ملفات المستقبل

رؤى "المستقبل":

من يقود التغيير الأمريكي القادم.. كلينتون أم ترامب؟ ( ملف)

الأربعاء, 02 نوفمبر, 2016

رؤى "المستقبل":

إعداد: عمرو عبدالعاطي – باحث متخصص في الشئون الأمريكية

على عكس كثير من انتخابات الدول الديمقراطية التي لا يهتم بها غير ناخبيها، يهتم مواطنو دول العالم من الشرق إلى الغرب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية كل أربع سنوات ونتائجها، ومَنْ سيكون الساكن الجديد للبيت الأبيض، وما هي رؤيته للمنطقة التي يعيشون فيها وقضاياها، وذلك لأهمية الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية عالميًّا، لا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق في بداية تسعينيات القرن المنصرم، وهيمنتها على قيادة النظام الدولي، ولما لقراراتها من تأثير على مصير الدول وحياة شعوبها. لذا لم يكن من المستغرب مدى الاهتمام الكبير الرسمي والشعبي بالانتخابات الأمريكية، الأمر الذي دفع مسئولين وقيادات إلى عقد لقاءات مع المرشَّحَيْن الرئاسِيَّيْن عن الحزبين الكبيرين (الديمقراطي والجمهوري)، فضلا عن الاهتمام الشعبي بالمناظرات الانتخابية رغم تركيزها على قضايا داخلية تهم الناخب الأمريكي في الأساس، والذي له الحق وحده في اختيار رئيسه القادم.

وتختلف الانتخابات الرئاسية الأمريكية هذا العام عن غيرها من الانتخابات السابقة في عدة أمور:

أولا: الناخب الأمريكي في الثامن من نوفمبر الجاري باختياره الرئيس الأمريكي القادم سيخط فصلا جديدًا في التاريخ السياسي الأمريكي، فبعد ثماني سنوات من انتخاب أول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2008، سيكون الناخب الأمريكي أمام اختيار أول سيدة لمنصب الرئيس، أو أول رجل أعمال ملياردير يملك سلسلة من الفنادق والكازينوهات يدخل البيت الأبيض في العشرين من يناير القادم، وفي حال فوز المرشح الجمهوري بمنصب الرئيس فإنه سيكون أكبر رئيس في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، حيث بلغ من العمر في الرابع عشر من يونيو الماضي سبعين عامًا، وقد كان الرئيس الأمريكي "دونالد ريجان" مع بداية حكمه في عام 1981 أكبر رئيس أمريكي عن عمر يناهز 69 عامًا. 

ثانيًا: تكشف المنافسات الانتخابية بين مرشحي الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) للحصول على بطاقة الحزب في الانتخابات الرئاسية، عن حالة سخط شعبي من السياسيين التقليديين في الولايات المتحدة، وحال نفور شعبي عارم من قراراتهم وإدارتهم للعملية السياسية الأمريكية. فقد شهدت المرشحة الديمقراطية "هيلاري كلينتون" منافسة شرسة مع منافسها ذي التوجهات اليسارية "بيري ساندرز" الذي نادى بسياسات اقتصادية واجتماعية تتعارض مع الخطاب السياسي الأمريكي وخطاب الحزب الديمقراطي، وهو ما يلقى قبولا من الناخبين الشباب. وكذلك فوز المرشح الجمهوري "دونالد ترامب" الذي يأتي من خارج العملية السياسية الأمريكية على كبار أعضاء النخبة الجمهورية، ومن لهم خبرة طويلة في العمل السياسي الأمريكي، ليقتنص بطاقة الحزب على عكس كثير من التوقعات الأمريكية.

ثالثًا: استمرار المرشح الجمهوري "ترامب" في السباق الرئاسي الأمريكي، وذلك على الرغم من كمية الفضائح الجنسية التي طالته، وتصريحاته التي تزدري المرأة والأقليات من السود وذوي الأصول اللاتينية والمسلمين، وتبني سياسات إقصائية تُهدد تماسك المجتمع الأمريكي الذي يقوم على صهر الأقليات التي تعد أحد مصادر قوة الولايات المتحدة الأمريكية. 

وتسببت تصريحات "ترامب" الإقصائية وتصرفاته المتهورة في تصدره كافة التغطيات الإخبارية الأمريكية، وهو ما أحدث تحولاً في إدارة الحملات الانتخابية، فبدلا من سعي المرشح وراء الإعلام ودفع أموال لتغطية أخباره الانتخابية سعى الإعلام إلى تغطية ما يقول لما تحمله من إثارة، الأمر الذي دفع الكثيرين للتحدث عن "ظاهرة ترامب" في الحياة السياسية الأمريكية، وكيف أنها سوف تُحدث تحولات في العمل السياسي الأمريكي خلال السنوات القادمة لنشهد أمريكا جديدة غير التي كانت قبل ترشح "ترامب".

رابعًا: تفكك مفهوم المؤسسة الحزبية والانتماء الحزبي، والذي يظهر بصورة جلية داخل الحزب الجمهوري. فمع تصريحات "ترامب" الإقصائية وسقطاته الأخلاقية أعلن عديد من المسئولين الجمهوريين السابقين، وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي الأسبق "جورج بوش" الأب، وكثيرون من أعضاء إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق "جورج دبليو بوش"، وكثير من أعضاء الحزب الجمهوري، أنهم سيصوتون للمرشحة الديمقراطية "هيلاري كلينتون". 

وقد وصل حد الانقسام الحزبي إلى انصراف كبار أعضاء الحزب الجمهوري عن دعم مرشح الحزب، ليدخل الحزب في دوامة هجوم متبادل بين "ترامب" وقيادات حزبية جمهورية، وكانت أوضح صورها في التصريحات المضادة بين المرشح الجمهوري ورئيس مجلس النواب الجمهوري "بول ريان"، وهو ما يضع الحزب في مأزق خلال انتخابات الكونجرس، مع تصاعد تقديرات بأن يخسر الأغلبية في مجلسي الكونجرس (مجلس الشيوخ والنواب)، وأن تفوز "هيلاري" بالرئاسة وحزبها بمجلسي الكونجرس، ليُعيد الديمقراطيون السيطرة على المؤسستين التنفيذية والتشريعية بعد خسارتهم في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في عام 2010.

وفي الشرق الأوسط يثور تساؤل بين الكثير من الخبراء والمسئولين حول مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية للإدارة الجديدة، وما إذا كانت ستتبنى ذات السياسة الخارجية لإدارة الرئيس "باراك أوباما" في المنطقة التي انطلقت من قناعة رئيسية بأن أزمات المنطقة لا تُشكل تهديدًا جديًّا للمصالح والأمن القومي الأمريكي، وأنها نتاج سياسات الأنظمة العربية، ولذا فإن عليها تحمل عبء حلها، وتكلفة أمن واستقرار المنطقة. 

ولكن هذا لم يعنِ الانكفاء الكامل عن المنطقة، وإنما كان انسحابًا "منضبطًا" -بحسب كثير من التحليلات الأمريكية- سمح لها بالتدخل في حالة الأزمات التي تهدد حلفاء الولايات المتحدة أو مصالحها الحيوية في المنطقة. وفي مقابل الانسحاب تبنى "أوباما" استراتيجية الموازنة من الخارج Offshore Balancing بخلق قوتين بعد الاتفاق النووي الإيراني توازنان بعضهما، وهما: (إيران) من جانب و(الدول الخليجية) مع إضافة مصر وتركيا إليها من جانب آخر، ولكنه فشل حتى الآن في تحقيقه.

يركز هذا الملف الذي يضم مجموعةً من التحليلات التي كُتبت خصيصًا له، وبعض التحليلات بمجلة "اتجاهات الأحداث"، على مدى التغيير الذي أحدثته الانتخابات الرئاسية الأمريكية هذا العام في الحياة السياسية الأمريكية، لا سيما مع ما أضحى يُطلَق عليه "ظاهرة ترامب"، والتحديات الداخلية التي ستواجه الرئيس الأمريكي القادم والخارجية، ومدى التغيير في السياسة الخارجية الأمريكية في حال فوز "هيلاري" في انتخابات الثامن من نوفمبر، بحسب كثير من التحليلات والتقديرات الأمريكية. وأخيرًا هل يمثل صعود نجم "ترامب" في الحياة السياسية الأمريكية عودة للتيار "الشعبوي" الذي يتصاعد مؤخرًا في الدول الأوروبية؟!.