ملفات المستقبل

سنوات العزلة:

ما وراء انسحابات إدارة "ترامب" من الاتفاقات الدولية؟ (ملف)

الثلاثاء, 05 فبراير, 2019

سنوات العزلة:

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

منذ حملته الانتخابية في عام ٢٠١٦، أعلن "دونالد ترامب" معارضته للكثير من الاتفاقيات والالتزامات الدولية والثنائية التي عقدها الرؤساء الأمريكيون -الديمقراطيون والجمهوريون- السابقون، لأنها -من وجهة نظره- تقوض تحرك الولايات المتحدة دوليًّا، وكذلك مصالحها الاقتصادية والأمنية. 

ومع أول عام له في البيت الأبيض، أعلن الرئيس "ترامب" انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس حول المناخ التي وقعت عليها واشنطن في ٢٠١٥، لمعارضتها المصالح الاقتصادية الأمريكية، وكذلك اتفاق الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية عبر المحيط الهادئ، التي وافق عليها الرئيس السابق "باراك أوباما" في 2015 مع 12 دولة. 

واتساقًا مع شعار "أمريكا أولًا" الذي يرفعه الرئيس الأمريكي، انسحبت الولايات المتحدة من منظمات دولية متعددة الأطراف؛ لأنها -وفقًا له- لا تتفق مع المصالح الأمريكية. ففي إطار انتقاداته المتكررة لاتخاذ منظمة الأمم المتحدة قرارات تتعارض مع السياسة الخارجية الأمريكية، أعلن الرئيس "ترامب" الانسحاب من منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو)، وتخلي الولايات المتحدة عن عضويتها في مجلس حقوق الإنسان الدولي التابع للمنظمة الأممية، لرفض الإدارة الأمريكية سياساتهما تجاه إسرائيل، وكذلك وقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".

وعلى خلفية شروع فلسطين في رفع قضية أمام محكمة العدل الدولية ضد الولايات المتحدة للحصول على فتوى قانونية بعدم مشروعية قرار الرئيس الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في السادس من ديسمبر ٢٠١٧ (قد تم تنفيذه في الرابع عشر من مايو ٢٠١٨) لمخالفته قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي؛ أعلن مستشار الأمن القومي "جون بولتون" انسحاب واشنطن من البروتوكول الملحق باتفاقية فيينا لحل النزاعات بالطرق السلمية.

وفي الثامن من مايو الماضي أعلن الرئيس "ترامب" الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني بين طهران ومجموعة (٥+١)، حيث يراه أسوأ اتفاق في تاريخ الولايات المتحدة، ويصفه بـ"الكارثي". وعلى إثر الانسحاب أعادت الإدارة الأمريكية فرض العقوبات مجددًا على النظام الإيراني، لدفعه إلى تغيير سلوكه، انطلاقًا من أن سياساتها تركز ليس فقط على البرنامج النووي الإيراني، ولكن على الدور الإقليمي لطهران المزعزع للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

وكانت آخر حالات التراجع الأمريكي عن الالتزامات الدولية والثنائية، إعلان الولايات المتحدة عزمها الانسحاب من معاهدة الصواريخ متوسطة المدى مع روسيا، التي وُقعت عام 1987، ما ينذر بعودة سباق تسلح بين واشنطن وموسكو مجددًا كما كان الحال خلال مرحلة الحرب الباردة. 

وتهدف الإدارة الأمريكية من قراراتها بالانسحاب أو التهديد بالانسحاب من الاتفاقيات الدولية بدون الحوار مع شركائها الدوليين إلى الحصول على أفضل المكاسب الممكنة عن طريق إعادة التفاوض حول تلك الاتفاقيات، لكنها -في حقيقة الأمر- لم تُقدّم تصورًا بديلًا للاتفاقيات التي تنسحب منها يوفر مصالح أفضل من تلك التي وفرتها الاتفاقيات السابقة.

ومع تعدد حالات الانسحاب الأمريكي من الاتفاقيات والالتزامات الدولية، وكذلك المنظمات متعددة الأطراف؛ فإنها أضحت أحد الملامح الأساسية للسياسة الخارجية لإدارة الرئيس "دونالد ترامب"، التي تتجاوز التخلص من إرث الرئيس السابق "باراك أوباما" كما تشير الكثير من التحليلات الأمريكية، بل إنها محاولة لإعادة صياغة التوجهات الأمريكية على الصعيدين الداخلي والخارجي على حد سواء، لتأثير تلك الالتزامات الدولية سلبيًّا -وفقًا للإدارة الحالية- على المصلحة والأمن القومي الأمريكي.

بيد أنها -في الوقت ذاته- تؤثر على مصداقية الولايات المتحدة، والتزاماتها الدولية، بما يؤثر في التحليل الأخير على الدور الأمريكي وقيادتها للنظام الدولي الذي أسسته في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث إن الانسحاب من المنظمات والاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف يقوض المؤسسات والقيم العالمية التي أسس عليها النظام الراهن الذي يخدم بالأساس المصالح الأمريكية، ما يؤثر على مصالح الولايات المتحدة دوليًّا وكذلك على الأمن والاستقرار الدوليين. 

وعليه يناقش هذا الملف الذي يضم تحليلات وتقديرات نُشرت على الموقع الإلكتروني لمركز "المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة"، حالات الانسحاب الأمريكي من الاتفاقيات والالتزامات الدولية، وتأثير ذلك على الأمن والاستقرار النظام الدولي الراهن.