ملفات المستقبل

عفرين نموذجًا:

السياسة التركية " الخشنة" لرسم خرائط النفوذ بالإقليم (ملف)

الخميس, 22 فبراير, 2018

عفرين نموذجًا:

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

تُظهر متابعة السياسة الخارجية التركية تجاه أزمات منطقة الشرق الأوسط، استغلالَ أنقرة للتطورات الجارية في المنطقة بحثًا عن الدور والنفوذ عبر نسج التحالفات مع القوى الإقليمية والمحلية، وانتهاج تلك السياسة (القوة الخشنة Hard Power) للتأكيد على دورها كدولة إقليمية كبرى لا يمكن تجاهل دورها في الأحداث الجارية، في ظل محاولة القوى الدولية إعادة رسم خريطة النفوذ بالمنطقة.

وفي ترجمة لهذا التوجّه، شنت تركيا هجومًا على عفرين السورية في إطار ما يُعرف بعملية "غصن الزيتون" لقمع قوات سوريا الديمقراطية التي تُهيمن عليها وحدات "حماية الشعب" الكردية المتهمة بتهديد الشريط الحدودي الجنوبي لتركيا، والتي تعتبرها أنقرة الذراع العسكري السوري لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا والولايات المتحدة بأنه منظمة إرهابية.

وتُمثّل الحملة العسكرية التركية في عفرين امتدادًا للتدخل العسكري لأنقرة في سوريا، والذي بدأ منذ أغسطس 2016 بإطلاق عملية "درع الفرات" بهدف طرد تنظيم "داعش" من مدينة "جرابلس"، ودفعه بعيدًا عن الحدود التركية باتجاه الجنوب، ومنع الميليشيات الكردية من تحقيق تواصل جغرافي بين الأراضي التي تسيطر عليها في شمال سوريا، ثم انتشار قوة عسكرية تركية في أكتوبر 2017 في محافظة إدلب في إطار اتفاق "مناطق خفض التصعيد" في سوريا الذي تقرر خلال محادثات أستانة.

وستُعيد الحملة العسكرية التركية على عفرين صياغة موازين القوى داخل سوريا، بما يؤثر في التحليل الأخير على ترتيبات تسوية الصراع الدائر منذ سبع سنوات. ولهذا، أثارت قلق إيران التي لم تدعم الهجوم التركي، وفي الوقت ذاته امتنعت عن دعم وحدات حماية الشعب الكردية، حيث ترى طهران أن التدخل العسكري التركي في سوريا يُعقّد الأوضاع المتأزمة بالفعل، ولذلك ندد الزعماء الإيرانيون، ومن بينهم الرئيس حسن روحاني، بالحملة العسكرية التركية التي أدت إلى تقويض المحادثات بين روسيا وتركيا وإيران حول مستقبل سوريا السياسي.

ودفع تخلي الإدارة الأمريكية عن دعم وحدات حماية الشعب، التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة في هزيمة تنظيم "داعش" الإرهابي بمدينة الرقة السورية، الميليشيات الكردية السورية إلى اللجوء للنظام السوري لدعمها في مواجهة الهجمات العسكرية التركية. ولذا، يتوقع أن تأخذ الحملة العسكرية التركية في شمال سوريا منحى تصعيديًّا بعد انتقال ميليشيات موالية للنظام السوري إلى مدينة عفرين، لتعزيز الفصائل الكردية السورية التي تسيطر على المنطقة الواقعة بالقرب من الحدود التركية الجنوبية، وهو الأمر الذي أثار غضب القيادة التركية، حيث وصف الرئيس "رجب طيب أردوغان" تحرك الحكومة السورية بأنه تصرف "إرهابي".

ويُمثّل وصول قوات النظام السوري إلى عفرين تطورًا جيوسياسيًّا آخر في الصراع السوري الذي يزداد تعقيدًا بمرور الوقت، لأن بعضها يدين بالولاء لإيران، ما يؤشر إلى أن الضربات العسكرية التركية في عفرين تستهدف ميليشيات موالية للرئيس "بشار الأسد"، والمرتبطة بإيران، وتتعاون مع وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة من الإدارة الأمريكية التي تعارض كلًّا من حكومة الأسد والوجود الإيراني في سوريا.

لكن التدخل التركي في سوريا ضد الأكراد يُمثِّل مصلحة لروسيا التي دعمت الحملة العسكرية على عفرين بسحب قواتها وفتح المجال الجوي السوري أمام الطائرات التركية لشن هجومها على المدينة، لأنها ستستنزف قدرات أكراد سوريا، وفي الوقت نفسه تقليص الدور الأمريكي في تسوية الأزمة السورية.

يركز هذا الملف الذي يضم تحليلات وتقديرات نشرت على الموقع الإلكتروني للمركز، على أسباب استخدام تركيا للقوة الخشنة في أزمات الإقليم، وأهداف التدخل العسكري في مدينة عفرين، ومآلات التدخل العسكري التركي في الأزمة السورية، ومواقف القوى الإقليمية (إيران) والدولية (فرنسا، والولايات المتحدة، وروسيا) من العملية العسكرية التركية.