الأنشطة - حلقات النقاش.

التصعيد "المذهبي":

هل يتجه الشرق الأوسط إلى الصراعات المذهبية؟
الإثنين، 06 يوليو، 2015
التصعيد "المذهبي":

نظم مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة ورشة عمل، في الأول من يوليو 2015، تحت عنوان "التصعيد المذهبي.. هل تتجه منطقة الشرق الأوسط إلى الصراعات المذهبية؟"، استضاف خلالها الدكتور محمد بن صقر السلمي، الأستاذ المساعد في جامعة أم القرى بالمملكة العربية السعودية، والخبير المتخصص في الشؤون الإيرانية.

أولاً: تساؤلات تطرحها أوضاع المنطقة

في بداية الورشة طرح الدكتور محمد عبدالسلام، المدير الأكاديمي لمركز المستقبل، عدداً من الأفكار للنقاش، من أبرزها أن التاريخ شهد حروباً مذهبية عديدة وحقيقية، ولذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل نحن في منطقة الشرق الأوسط أمام صدام حضارات أم صدام ثقافات ومذاهب؟، وما هي المذاهب التي يمكن أن تصطدم في المنطقة؟ وما هي الأسس التي تتصادم على أساسها ويمكن أن تُستخدَم من قبل بعض الدول؟ وما هي العوامل التي تدفع في هذا الاتجاه؟ وهل يمكن أن يحدث نوع من فقدان السيطرة على صراعات من هذا النوع في حال نشوبها؟ وما التوصيات التي يمكن أن تُقدَم لصانع القرار حول الصراعات المذهبية وكيفية تفاديها؟

وأشار الدكتور عبدالسلام إلى أن العديد من التحليلات والآراء، سواءً من داخل الإقليم أم من خارجه، تنحو إلى التشاؤم، إذ يذهب غالبيتها إلى أن المنطقة تمر بحالة حرب مذهبية، أو أنها في طريقها إلى الانزلاق إلى حرب طائفية ومذهبية شاملة في أقرب وقت، نظراً لمجمل الأوضاع بالمنطقة من جانب، وتصاعد حدة الصراعات في دول مهمة مثل العراق وسوريا واليمن، وارتباطها بوجود انقسامات على أسس مذهبية بين السنة والشيعة من جانب آخر.

من جانبه ذكر الدكتور السلمي أن هناك ثلاثة مواقف حول قضية الصراع المذهبي في المنطقة: موقف غربي وموقف إيراني وموقف عربي؛ مشيراً إلى أن الرؤية الغربية تنطلق من أن المنطقة تشهد صراعاً طائفياً مذهبياً بالفعل، بل وتعتقد بعض مراكز الفكر والبحوث الغربية أن عملية عاصفة الحزم هي انعكاس لمثل هذا الصراع بين السنة والشيعة، وترى أن التنافس الإقليمي بالمنطقة يدفع في هذا الاتجاه.

ثانياً: الرؤية الإيرانية للصراع المذهبي

أما بالنسبة للموقف الإيراني، فيرى الدكتور السلمي أن إيران، وتحديداً منذ عام 2005، تحاول ترويج نفسها في الداخل العربي، وتعمل بكافة السبل على تحسين صورتها كجزء لا يتجزأ من مشروعها بالمنطقة، والذي بدأ منذ قيام ثورة 1979، واتضحت معالمه بشكل أبرز بعد وفاة الخميني، ثم استمر المشروع يعتمد على القوة الناعمة والقوة الصلبة إذا أمكن ذلك. وكانت حرب يوليو 2006 في لبنان هي قمة الاستغلال الإيراني للقوة الناعمة لترويج ما تعتقد أنه نموذج للمقاومة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتستخدم إيران عدة وسائل مختلفة من أجل الوصول إلى مشروعها المنشود، مستغلة الأحداث التي تخدم طموحاتها، خاصة الفراغ الذي حدث بالمنطقة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، حيث تتعدد وسائل إيران، ومن أبرزها: القوة الناعمة، والتشيع السياسي، والخلايا النائمة، والأذرع العسكرية المسلحة، والأحزاب والقوى السياسية في المنطقة العربية مثل حزب الله في لبنان، والمجلس الأعلى وحزب الدعوة والتيار الصدري في العراق، وحزب العمل الإسلامي والدعوة في البحرين.

ومما لا شك فيه أن إيران تسعى من وراء هذا التوسع في الداخل العربي ومحاولة بسط نفوذها إلى تحقيق عدد من الأهداف من بينها ما يلي:

1 ـ إشغال الداخل الإيراني عن المطالبة بحقوقه من خلال التركيز على ما يسمى في الأدبيات الإيرانية بـ "العدو المتربص"، وبالتالي إقناع الشعب الإيراني بمزاعم أن البلاد تهدف في المقام الأول إلى ضمان تحقق الأمن القومي الإيراني.

2 ـ الترويج للبعد المذهبي الخاص بها، والمتمثل في مفهوم ولاية الفقيه، وانتهاج سياسة تصدير الثورة "الإسلامية".

3 ـ تكريس الهيمنة الإيرانية على المنطقة العربية عبر أذرعها العسكرية والإعلامية والسياسية في الداخل العربي.

4 ـ تحسين موقفها التفاوضي مع الغرب والحصول على أقصى قدر من المكاسب فيما يخص برنامجها النووي أو الاعتراف بنفوذها في المنطقة.

ودلل السلمي تفصيلاً على ذلك بما حدث خلال الصدامات التي وقعت بين حزب الله وإسرائيل في عام 2006، والتي ساهمت في تحسين صورتها في الشارع العربي، وذلك حتى قيام الثورة السورية عام 2011، والتي فضحت حقيقة إيران في نظر العالم العربي؛ فمع الثورات التي شهدتها تونس ومصر وليبيا ظهرت إيران مشجعة لها باعتبارها امتداداً للثورة الإيرانية، لكن مع تفجر الثورة في سوريا تبنت إيران موقفاً مغايراً، وتحدثت طهران عن أن الثورة في سوريا مؤامرة صهيو-أمريكية هدفها القضاء على محور المقاومة والممانعة الذي يقف في وجه إسرائيل.

وعلى الجانب المقابل تبدلت علاقات إيران مع الغرب، لاسيما منذ بداية التفاوض حول الملف النووي ووصول الطرفين للاتفاق النووي المبدئي في نوفمبر 2013، حيث تغيرت اللغة الإيرانية مجدداً، وبدأت تظهر ملامح عديدة للتنسيق مع واشنطن وبعض العواصم الغربية الأخرى.

ومع ظهور تنظيم "داعش"، استغلت إيران هذا الحدث، وأظهرت أن سوريا ونظام الرئيس الحالي بشار الأسد هما من يقف في وجه إرهاب "داعش". ويبدو أن هذه النقلة أطربت الأذن الغربية، فالغرب لديه توجس من السنة وليس الشيعة. وقد استغلت إيران ذلك وروجت بكثافة إلى أن ما يحدث من صراع في المنطقة هو حرب السنة ضد الشيعة.

ثالثاً: الرؤية العربية للصراع المذهبي

أما حول الرؤية العربية، فقد اعتبر السلمي أن العالم العربي تنقسم رؤيته إلى قسمين أساسيين: رؤية شعبوية ورؤية حكومية. الرؤية الشعبوية أو بالأحرى رؤية الشارع العربي لما يدور في المنطقة أنها حرب طائفية، وأن إيران تتمدد، وأن هناك قصوراً من الحكومات إزاء هذا التمدد. بينما يرى الموقف الحكومي أن هناك مشروعاً إيرانياً توسعياً يستخدم الطائفية غطاءً له، وأنه مشروع سياسي ممتد قبل الثورة الإيرانية ومستمر بعدها؛ فهو مشروع قومي يستهدف المنطقة، لكن الثورة أضافت البعد المذهبي في ظل محاولات لم تنقطع لتصديرها تحت حجة حماية المستضعفين في العالم.

ويرى السلمي أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أكثر الجهات المستهدفة بهذا المشروع الإيراني، وأن عليها العمل وفق أسس مستقبلية تمنع إيران وتدخلاتها في الشؤون الداخلية من خلال بناء استراتيجية موحدة تجاه مشروعها للهيمنة.

واقترح السلمي إنشاء مفوضية عليا للسياسة الخارجية في الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي، بحيث يوكل إليها الرد على التصريحات الإيرانية التي تستهدف أي من الدول الأعضاء، وليس كما هو متبع حالياً من صدور بيانين أحدهما من الدولة المعنية والآخر من الأمانة العامة، مؤكداً أن عمل دول الخليج ككتلة سياسية واحدة يزعج إيران التي تسعى جاهدة إلى تفتيت هذا المجلس وتفضل العمل على العلاقات الثنائية دون التعامل معه ككيان سياسي موحد.

ولذا ينبغي الإسراع في التحول من المجلس إلى الاتحاد، الأمر الذي يحمل في طياته رسالة واضحة للجانب الإيراني، والتصريح بأن دول الخليج قد تلجأ إلى الدفاع عن نفسها ومصالحها في المنطقة عبر معاملة إيران بالمثل إن لم تكف الأخيرة عن تدخلاتها في الشؤون الداخلية واستغلال الورقة الطائفية وأذرعها السياسية والعسكرية في المنطقة العربية.

الكلمات المفتاحية: الشرق الأوسطالخليجإيرانالصراعمذهبي