التقديرات

خطوات مضادة:

هل بدأ روحاني يستعد للانتخابات الرئاسية؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأحد, 13 نوفمبر, 2016

خطوات مضادة:

يبذل الرئيس الإيراني حسن روحاني جهودًا حثيثة من أجل تعزيز قدرته على الفوز بالانتخابات الرئاسية التي سوف تُجرَى في 17 مايو 2017، وتجديد ولايته الرئاسية لأربعة أعوام مقبلة. وفي الواقع، فإن روحاني يسعى -في هذا السياق- إلى إعادة رفع شعبيته من جديد في أوساط الشباب والطبقة الوسطى، والتي مثلت الكتلة الرئيسية التي صوتت له في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في يونيو 2013، ومكنته من الفوز على أربعة من مرشحي تيار المحافظين الأصوليين من الجولة الأولى، لكنها بدأت في توجيه انتقادات قوية له بعد تراجعه عن تنفيذ معظم الوعود التي أعلن التزامه بها خلال الحملة الانتخابية عام 2013.

لكن هذه الجهود ما زالت في بدايتها وربما تواجه صعوبات متزايدة تدريجيًّا مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، خاصة مع تبلور ملامح خريطة المرشحين المحتملين للانتخابات، واتضاح مدى قدرة المحافظين الأصوليين على توحيد صفوفهم خلف مرشح واحد لمنافسة روحاني.

ومن دون شك، فإن فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية ربما يمثل متغيرًا آخر سوف يكون له دور في تحديد فرص روحاني في إعادة تجديد فترته الرئاسية، في ظل اهتمام ترامب بالاتفاق النووي بين إيران ومجموعة "5+1" ودعم إيران للإرهاب ووجودها في سوريا وموقفها من الحرب ضد تنظيم "داعش".

مبررات عديدة:

بدا واضحًا أن الرئيس روحاني حرص على تغيير خطابه السياسي الموجه إلى أنصاره الرئيسيين خلال الفترة الأخيرة، حيث فسر عدم قدرته على الالتزام بوعوده الانتخابية التي أعلنها في مرحلةٍ ما قبل إجراء الانتخابات الرئاسية الماضية في ضوء عاملين: 

الأول، منح الأولوية للوصول للاتفاق النووي مع مجموعة "5+1"، باعتبار أنه يمثل، في رؤية روحاني، المحور الرئيسي للتعامل مع المشكلات العديدة التي تواجهها إيران، خاصة على المستوى الاقتصادي، حيث كانت حكومة روحاني تعول على أن الوصول للاتفاق ورفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران، سوف يؤدي إلى دعم قدرتها على تسوية تلك المشكلات، خاصة مع تجميد الحظر المفروض على الأموال الإيرانية في الخارج، وعودة إيران من جديد إلى رفع مستوى صادراتها النفطية، إلى جانب عودة الشركات الأجنبية الكبرى إلى المشاركة في الاستثمارات داخل إيران مرة أخرى.

إلا أن العقبات العديدة التي وضعت أمام إيران للاستفادة من العوائد الاقتصادية للاتفاق النووي، على غرار العقوبات الأمريكية التي تزيد من مخاوف العديد من الشركات والمصارف الغربية من الاستثمار في إيران، لم تمنح الحكومة خيارات واسعة للتعامل مع المشكلات والقضايا الأخرى التي ما زالت قائمة دون تسوية، خاصة على الساحة الداخلية، على غرار قضية رفع الإقامة الجبرية على زعيمي "الحركة الخضراء" مير حسين موسوي ومهدي كروبي، إلى جانب استمرار الاعتقالات التي تطال بعض أنصار روحاني، وفرض قيود شديدة على الحريات العامة.

وبعبارةٍ أخرى، فإن حكومة روحاني لم تضع في اعتبارها أن جهودها للحصول على عوائد الاتفاق النووي، خاصة على الصعيد الاقتصادي، يمكن أن تواجه تحديات عديدة لا تبدو هينة، بشكل أضعف من موقعها على الساحة الداخلية، لا سيما في ظل الشكوك العديدة التي أبداها المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي والمؤسسات التي يسيطر عليها المحافظون الأصوليون، في جدوى الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية.

والثاني، حرص تيار المحافظين الأصوليين على رفض الجهود التي بذلها روحاني لتسوية ما يمكن تسميته بـ"بقايا" الأزمة السياسية التي فرضتها احتجاجات عام 2009، في ظل خشيته من أن يؤدي ذلك إلى توسيع القاعدة المؤيدة لروحاني وتيار المعتدلين في الداخل، قبل الاستحقاقات المهمة التي تبدو إيران مقبلة عليها، على أكثر من مستوى.

تصعيد ملحوظ:

 ويبدو أن ذلك في مجمله هو ما دفع روحاني إلى توجيه اتهامات لما أسماه بـ"الإخوة الأعداء" في الداخل بـ"تصدير اليأس إلى الإيرانيين"، في إشارة إلى تيار المحافظين الأصوليين، خلال جلسة التصويت على منح الثقة للوزراء الثلاثة الجدد الذين رشحهم روحاني لتولي حقائب وزارية في حكومته، في أول نوفمبر 2016.

 وبعبارةٍ أخرى، فإن روحاني سعى من خلال التصعيد مع خصومه السياسيين إلى توجيه رسالة مباشرة لأنصاره بأن المشكلة لا تكمن في تراجعه عن تنفيذ وعوده الانتخابية، وإنما تكمن في إصرار المحافظين الأصوليين على منعه من تحقيق ذلك، بدليل الضغوط التي فرضوها من أجل إقالة ثلاثة وزراء في حكومته، هم علي جنتي وزير الثقافة والإرشاد (ابن آية الله أحمد جنتي رئيس مجلس صيانة الدستور رئيس مجلس الخبراء)، ومحمود كودارزي وزير الرياضة والشباب، وعلي أصغر فاني وزير التعليم.

 ومن دون شك، فإن تركيز تيار المحافظين الأصوليين على إقالة الوزراء الثلاثة بالتحديد لا يعود فقط إلى الأسباب التي تبناها في هذا السياق، على غرار تنظيم وزارة الثقافة حفلات موسيقية في مدن إيرانية عديدة مثل مدينة قم، والكشف عن قضايا فساد في وزارة التعليم، لا سيما فيما يتعلق باختلاس أموال من الصندوق الاحتياطي الخاص بالمعلمين، وتراجع نتائج البعثة الأولمبية الإيرانية في دورة الألعاب الأولمبية في ريودي جانيرو، وإنما يعود أيضًا إلى أن الوزارات الثلاث على صلة وثيقة بالشارع الإيراني، وتحديدًا بفئة الشباب، التي يعول عليها روحاني في مساعيه للاحتفاظ بمنصبه لفترة رئاسية جديدة، بما يعني أن هذا التيار يسعى إلى إضعاف القاعدة الشعبية التي يستند إليها روحاني قبل إجراء تلك الانتخابات.

تحركات عكسية:

 ومن هنا، بدأ روحاني في تبني خطوات مضادة للرد على الضغوط التي يفرضها خصومه السياسيون، فقد بدا لافتًا أنه حرص على تقديم مرشحين للوزارات الثلاث ممن رفضهم مجلس الشورى السابق، الذي كان يسيطر عليه المحافظون الأصوليون، خلال تقديمه لحكومته في عام 2013، بتهم تورطهم في الاحتجاجات التي نظمتها "الحركة الخضراء" أو ما يطلق عليه المحافظون الأصوليون بـ"تيار الفتنة"، وهم رضا صالحي أميري لوزارة الثقافة والإرشاد، وفخر الدين دانش أشتياني لوزارة التعليم، ومسعود سلطاني فر لوزارة الرياضة والشباب.

واللافت في هذه الاختيارات هو أن الوزراء الجدد ينتمون- حسب تقارير عديدة- لأحزاب وقوى سياسية تواجه ضغوطًا واتهامات من جانب المحافظين، وهو ما يفسر أسباب رفض عدد غير قليل من نواب المجلس لترشيحهم لتولي حقائب وزارية في الحكومة، إلا أن الكتلة المؤيدة لتيار المعتدلين التي حققت نتائج بارزة في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في فبراير 2016، فضلا عن بعض النواب المحافظين الذين ينتقدون أداء تيارهم، حسموا معركة التصويت لصالح مرشحي الرئيس.

ومن هنا، يمكن القول إن روحاني يسعى من خلال الصدام مع تيار المحافظين الأصوليين لإقرار تلك التعيينات إلى إعادة استقطاب تأييد كوادر وأنصار التيار الإصلاحي الذي صوت له في الانتخابات السابقة، بعد أن بدأوا في توجيه انتقادات قوية لأداء حكومته في الأعوام الأربعة الأخيرة، في ظل إدراكه أن تلك الكتلة الانتخابية هي الأكثر قدرةً على دعم جهوده لتجديد ولايته الرئاسية.

 وبالطبع، فإن روحاني ربما يعول على أنه المرشح الوحيد لدى تلك الكتلة، باعتبار أن منافسيه المحتملين سوف يكونون، في الغالب، من المحافظين الأصوليين، لكن ذلك لا ينفي أن تلك الكتلة قد تتجه إلى خيار آخر ربما يفرض تداعيات سلبية عديدة على الرئيس الحالي، ويتمثل في مقاطعة الانتخابات، لا سيما في حالة ما إذا زاد اقتناعها بعدم قدرته على تنفيذ وعوده، وهو خيار تبنته في السابق للتعامل مع القيود التي يفرضها النظام على تيار المعتدلين بشكل عام.

 وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن تلك الخطوات التي اتخذها روحاني في الفترة الأخيرة لا تضمن له تأييد الكتلة الإصلاحية والمعتدلة في الانتخابات الرئاسية، لا سيما في ظل عزوفه، أو بمعنى أدق عدم قدرته على فتح الملفات الأكثر أهمية بالنسبة لتلك الكتلة، والتي يمكن أن تؤدي إلى تصعيد حدة التوتر في علاقاته ليس فقط مع خصومه السياسيين وإنما أيضًا مع المرشد الأعلى علي خامنئي الذي يتبنى سياسة متشددة في التعامل مع تلك الملفات.