل.‏

‏3- محدودية دور كيلي، على الرغم مما يتكرر من آمال بأن الجنرال كيلي سيعيد الانضباط إلى ‏البيت الأبيض، فقد أشارت تصريحاته بوضوح إلى أن مهمته هي إعادة الانضباط إلى البيئة ‏المحيطة بالرئيس، وتنظيم سير المعلومات له بحيث تكون معلومات من مصادر موثوقة؛ ‏حيث سبق أن أدلى ترامب بتصريحات استنادًا إلى تحليلات اعتبرها معلومات موثقة، ولم تكن ‏كذلك.‏

لكن كيلي أشار بوضوح إلى أن مهمته لا تمتد إلى "إدارة" الرئيس نفسه، وقد لاحظ ‏الإعلاميون في عدة مناسبات أن كيلي فوجئ بتصريحات لترامب في وجوده كان من الواضح ‏أنه لم يعلم بها مسبقًا. من جانب آخر، لا يمكن الاستهانة بالعقيدة العسكرية الراسخة التي ‏تؤمن بالتراتبية، والتي تدين بالولاء المطلق للقائد العام للقوات المسلحة، وهذا الولاء هو ما ‏يتطلبه ترامب من المحيطين به، والذي ربما يجعله يثق بالعسكريين أكثر من غيرهم.‏

‏4- توجهات القاعدة الانتخابية لترامب، صعد ترامب إلى سدة الحكم بناء على دعم قاعدة ‏شعبية تشعر بالغضب والاستياء من النخبة المؤسسية السائدة، سواء في دوائر الحكم أو ‏الإعلام، وقد ساندت ترامب تحديدًا لأنه جاء من خارج هذه النخبة، وهاجمها هجومًا شديدًا ‏أثناء حملته الانتخابية وحتى في خطاب تنصيبه. وقد ساهم خطابه "المنفلت"، وغير الملتزم ‏بقواعد السياسة وحتى الأخلاق العامة في بعض الأحيان؛ في تصاعد شعبيته، ولذلك من ‏غير المتوقع أن يتخلى عنه.‏

وقد صرح ترامب مؤخرًا بأن التباين الكبير بين خطبه "المنضبطة" المعدة سلفًا من قبل ‏معاونيه، والتي يقرؤها بدون تغيير، وخطابه "العفوي" الذي يعده الكثير من المراقبين خطابًا ‏‏"شعبويًّا"؛ لا يدل على تناقض، بل على ثراء شخصيته واتساع قدراته.‏

عسكرة الإدارة:‏

أما فيما يخص حدود تأثير التغييرات في إدارة ترامب على مستقبل السياسة الخارجية ‏الأمريكية، فإنه يمكن القول إن المراقبين يلمسون تمددًا ملحوظًا في نفوذ العسكريين بإدارة ‏ترامب؛ حيث تحتل شخصيتان لهما خلفية عسكرية مناصب مقربة منه في البيت الأبيض، ‏كما نجح وزير الدفاع ماتيس في إقناع الرئيس بإعطاء الجيش صلاحيات أكبر في إدارة ‏العمليات العسكرية.‏

‏كما أقنعه بالتعبير عن التزام الولايات المتحدة بالحلفاء التقليديين في أوروبا وحلف الناتو ‏وآسيا، الذين يلعبون دورًا هامًّا في دعم الأمن القومي من وجهة نظر المؤسسة العسكرية. ‏ومؤخرًا، نجح ماتيس في إقناع الرئيس بتبني ودعم الاستراتيجية الجديدة في أفغانستان، رغم ‏تعارضها تمامًا مع وعوده الانتخابية.‏

ورغم تناقض مواقف ماتيس -في بعض الأحيان- مع موقف ترامب، حيث كان من اللافت ‏تأكيد وزير الدفاع ماتيس على العلاقات مع قطر، نظرًا لأهمية القاعدة الأمريكية بها، رغم ‏ميل الرئيس ترامب لموقف الجبهة المعارضة لها؛ فإنه حريص على عدم تخطي صلاحيات ‏الرئيس، وعلى الحصول على تأييده العلني لكل خطواته وسياساته.‏

‏ وبحسب القواعد العسكرية الراسخة، لن يستطيع العسكريون معارضة أو عدم تنفيذ أمر ‏مباشر للرئيس، والخيار الوحيد المتاح أمامهم في حالة اعتراضهم عليه هو الاستقالة، وهو ‏ما تتخوف منه دوائر أمريكية عديدة، ترى في العسكريين الأمل الوحيد لاحتواء ترامب.‏

لكن الشاهد حتى الآن أن هذا الاحتواء، بغض النظر عن نجاحه، يقتصر على توجيه ‏السياسات الخارجية للولايات المتحدة، وتحديدًا فيما يتعلق بقضايا الأمن القومي. فرغم ميل ‏ترامب للتفاهم مع روسيا، يأخذ وزير الدفاع موقفًا متشددًا من تحركاتها في أوروبا، وإن كان ‏التنسيق قائمًا بقوة بين البلدين على مسرح العمليات في سوريا. كما يأخذ ماتيس أيضًا ‏بزمام المبادرة في الأزمة الكورية والوضع في أفغانستان، والعمليات على الأرض في الشرق ‏الأوسط.‏

ضعف الخارجية:‏

يؤشر ذلك إلى تواصل "عسكرة" السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب، خاصة مع ‏اختفاء الصوت المعارض لستيفن بانون من نقاشات البيت الأبيض، حيث كان يقف بقوة ضد ‏‏"التورط" الأمريكي الخارجي. ويدعم من ذلك التوجه أيضًا ضعف وزارة الخارجية في هذه ‏الإدارة، خاصة مع ترك العشرات من المناصب الدبلوماسية شاغرة بسبب عدم قدرة الوزير ‏على الحصول على موافقة البيت الأبيض على مرشحيه من ناحية، وبطء عمليات الموافقة ‏من قبل الكونجرس من ناحية أخرى، مع اعتماد تخفيضات كبيرة في ميزانية وزارة الخارجية ‏وعدد موظفيها من جانب ثالث.‏

النتيجة الأهم لكل هذه العوامل هو غياب البعد الدبلوماسي، وبالتالي غياب تشكل استراتيجية ‏أمريكية متكاملة وشاملة للتعامل مع كل هذه الصراعات، حيث يتم التعامل معها من منظور ‏عسكري تكتيكي، ما قد يفتح الباب لأدوار قوى أخرى تتقدم برؤى مختلفة.‏