العروض - الدراسات

ثلاث مراحل:

استراتيجية شرق أوسطية للرئيس الأمريكي القادم

Ilan Goldenberg

الجمعة, 03 يونيو, 2016

ثلاث مراحل:

إعداد: محمود محسن

تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة من عدم الاستقرار غير المسبوق منذ اندلاع الثورات العربية في عام 2011، وتعاملت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع كل أزمة فيها على حدة، ولكن في العموم عانت الاستراتيجية الأمريكية في الإقليم عدداً من الثغرات، خاصةً في كل من سوريا والعراق، وهذه الثغرات تم استغلالها من قِبل تنظيم "داعش" والجماعات المتطرفة الأخرى. كما أن نهج أوباما الحذر في المنطقة، أصاب الكثير من حلفاء واشنطن بالحيرة، وجعلهم غير واثقين من دعم الولايات المتحدة لهم عندما يحتاجونها.

كل هذه النقاط كانت محور اهتمام "إيلان جولدنبرج" Ilan Goldenberg، مدير برنامج أمن الشرق الأوسط في مركز الأمن الأمريكي الجديد CNAS، في دراسته التي نشرها المركز تحت عنوان: "إعادة ضبط، التفاوض، إضفاء الطابع المؤسسي: استراتيجية تدريجية شرق أوسطية للرئيس القادم". ويوضح الكاتب في هذه الدراسة أسباب عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ويقترح استراتيجية من ثلاث مراحل للإدارة الأمريكية المقبلة للتعامل مع هذه المنطقة.

أسباب عدم الاستقرار في الشرق الأوسط

تشير الدراسة إلى أن هناك مُسببات رئيسية لما يواجهه الشرق الأوسط من اضطرابات في الوقت الراهن، وتتصدرها الحرب الأهلية والصراعات في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا. وتتمثل أسباب عدم الاستقرار، بحسب الدراسة، في الآتي:

1- انهيار سلطة الدولة وظهور الفراغ الأمني والحكومي:

يوضح "جولدنبرج" أن من أسباب انهيار الدولة ومؤسساتها في سوريا والعراق واليمن وليبيا، سوء الأوضاع التعليمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وهي الأمور التي شكلت وستظل تمثل تحديات لهذه الدول خلال السنوات القادمة، وهو ما يعني ضرورة إيجاد وسائل لتلبية احتياجات ورغبات مواطني تلك الدول.

وتستعرض الدراسة حالات انهيار الدولة ومؤسساتها باعتبارها أحد مسببات عدم الاستقرار في المنطقة، حيث تعتبر الحالة السورية المثال الأبرز على ذلك، فبعد اندلاع الثورة في عام 2011 كان الرد عنيفاً من قِبل نظام بشار الأسد، ما أدى إلى فقدان السيطرة على مناطق واسعه من البلاد، استغلتها مجموعات متطرفة مثل تنظيم "القاعدة" مُمثلة في "جبهة النصرة"، وتنظيم "داعش" وغيرها.

وامتد عدم الاستقرار إلى العراق، متأثراً بالأوضاع السورية، علاوة على ضعف الحكومة في بغداد. وفي اليمن، أدى الانقلاب الحوثي على الحكومة الشرعية إلى تزايد قوة الجماعات الإرهابية، ومنها "القاعدة" في منطقة حضرموت.

وفي ليبيا أيضاً، تحولت الانتفاضة في عام 2011 إلى حرب أهلية. والآن يحاول تنظيم "داعش" أن يُكوّن قاعدة آمنة له في ليبيا، والتي من الممكن أن تكون شبيهة لحالتي سوريا والعراق.

2- الصراع الإيراني – السعودي في المنطقة:

من وجهة نظر الكاتب، فإن الصراع الإيراني - السعودي يعد أحد الأسباب التي تزيد من حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. ويرى الكاتب أنه على الولايات المتحدة أن تواجه هذا التحدي، فكل من المملكة العربية السعودية وإيران لديه دوافع نحو السيطرة على مناطق نفوذ جديدة، واستغلال الفراغ الأمني والحكومي الحادث في المنطقة، وكلاهما في الوقت نفسه يخشى من فقدان السيطرة على مناطق نفوذه المعتادة لصالح الطرف الآخر، ما يدفع الطرفين في اتجاه إنهاء الصراعات الحالية على نحو يخدم مصالحهما، وهو الأمر الذي زاد من العنف في منطقة الشرق الأوسط- على حد ذكر الكاتب.

ففي سوريا، فإنه في الغالب سينهار نظام الأسد أو سيتم إجباره على ترك الحكم في حالة توقف إيران عن دعمه عسكرياً بصورة مباشرة. وقد قامت طهران وحلفاؤها بتدريب الآلاف من عناصر الميليشيات الشيعية لدعم قوات الأسد، وأرسلت إلى سوريا ما يقرب من 15 ألف فرد من الميليشيات الشيعية من العراق وأفغانستان وباكستان، بالإضافة إلى فيلق القدس، كما أرسل حزب الله حوالي ستة آلاف جندي مُدرب، ليقاتلوا بجوار الأسد.

في المقابل، تذكر الدراسة أن المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا ردت على هذه السياسات الإيرانية، وذلك بتقديم الدعم للجماعات المعارضة المسلحة في سوريا. وكانت نتيجة كل ذلك أن الحرب السورية التي كانت من المفترض أن تنتهي سريعاً، امتدت لأكثر من خمس سنوات، مع سقوط ما يقرب من 250 ألف قتيل.

وفي العراق، فإن الصراع السني - الشيعي مازال مشتعلاً، خاصةً بعد سيطرة "داعش" على الأجزاء الغربية من الدولة العراقية. وأدى هذا الصراع إلى انضمام كثير من السنة إلى صفوف "داعش"، وإرسال إيران، التي لاتزال لديها طموحات للسيطرة على العراق "الضعيفة"، مزيداً من الميليشيات الشيعية في مواجهة "داعش"، وهو ما يؤدي في النهاية إلى مزيد من الانقسام العراقي، وصعوبة بناء دولة موحدة.

وفي اليمن، أدى الصراع الإيراني - السعودي إلى اشتعال حرب أهلية، حيث قدمت طهران الدعم لميليشيا الحوثيين، وفي المقابل سعت السعودية وحلفاؤها إلى استعادة الشرعية في اليمن، والحفاظ على أمن هذا البلد الحيوي الذي يقع مباشرة على حدودها.

3- انكماش الدور الأمريكي في المنطقة:

ترى الدراسة أن ما يعتقده عدد من القوى الإقليمية حول انكماش الدور الأمريكي في المنطقة، هو أحد مُسببات حالة عدم الاستقرار في الإقليم، في ظل انتقال الولايات المتحدة للتركيز على منطقة آسيا والمحيط الهادي.

ومع ذلك، يؤكد "جولدنبرج" أن بعض ما تعتقده دول الشرق الأوسط إزاء واشنطن في هذا الشأن هو غير صحيح. ويدلل على ذلك بأن المخاوف الخليجية واعتبارها الاتفاق النووي للغرب مع إيران إشارة لتخلي الولايات المتحدة عن المنطقة، قد لا تكون مخاوف صحيحة، خاصةً مع تأكيدات إدارة أوباما أن هذا الاتفاق لا يعني أي تغير في السياسة الأمريكية تجاه إيران أو دول الإقليم.

الاستراتيجية الشرق أوسطية المقترحة للإدارة الأمريكية القادمة

يرى الكاتب أن مصالح وأهداف الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، تركز في الغالب على النقاط التالية:

- منع استهداف الهجمات الإرهابية للولايات المتحدة وشركائها في الإقليم.

- الحد من انتشار الأسلحة النووية وأسلحه الدمار الشامل في المنطقة.

- الحفاظ على الحلفاء الداعيين للاستقرار والسلام، خاصهً الحلفاء العرب.

- ضمان استمرار تدفق النفط من دول المنطقة، لحماية الاقتصاد العالمي.

وتشير الدراسة إلى أن التهديد الأكبر الذي يواجه كل هذه المصالح هو استمرار عدم الاستقرار في المنطقة، ولهذا فإن الهدف الأولي لأي استراتيجية أمريكية يجب أن يكون السعي نحو مزيد من الاستقرار. وتتكون الاستراتيجية المقترحة من عدة مراحل كالتالي:

المرحلة الأولى: إعادة صياغة المُدركات والحقائق على الأرض

ترى الدراسة أنه في هذه المرحلة يجب على الإدارة الأمريكية المقبلة أن تعيد صياغة أوضاع المنطقة، وهو الأمر الذي يتطلب تعاوناً مع الحلفاء لردع مطامع إيران، ما سيجعل شركاء الولايات المتحدة أكثر ثقة في قدرة الإدارة الجديدة على توفير الأمن، وتقليل حدة توتر وعسكرة المنطقة.

وبحسب الدراسة، تتضمن هذه المرحلة، التي تمتد من عام إلى ثلاث أعوام، عدداً من السياسات، وهي:

1- ملء الفراغ الأمني بالتعاون مع حلفاء واشنطن في المنطقة:

ففي سوريا يجب أن تتعاون الولايات المتحدة مع الأردن لدعم الجبهة الجنوبية، أو تطبيق حظر الطيران على هذه المنطقة. أما في الشمال الغربي، فينصح "جولدنبرج" الإدارة الأمريكية الجديدة بالتعاون مع تركيا والسعودية وقطر، وزيادة دور هذه الدول في دعم المجموعات المسلحة المعتدلة التي تحارب ضد الأسد أو "داعش".

ومع مرور الوقت، يمكن أن تتفاوض الولايات المتحدة مع روسيا لخلق مناطق آمنة في سوريا، ومنع استخدام القوات الجوية في المعارك، خاصةً في مناطق الجماعات المعتدلة.

وفي الأراضي التي يسيطر عليها "داعش" في العراق، يمكن للقوات الأمريكية دعم الجماعات السنية هناك، بموافقة الحكومة العراقية التي قد تكون لها تحفظات على دعم مثل هذه الجماعات.

وفي اليمن، ينصح الكاتب الولايات المتحدة بدعم جهود دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية لملء الفراغ الأمني في هذا البلد، ودعم قواتهما في الأماكن التي تمت استعادتها في جنوب اليمن، وتعزيز قدراتها القتالية، وتوفير معلومات استخباراتية لهجمات جوية أكثر تأثيراً ضد الميليشيات والتنظيمات الإرهابية في اليمن.

2- مواجهة النفوذ الإيراني في الإقليم:

يتعين على الإدارة الأمريكية القادمة الحد من تزايد نفوذ الحرس الثوري الإيراني ودعمه وكلاءه في الإقليم من ناحية، وأيضاً العمل على تهدئة مخاوف الشركاء الخليجيين من ناحية أخرى. وسيكون من شأن هذا الأمر إرسال إشارة مباشرة لدول الخليج وطهران بأن الولايات المتحدة مازالت موجودة في المنطقة.

وفي هذا الصدد، تقترح الدراسة أن تقوم الولايات المتحدة بتشكيل قوات مهمات متعددة الجنسيات من شركائها العرب، لمواجهة مخاطر تزايد النفوذ الإيراني أو الجماعات المتطرفة، بالإضافة إلى التعاون الأمني والاستخباراتي، كما يمكن لواشنطن العمل مع اسرائيل لمواجهة عمليات تهريب الأسلحة الإيرانية لحلفائها في سوريا وغزة.

3- الانخراط مع إيران في المصالح المشتركة:

على الرغم من مطالبة الولايات المتحدة بمنع تزايد نفوذ إيران في المنطقة، فإنه من ناحية أخرى يؤكد الكاتب أهمية النظر إلى المصالح الأمريكية المشتركة مع إيران، والتي لها الكثير من التأثير على استقرار المنطقة. إذ إن أغلب الصراعات في الشرق الأوسط تتطلب وجوداً إيرانياً لحلها، كما أن ثمة العديد من المصالح الأمريكية الأخرى مع طهران، ومن بينها فتح قنوات تواصل بين البلدين بخصوص أفغانستان لمواجهة تجارة المخدرات وخطر "طالبان" و"القاعدة" و"داعش" هناك.

ويقِّر الكاتب بوجود الكثير من العقبات التي قد تواجه التعاون الأمريكي - الإيراني في دولة مثل العراق، في ظل عدم ثقة الولايات المتحدة في ترك العراق لإيران، حيث قد يؤدي تزايد نفوذ الميليشيات الشيعية هناك إلى مزيد من الاحتقان السني – الشيعي، وظهور جماعات سنية متطرفة أخرى. وأيضاً في سوريا، تظل رؤية كل من إيران والولايات المتحدة متعارضتين.

المرحلة الثانية: التفاوض والاتفاق على إنهاء الصراعات

يرى الكاتب أن المرحلة الأولى من الاستراتيجية المقترحة هي الأصعب، إذ إنها ستعمل على تغيير المدركات والعمل على الأرض لتحقيق الاستقرار، ما يعني إنهاء الحروب الحالية التي في الغالب ستنتهي عبر اتفاقات سياسية.

وتكمن الإشكالية هنا في أن الواقع على الأرض غير ممهد لأي اتفاق سياسي حالياً، ولكن مع تطبيق هذه الاستراتيجية المقترحة فإنه من الممكن أن يكون ثمة اتفاق بحلول النصف الثاني من الفترة الرئاسية للرئيس الأمريكي القادم.

فعلى سبيل المثال في اليمن، يجب أن تركز الإدارة الجديدة على استمرار المفاوضات الجارية برعاية الأمم المتحدة بين أطراف الأزمة. وكذلك في ليبيا، يتعين أن تدعم دول الجوار المفاوضات والحل السياسي، خاصةً مصر بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي.

المرحلة الثالثة: إعادة بناء الأمن في المنطقة اعتماداً على الاتفاقيات

تتبلور المرحلة الثالثة التي يقترحها الكاتب في نهاية الاستراتيجية، حيث تحاول أن تضمن أمن واستقرار الشرق الأوسط عبر تحويل الاتفاقيات المفترض إبرامها إلى شكل مؤسسي عبر تأسيس منتدى للتعاون الأمني بين دول المنطقة، يتضمن القوى الإقليمية المؤثرة وكذلك القوى الدولية. وسيسعى هذا المنتدى المُقترح إلى إيجاد ساحة للتفاوض وحل النزاعات بشكل سلمي، وسيركز على مناقشة عدد من القضايا الرئيسية، أهمها العمل على إعادة بناء الدول المُمزقة من الحروب، وتقليل التنافس بين القوى في المنطقة، والحد من وجود الإرهابيين والمقاتلين الأجانب، وتوقف الدول عن دعم وكلائها، وضمان حرية الملاحة خاصةً في الخليج العربي وقناة السويس وباب المندب.

ويؤكد الكاتب أن هذا النوع من التعاون قد يتطلب سنوات ليتم تفعيلة، ومن الصعب البدء فيه في الوقت الراهن، لأنه يحتاج إلى حالة من الاستقرار في المنطقة، وبالتالي فأي محاولة لتفعيلة أو بنائه الآن قد تبوء بالفشل.

ومن وجهة نظر الدراسة، ثمة نموذج يمكن الاعتماد عليه لتفعيل مثل هذا التعاون في الشرق الأوسط، وهي مفوضية الأمن والتعاون في أوروبا التي تهدف إلى منع نشوب الصراعات، والحد من التسلح.

* عرض مُوجز لدراسة بعنوان: "إعادة ضبط، التفاوض، إضفاء الطابع المؤسسي: استراتيجية تدريجية شرق أوسطية للرئيس القادم"، والصادرة في شهر أبريل 2016 عن مركز الأمن الأمريكي الجديد CNAS.

المصدر:

Ilan Goldenberg, "Reset, Negotiate, Institutionalize: A Phased Middle East Strategy for the Next President", (Washington: center for new American security, April 2016).