الأنشطة - لقاءات المستقبل

تغيرات حاكمة:

دراسات الرأي العام العربي بعد الثورات العربية

الأحد, 30 أغسطس, 2015

تغيرات حاكمة:

استضاف مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، الدكتور صبحي عسيلة، خبير دراسات الرأي العام بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وذلك في لقاء عام نظمه المركز يوم 20 أغسطس 2015، لإلقاء الضوء على التغيرات التي لحقت بحقل دراسات الرأي العام العربي، في إطار سلسة الأحداث والتغيرات التي شهدتها المنطقة على مدار السنوات القليلة الماضية.

بدأ المحاضر حديثه بالتساؤل عن إمكانية الحديث عن "رأي عام عربي"، مؤكداً أن ثمة أوجهاً للتجانس والتشابه بين المجتمعات العربية، وأن الخبرات المتشابهة التي تمر بها المنطقة بأكملها، مشيراً إلى أن ذلك من العوامل المبررة للحديث عن ملامح عامة لاتجاهات التحول في دراسات الرأي العام العربي.

أما عن التغيرات التي شهدها الرأي العام العربي، فقد شهدت دراسات هذا الحقل تغيرات هيكلية نقلته إلى وضع يختلف جذرياً عما كان قبل الثورات العربية. فحتى  نهاية عام 2010 كان ينظر للرأي العام العربي على أنه شبه مغيب، أو أنه رأي عام "كامن" ولم تكن هناك رغبة في الإعلان عن اتجاهاته أو التعرف عليها، وكان مستوى المشاركة السياسية أو الاهتمام بالسياسة متراجع بشكل عام، كما كان غائباً عن المشهد بحيث لم تكن مؤسسات صناعة القرار أو حتى البحوث والدراسات تولي له اهتماماً كبيراً.

وقد أثر كل ذلك بدوره على بحوث الرأي العام في المنطقة العربية وأبقى عليها في مرحلة متأخرة، مقارنة بما توصل إليه العالم في هذا المجال، علاوة على ذلك فقد ظل التخوف الأمني من التوسع في إجراء دراسات الرأي العام يحول دون تطورها في المنطقة العربية، حيث تحفظت الأجهزة الأمنية على صدور دراسات تتعلق بتوجهات الرأي العام إزاء قضايا  تحتوي على بيانات ونسب محددة.

وقبل مرحلة الثورات العربية، كان الاهتمام بالرأي العام يأتي من قبيل استخدام الحكومات له لتبرير بعض السياسات أمام الجمهور الدولي، مثل اتخاذ موقف الرأي العام مبرراً نحو عدم التطبيع مع إسرائيل وما إلى ذلك.

وعلى الرغم من أن دراسات الرأي العام عل المستوى العالمي قد شهدت تصاعداً واهتماماً كبيراً منذ ثلاثينيات القرن الماضي، فإن ذلك التقدم والاهتمام لم ينعكس على الوضع في السياق العربي إلا متأخراً. وقد بدأ تطوير بحوث الرأي العام وزيادة الاهتمام بها مع التطور الذي شهدته المدارس السياسية، خاصة مع زيادة الاهتمام بتحليلات النظريات السلوكية وتحليل النظم، إذ كان لهذا التطور تأثير واضح على تطوير منهجيات دراسة الرأي العام والنظر إليه باعتباره واحداً من مكونات صناعة القرار.

وقد استطاعت بعض الدول العربية قطع شوط يُعتد به في دراسات الرأي العام وتطوير آليات ومنهجيات متقدمة في هذا الشأن، فلدولة الأردن خبرة سابقة عن بقية الدول العربية تعود إلى منتصف التسعينيات من القرن الماضي، ثم لحقتها مصر ولبنان وبعض الدول العربة الأخرى، وتمت بعض المشروعات المشتركة في تطوير العمل في دراسات الرأي العام عربياً.

وبشكل عام أكد المحاضر على عدة تغيرات طرأت على دراسات الرأي العام، حيث يمكن الوقوف على خمسة مستويات أساسية على النحو التالي:

1 ـ على مستوى الجماهير:

هناك بعض العوامل المهمة التي شكلت عقلية الرأي العام في المنطقة العربية، وأثرت بدورها على اتجاهاتهم ورؤيتهم وميلهم نحو المشاركة. فمنذ نهاية التسعينيات شهدت المجتمعات العربية ارتفاعاً في نسب التعليم، وتصاعد موجة التطور التكنولوجي. وشكل هذان العاملان وعي الرأي العام بحيث أصبحنا أمام نوعية مختلفة من الجماهير، تختلف تماماً عن السابقة لها. وفي الوقت ذاته تصاعد دور منظمات المجتمع المدني، والتي ركزت على مفاهيم حقوق الإنسان، والحريات، وحقوق التعبير عن الرأي.

وقد خلقت هذه العوامل مجالاً للمقارنة بين الشعوب، ودرجة الرفاه الاجتماعي والحريات التي تتمتع بها بعض الشعوب دون غيرها، ورفعت سقف تطلعات وطموحات الجمهور، وأظهرت اتساع الفجوة بين الواقع العربي وتطلعات الجمهور في حياة كريمة، تقترب إلى حد ما من الواقع العالمي. وأدى تراكم الإحباط إلى خروج الجماهير إلى الشارع معبرين عن غضبهم، في رسالة واضحة أمام متخذي القرار بضرورة أخذ الرأي العام في الاعتبار، والاهتمام به ومتطلباته وهمومه؛ وهو ما شكل واقعاً جديداً وبيئة مناسبة للاهتمام بقياس الرأي العام.

2 ـ على مستوى القائمين على استطلاعات الرأي العام:

ترتب على المحاولات السابقة والمتعددة لقياس الرأي العام وجود تراكم معرفي لدى القائمين على هذه النوعية من البحوث والدراسات. وقد ظهرت النتائج الإيجابية لتلك المحاولات حالياً في تراجع المشاكل والتحديات التي كانت تواجه قياسات الرأي العام إلى حد كبير، إذ ظهرت كوادر متميزة متخصصة في دراسات الرأي العام في المنطقة، وهو ما انعكس في ظهور عدة مراكز متخصصة في دراسات الرأي العام في المنطقة العربية على مدار السنوات السابقة.

3 ـ على مستوى الحكومات:

على نقيض التوجه الذي ساد من قبل، والذي كان يهمش الرأي العام، أو يحاول توجيهه بصورة كاملة؛ لم تعد للحكومات ذات القدرة على توجيه الرأي العام أو التلاعب به أو حماية المعلومات أو حجبها بالصورة التي كانت موجودة من قبل. أما بعد الثورات العربية فلم يعد لدى الدولة ذات القدر من التحكم والسيطرة على وسائل الإعلام، لاسيما الخاصة منها، وبالتالي خلقت هذه الأجواء ثقافة لدى الحكومات والنخب تكترث بمعرفة اتجاهات الرأي العام الذي أصبح يتشكل خارج إطار توجيهات الدولة.

4 ـ على مستوى النخبة والمثقفين:

طالما شكك المثقفون والنخبة في أوقات كثيرة في نوايا وأجندات ومنهجية استطلاعات الرأي العام، وكثيراً ما كانوا يرفضون النتائج التي تخالف توقعاتهم الصحيحة بالضرورة من وجهة نظرهم، وظل فريق آخر معترضاً بالكلية على فكرة قياس الرأي العام من منطلق عدم قدرة الجماهير على تكوين رأي سليم أو الإدلاء برأي في بعض القضايا المهمة في ظل معدلات الأمية المرتفعة وقصور التعليم في المجتمعات العربية، ومن ثم تراجع الوعي العام لدى الشعوب العربية.

أما الآن فقد تغير هذا الوضع بشكل كبير، فسياسات الشارع التي امتدت بعد الثورات، وتأثيرها على النخب وعلى صانعي القرار، خلقت اهتماماً حقيقياً بمتابعة نتائج الاستطلاعات والحديث عنها في وسائل الإعلام المختلفة.

5 ـ على مستوى نوعية القضايا التي يتم تناولها:

ظلت استطلاعات الرأي تركز سابقاً على القضايا الاجتماعية بالأساس، فعلى سبيل المثال كانت مصر من أولى الدول التي اهتمت باستطلاعات الرأي واعتمدت عليه في بعض السياسات، لكن الاهتمام كان ينصب بوجه عام على القضايا الاجتماعية بالأساس دون التعرض إلى القضايا السياسية.

غير أنه مع ظهور مراكز البحوث السياسية، والتي بدأت بمناقشة بعض القضايا السياسية، مثل المشاركة السياسية وطبيعة التوجهات الخارجية للدولة، استطاعت استخدام منهجيات جديدة في استطلاعات الرأي العام، واتخذت منحى جديداً منذ ذلك الحين.

ولعل ذلك يتوافق مع تصاعد الوعي السياسي في المجتمعات العربية والاهتمام ببعض القضايا ذات الطابع، وهو المكون الذي  ظل غائباً عن اهتمامات الرأي العام طويلاً؛ الأمر الذي حقق التوازن بين الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والسياسة والاقتصادية أيضاً.

لقد خلقت هذه المتغيرات الخمسة في مجملها ثقافة وبيئة صالحة لإقامة استطلاعات الرأي العام في المنطقة العربية، حيث أصبح هناك دور للجماهير لا يمكن التغاضي عنه.

وعلى الرغم من تلك التطورات التي أشار إليها، فقد أشار الدكتور عسيلة إلى أنه في مقابل هذه الإيجابيات العديدة، فإن دراسات ومسوح الرأي العام تحتاج إلى إضافة الجديد لأنها لاتزال تعاني من بعض المشكلات القديمة، وتبقى العقبة الأساسية أمام تطويرها ما يتعلق بالتمويل من جانب، والتحول من التركيز على الكم بالأساس إلى التركيز على الكيف؛ إذ لا معنى حقيقياً للاستطلاعات التي يتم إنتاجها لسبب أساسي هو تسابق المراكز على إبراز رأي الجمهور، دون أن تكون لها آثار إيجابية تتعلق بما يمكن فعله على الأقل في مجال السياسات العامة بالدولة.

وفي ختام اللقاء أشار عسيلة إلى أنه لا يجب على الأرجح أن يضع صانع القرار السياسات وفقاً لما يمليه الرأي العام عليه، لكنه لا يجب عليه من جانب آخر أن يتجاوز عن نتائج ومطالب الرأي العام تماماً، فالرأي العام قد يدفع صانع القرار لعدم اتخاذ قرار ما، ولكن من الصعب أن يدفعه لاتخاذ قرار؛ حيث يمثل الرأي العام في النهاية أحد الأطر العامة التي يجب أن يتحرك داخلها صانع القرار.