الأنشطة - لقاءات المستقبل

المنظور الثقافي:

كيف يرى الغرب الإسلام والمسلمين الآن؟

الأربعاء, 04 فبراير, 2015

المنظور الثقافي:

استضاف مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة الأستاذ ممدوح الشيخ، مدير المركز الدولي للأبحاث والاستشارات والتوثيق بالقاهرة، والخبير المتخصص في الفكر السياسي الإسلامي، يوم 29 يناير 2015، في لقاء عام ألقى خلاله الضوء على تساؤل مركزي هو: كيف يرى الغرب الإسلام والمسلمين في الوقت الراهن؟.

رصد المحاضر مجموعة متنوعة من العوامل، التاريخية والراهنة، التي تشكل رؤية الغرب للإسلام والمسلمين عامة، ومن أبرزها: خريطة الجغرافيا الدينية، وانتشار الصهيونية في أوروبا بعد ظهور المطبعة، ووجود جيل من المهاجرين المسلمين إلى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والإرث التاريخي المعقد، والإعلام المتطرف، وتصاعد الأزمات الاقتصادية في العالم، وما أعقبها من ميول غير محبذة للأجانب والمهاجرين.

من الجغرافيا الدينية إلى الدول المدن

أكد الشيخ ضرورة استكشاف الحضارة الغربية من منظور معرفي وثقافي، حيث غلبت فكرة الجغرافيا الدينية على العالم في العصور السابقة، وارتبط ذلك بالتحيز الجغرافي وارتباط دين أو مذهب بمنطقة معينة، فقارة أوروبا كانت كاثوليكية بالكامل حتى ظهور المذهب البروتستانتي.

وفي هذا الصدد يتغافل الأوروبيون عن احتلالهم دولاً عربية وإسلامية، ولا ينسون أن المسلمين شكلوا القوة العسكرية الوحيدة التي دقت أبواب العواصم الأوروبية تاريخياً، فقد احتل العثمانيون جزيرة البلقان ووقفوا عند أبوب فيينا، إلى جانب الوجود العربي في الأندلس، وهو إرث كونته أوروبا ليشكل نظرة متشككة وأحياناً عدائية تجاه الإسلام والمسلمين.

وأشار الشيخ إلى مثال صارخ يؤكد هذه النظرة، فقد نشرت إحدى الصحف الفرنسية عقب تأميم جمال عبدالناصر قناة السويس عام 1956 مقالاً بعنوان: "أين أنت يا شارل مارتال؟!"، حيث استدعى المقال القائد شارل مارتال الذي أوقف زحف الإسلام من الأندلس إلى أوروبا، على الرغم من أن الأمر كان يتعلق بحق مصر في قناة السويس لا أكثر.

المثال الآخر يرتبط بما أطلق عليه "الشيخ" أسطورة دراكولا (المعروف باسم مصاص الدماء)، وهو ما يحمل منطق الأسطورية في نظرة الغرب للإسلام، فدراكولا هو أمير روماني واجه الغزو العثماني بشراسة، وأضحى بطلاً تاريخياً لأنه أوقف زحف المسلمين، وتحول إلى مصاص دماء بسبب وحشيته في القضاء على خصومه، مع أن الحقيقة هي أنه أخذ الوصف لأنه كان يتبنى فكرة تقوم على وجود المجتمع القوي المحارب، فتخلص من كبار السن والمرضى والضعفاء لأنهم يمثلون عائقاً أمام خوض الحروب، واشتهر عنه أنه كان يدعو الفقراء إلى مأدبة غداء ويدس لهم السم ليلقوا حتفهم، ولذا لقب بـ"مصاص الدماء".

إن هذه التوجهات الغربية تنقلنا إلى كيفية تشكيل العقلية الغربية تجاه الإسلام عبر المناهج الدراسية والتعليم، فهي تشكل المصدر الأول لتوجهات وأفكار الشخص ورؤيته للإسلام والمسلمين بصفة عامة؛ إذ تستحضر هذه المكونات رموزاً وأفكاراً في الوجدان الغربي مأخوذة من العصور الوسطى تساهم في رؤية الفرد الغربي السلبية للإسلام والمسلمين.

الحرب العالمية.. ومتوالية الجيل الثالث

أما في العصر الحديث، وتحديداً خلال القرن الماضي، فقد حدث تحول كبير في الرؤى الأوروبية، إذ اختفت فكرة الجغرافيا الدينية بعد وصول المسيحية للصين واحتضان كوريا الجنوبية لأهم المبشرين بالمسيحية في الوقت الراهن، إلى جانب تحول أمريكا اللاتينية من الكاثوليكية إلى البروتستانتية بسبب درجات الحريات المختلفة بين المذهبين.

في هذا الإطار تشكلت جغرافيا دينية جديدة في أعقاب الحرب العالمية الأولى التي شهدت تحالفاً ألمانياً تركياً لاتزال تداعياته واضحة حتى الآن، فقد سمح هذا التحالف بأن يصبح الألمان من ذوي الأصول التركية يشكلون النسبة الأكبر في معدل النمو الديموغرافي في عام 2014، وذلك بسبب موجات الهجرة التركية لألمانيا، والتي بدأت مع نشأة هذا التحالف.

أما الحرب العالمية الثانية فقد مثلت تحولاً آخر ساهم في تغيير نظرة العالم الأوروبي للإسلام؛ فمع ظهور مشروع مارشال لإنقاذ الاقتصاد الأوروبي من خلال استقدام عمالة رخيصة من مستعمرات أوروبا في الهند وأفريقيا، وبدأت أوروبا تشهد وجوداً سكانياً جديداً مختلفاً دينياً وثقافياً وفكرياً، تمثل فيما أطلق عليهم "العمال الضيوف"، واعتقد الأوروبيون في البداية أن وجودهم مؤقت لأنه مرتبط فقط بالإعمار وبناء الاقتصاد من جديد، إلا أن ذلك لم يتحقق؛ فالتاريخ لا يسير دائماً وفقاً للتصورات.

وتمثل  تطور المهاجرين عبر ثلاثة أجيال مختلفة، وهي:

الجيل الأول؛ والذي شعر بالخوف ومال دائماً للاندماج مع المجتمع كما هو من دون أي تغيير.

الجيل الثاني؛ والذي اندمج مع المجتمع، لكنه أخذ وقتاً أطول ليتغير.

الجيل الثالث؛ والذي يمتلك مقومات تعليمية وثقافية جعلته أكثر ثقة وقوة، وبدأ يسعى للبحث عن هويته الأولى لإثبات الذات في المجتمع الغربي، خاصة مع تصاعد النزعات التي تعتبرهم دخلاء على الغرب على الرغم من مولدهم فيه.

واعتبر الشيخ أن جزءاً من أزمة المسلمين في أوروبا اليوم يرتبط بالأزمة الاقتصادية، فالمواطن الغربي لا يتقبل أن يحصل مسلم على وظيفه، بينما هو عاطل، فالمسلم أو الأجنبي عامة أخذ حقه حتى لو كان يحمل نفس جنسيته، وهو وتر يلعب عليه اليمين المتطرف بقوة من أجل مكاسب سياسية.

الهوية الأوروبية والقيم الانجلوسكسونية

أشار المحاضر إلى أن الروافد الثقافية في الغرب مهمة جداً في رؤيته للإسلام، فأوروبا تتحكم بالهوية (شارات الهوية)، فالهوية في المجتمع الغربي تمثل أكبر من معناها المباشر، فهي البطل الذي تثار من أجله المعارك. وهنا يظهر الاختلاف بين المجتمعات الأوروبية والمجتمعات الأنجلوسكسونية؛ فبينما تهتم أوروبا بالهوية تهتم أمريكا بالقيم الجمهورية، ويتضح الخلاف بينهما مثلاً، في موقف الولايات المتحدة من قانون تحريم الحجاب بفرنسا عندما أدانته الخارجية الأمريكية ووصفته بأنه غير مقبول لتقييده الحريات. وعلى الرغم من الاتفاق السياسي والأيديولوجي بين الطرفين؛ فإن تداول الحريات مختلف باختلاف المرجعية الفكرية لكل منهما (الهوية في مقابل القيم).

وبناء على ذلك يرى الشيخ أن جزءاً كبيراً من المشكلة بين الغرب والإسلام وتنامي أسباب التطرف، يرتبط بالخلاف حول حدود الأشياء، فالتعددية الثقافية المرتبطة بالقيم يقبلها الأنجلوسكسوني ولكن لا يقبلها الأوروبي.

الأخطاء المشتركة.. ونظرة الغرب للمسلمين

أكد المحاضر أن النظرة العنصرية للإسلام يتحمل جزء منها المسلم الذي ذهب لأوروبا بأفكار عدائية للغرب الذي يصمه بالكفر ويفضل التأويلات الفقهية المتطرفة، فيما يتحمل الغرب الجزء الآخر بسبب النظرة الأوروبية غير الحيادية للإسلام، وإلقاء اللوم من السياسيين في أي قضية على المسلمين، بينما يمتلك العرب عبئاً تاريخياً ثقيلاً يتصل بالاستعمار والصراع الدائم مع إسرائيل والأفكار الدينية التي تؤثر على رؤية العرب للغرب بصورة غير واقعية في أغلب الأوقات.

كما يتحمل الإعلام من الطرفين جزءاً كبيراً من المسؤولية، فتشهد الساحة الإعلامية الأوروبية كثيراً مناقشات غير موضوعية من خلال استضافة من يطلق عليهم "الخبراء الوهميون" للحديث عن الإسلام مع أنهم غير متخصصين، ليؤججوا كراهية ثقافة المسلمين.

وفي المقابل تعتمد ثقافة معظم المجتمعات العربية على الاستماع من وسائل الإعلام من دون اطلاع، وهو ما جعل الإعلام محركاً رئيسياً لرؤية الغرب في المجتمع العربي، لتبدو محصلة الأمر أن العربي والغربي يحملان بأفكار مغلوطة عن الآخر من وسائل الإعلام التي تفضل الحديث عن التنافس والخلاف لا عن الحياد والتقارب، لاسيما مع سيطرة المتطرفين من الجانبين  خلال السنوات الأخيرة على الإعلام الذي أضحى يلعب على إيقاع الأزمات السياسية والاقتصادية وغيرها.