ملفات المستقبل

ملء الفراغ:

مستقبل الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط (ملف خاص)

السبت, 31 مارس, 2018

ملء الفراغ:

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

بعد ما يقرب من عقدين من انهيار الاتحاد السوفيتي السابق وانتهاء الحرب الباردة، بدأت روسيا تحت حكم الرئيس "فلاديمير بوتين"، الذي سيستمر في منصبه حتى عام ٢٠٢٤ بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في الثامن عشر من مارس الجاري، تستعيد دورها كقوة كبرى في النظام الدولي، والذي يتعاظم مع تراجع القوة الأمريكية، والهيمنة الأحادية على هذا النظام منذ بداية تسعينيات القرن المنصرم. وهذا الدور سيتزايد خلال السنوات القادمة مع تخلي الولايات المتحدة عن دورها كقائدة للنظام الدولي الليبرالي خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي تنظر إلى موسكو على أنها قوة تعديلية في النظام الدولي مثل الصين، وأنها تسعى إلى إحداث تعديلات في قيم ومبادئ النظام القائم ومؤسساته بما يُعزز من دورها العالمي ومصالحها.

وفي ظل الانكفاء الأمريكي عن منطقة الشرق الأوسط خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما في إطار استراتيجيتها للتوجه تجاه آسيا لإعادة توزان القوى الذي أضحى في غير صالح واشنطن مع الصعود الصيني الاقتصادي والعسكري المتنامي إقليميًّا ودوليًّا، شرعت روسيا في تعزيز نفوذها في المنطقة لملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة، ليصبح الرئيس الروسي لاعبًا رئيسيًّا في الأمن الإقليمي، وخاصة في أعقاب التدخل العسكري في سوريا منذ عام ٢٠١٥ لدعم نظام بشار الأسد، والذي كان مفاجأة للكثيرين، لأن موسكو لم تستخدم القوة العسكرية للانخراط في نزاعات المنطقة منذ عقود. 

ولا تتبنى الاستراتيجية الروسية في المنطقة أجندة أيديولوجية كالتي تبناها الاتحاد السوفيتي السابق، كما أنها لا ترغب في إزاحة الولايات المتحدة بصورة كاملة من منطقة الشرق الأوسط؛ لأن واشنطن لا تزال تضمن جزءًا كبيرًا من الأمن الإقليمي بالمنطقة، بما يخدم في التحليل الأخير المصلحة والدور الروسيين في الشرق الأوسط.

ولا يأتي الاهتمام الروسي بالمنطقة من منطق ملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة خلال السنوات الثماني الماضية فقط، لكنه جاء في إطار إعادة تشكيل التوجهات الروسية، وفقًا لمقاربة الجغرافيا السياسية للطاقة ودبلوماسية الطاقة التي من شأنها تعزيز مصالح روسيا الإقليمية والدولية، ودورها العالمي، وسيطرتها على إنتاج الطاقة. ولهذا، أضحى الشرق الأوسط يحتل مكانة متميزة في السياسة الخارجية الروسية.

واعتمدت الاستراتيجية الروسية في المنطقة على بناء تحالفات صلبة مع عدد الفاعلين الإقليميين الذين يغردون خارج السرب الأمريكي. وتتمحور تلك التحالفات حول إيران ونظام الأسد في سوريا، إضافة إلى الميليشيات الشيعية المسلحة بالمنطقة، وعلى رأسها "حزب الله" اللبناني. ومن خلال تلك التحالفات استطاعت موسكو فرض وجودها الفعال في عديد من ملفات الصراع في الإقليم، خاصة في الأزمة السورية. 

وقد هدفت تلك الاستراتيجية إلى تحدي الولايات المتحدة وحلفائها جغرافيًّا وسياسيًّا، وفتح أسواق جديدة لمنتجاتها وأسلحتها بالمنطقة. ولهذا لم يكن من المستغرب أن يعلن عن أن سوريا ستكون مركزًا لتوزيع القمح الروسي في منطقة الشرق الأوسط في ظل احتياطات موسكو الكبيرة من القمح التي تحتاج إلى سوق تصريف. 

وبالتزامن مع التقارب السياسي والعسكري بين روسيا وبعض القوى الإقليمية، والذي يأتي في إطار تصاعد الدور الروسي في المنطقة، لا سيما بعد التدخل العسكري في الأزمة السورية بداية من سبتمبر ٢٠١٥، عززت الشركات الروسية في الآونة الأخيرة من حضورها بأسواق الشرق الأوسط، حيث أثبتت حضورًا جديًّا في قطاعات عدة، مثل الطاقة النووية، بجانب النفط والتعدين وغيرها، وهو الذي يحقق مكاسب اقتصادية وتجارية للشركات الروسية في وقت يعاني فيه الاقتصاد الروسي من صعوبات حادة نتيجة تراجع أسعار النفط، بجانب العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب سياستها التي تهدد الأمن الأوروبي وحلف شمال الأطلنطي (حلف الناتو).

وبالتوازي مع استعادة روسيا نفوذها في منطقة الشرق الأوسط بالانخراط الفاعل في أزمات المنطقة، وسياسات استعادة مكانتها في النظام الدولي عبر تعزيز تحالفاتها مع القوى الصاعدة خاصة الصين، وحماية العمق الاستراتيجي من الاختراق الغربي؛ فإنها تركز على تحصين الداخل، والحفاظ على استقرار وتماسك الاتحاد الروسي من خلال تحسين أداء الاقتصاد الروسي، والتصدي للتهديدات الأمنية، خاصة التطرف والإرهاب.

يُناقش هذا الملف، الذي يضم تحليلات وتقديرات وعروض دراسات وتقارير غربية نشرت على الموقع الإلكتروني للمركز، وتحليلات بدورية "اتجاهات الأحداث"، كيف استفادت روسيا من السياق الحالي في منطقة الشرق الأوسط لتعزيز نفوذها بالمنطقة، وما هي المكاسب التي تحققها موسكو من عودة الانخراط المباشر في قضايا وأزمات المنطقة، وكيف تعمل على صون تلك المكاسب، وشكل علاقاتها مع القوة الإقليمية والدولية الفاعلة بالمنطقة، والتي تسعى إلى تحقيق مصالح تتعارض مع نظيرتها الروسية. وأخيرًا دور الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في استعادة روسيا إرث الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى في النظام الدولي، ودور المنطقة في تعزيز الدور العالمي الذي تطمح إليه موسكو.