أخبار المركز
  • مركز "المستقبل" يُطلق نسخة جديدة لموقعه الإلكتروني
  • تنظيم حلقة نقاش عن العلاقات الأمريكية - الصينية بحضور د. كريم القاضي، باحث زائر بمركز الدراسات الاستراتيجية في كلية فليتشر الأمريكية
  • كتاب جديد صادر عن مركز المستقبل بعنوان (جيوبوليتيك الغاز: مستقبل صناعة الغاز الطبيعي في القرن الحادي والعشرين)
  • مركز المستقبل يصدر العدد 34 من دورية "اتجاهات الأحداث"
  • أصدر مركز "المستقبل" كتاباً جديداً بعنوان (الحرب الروسية – الأوكرانية.. عودة الصراعات الكبرى بين القوى الدولية)

القفزة الاستراتيجية:

أبعاد السياسة الروسية تجاه منطقة الشرق الأوسط

16 فبراير، 2022

القفزة الاستراتيجية:

في إطار تصاعد التحركات الروسية دولياً وإقليمياً، وزيادة النقاش حول محددات السلوك الروسي، وأهداف سياسة موسكو الخارجية، خاصة تجاه منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا من جانب، وفي جوارها الإقليمي من جانب آخر، استضاف مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة مؤخراً د. نورهان الشيخ - أستاذة العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية -جامعة القاهرة، للحديث عن الشأن الروسي.

أكدت المتحدثة تصاعد الحضور الروسي في المنطقة، وعلى الطابع الاستراتيجي الذي يتميز به التوجه الروسي، وأشارت في البداية إلى أهمية فهم الأبعاد التي تؤهل أي دولة لممارسة أدوار عالمية مؤثرة، وتصبح لاعباً فعالاً على المستويين الدولي والإقليمي، ولخصت الشيخ تلك الأبعاد فيما أسمته مثلث الدور العالمي، والذي يتكون من قيادة ذات رؤية، وإمكانيات اقتصادية، وقدرات عسكرية ضخمة تمكنها من حماية تحركاتها ومصالحها. ويبدو أن الأبعاد الثلاثة متوفرة لدى الدولة الروسية، ما مكنها في ظل فترة بوتين من العودة مرة أخرى لمربع القوى الكبرى. 

تهديدات وتحديات:

وفقاً للمتحدثة، فإن الدولة الروسية ما زالت تحلم بتحقيق ما يسمى بـ "القفزة الاستراتيجية" للنفوذ الروسي. وهو الهدف الذي واجه عدداً من التحديات حتى في ظل الاتحاد السوفييتي السابق، من أهمها:

1- تحدي النفاذ للبحر الأحمر، حيث تعثرت روسيا لسنوات طويلة لأن تصل فيه إلى نقطة ارتكاز محورية، خاصة مع حرص الولايات المتحدة، من خلال ممارستها سياسة الاحتواء، على الحيلولة دون حدوث ذلك. 

2- تهديد الإرهاب، حيث يحيط بروسيا حزام إرهاب ممتد من سوريا إلى أفغانستان ويتصل بالتأكيد بالإرهاب في الداخل الروسي. 

3- تواجه روسيا سلسلة من العقوبات الاقتصادية ومزاحمة في سوق الطاقة، هذا فضلاً عن المناورات والتحركات المقلقة لروسيا في البحر الأسود وغيرها من التحديات الأخرى. 

وتحاول موسكو كسر تلك الحلقات والتحديات للتحرك في نطاق أوسع، وهو ما دفعها للتحرك في فضاءات أوسع في أفريقيا وآسيا، والشرق الأوسط الذي يعتبر نقطة ارتكاز مهمة لروسيا، تحاول من خلالها أن تؤكد مكانتها كقوة كبرى، قادرة على حماية مصالحها. فضلاً عن خلق بدائل وأسواق مختلفة، خاصة في مجال الطاقة ومجال السلاح.

محركات شرق أوسطية:

طرحت المتحدثة عدة محركات روسية في الشرق الأوسط، من أبرزها ما يلي:

1- الحضور الدائم بالشرق الأوسط: أكدت د. نورهان أن الوثائق الروسية كافة التي صدرت خلال العامين (2014 ,2015) أكدت على فكرة الحضور الدائم والقوي لروسيا في البحر المتوسط، في هذا الإطار وسعت روسيا قاعدتها البحرية في طرطوس في سوريا، ونشرت منظومات (c300) وكذلك منظومات (c400) في محيط قاعدة حميميم الجوية. وبالتالي أصبحت سوريا نقطة ارتكاز أساسية بالنسبة لروسيا ولم تتهاون روسيا في هذا الملف. على الجانب الآخر، استطاعت روسيا من تعزيز وجودها من خلال قاعدتها العسكرية بالسودان، فلامنجو. وهو ما يعتبر خطوة كبيرة في اتجاه القفزة الاستراتيجية التي تمت الإشارة لها سابقاً. 

وحسب د. نورهان، فقد أثارت التحركات الروسية في الجزائر في الفترة الأخيرة انتباه المتابعين، وتحدثت بعض التحليلات على أن ثمة سعي روسي لإنشاء قاعدة عسكرية ثالثة في شمال أفريقيا، كما تحدث البعض عن "الجفرة" في ليبيا على أساس أن روسيا موجودة عسكريا بالفعل في تلك المنطقة، فضلاً عن المناورات البرية التي أجريت بين روسيا والجزائر في وقت سابق. وبغض النظر عن صحة الحديث عن القاعدة العسكرية، إلا أن التحركات الروسية في الجزائر مهمة في كل الأحوال ويجب التوقف عندها. 

2- الضرورات الأمنية: على الجانب الآخر، تأتي أهمية المنطقة العربية لروسيا من منطلق الضرورات الأمنية حيث ترتبط روسيا أمنيا بالمنطقة، التي تعتبر حزام روسيا الجنوبي. 

3- تحالف النفط: تأتي مسألة ضبط أسعار النفط على قمة الأولويات الروسية، فهي مسألة أمن قومي بالنسبة لموسكو، ولا يقل "أوبك بلس" أهمية عن أي تحالف آخر بالنسبة لروسيا إن لم يكن من أهمهم على الإطلاق، وقد زادت أولوية هذه المسألة مع الأزمات والصعوبات التي طرحتها أزمة جائحة كورونا. 

4- استئصال الإرهاب: تتعامل روسيا مع مسألة الإرهاب وفق استراتيجية "الاستئصال"، وذلك على عكس الولايات المتحدة الأمريكية التي تركز استراتيجيتها على توظيف الإرهاب. فكما وضح الرئيس الروسي، بوتين، سابقاً، أن روسيا لا تتهاون في التعامل مع الإرهاب. ولازال تصفية المقاتلين في إدلب مسألة مطروحة على أجندة روسيا، على الجانب الآخر تثير التوجهات التركية في هذا الشأن قلق روسيا، حيث تلوح تركيا في أكثر من مناسبة بورقة نقل المقاتلين إلى أوروبا، وهو الأمر الذي تعتبره روسيا تهديداً مباشراً لها.  

5- تصدير السلاح: تعتبر منطقة الشرق الأوسط سوقاً مهماً بالنسبة للصادرات الروسية بصفة عامة، ولصادراتها من الأسلحة بصفة خاصة. فعلى سبيل المثال، تعتبر الجزائر ثالث أكبر مستورد للأسلحة الروسية على مستوى العالم، وفي فترة سابقة كانت العراق المستورد الأول عربياً، وفي فترة أخرى كانت مصر في صدارة الدول العربية المستوردة للسلاح الروسي.

انعكاسات العودة:

أثارت العودة الروسية الخلافات بين موسكو والولايات المتحدة وتصاعدت حدتها بصورة ملحوظة، واتسعت نطاقات الخلافات بين الطرفين، وهو ما نشهده – كما تقول د.نورهان- بصورة أساسية في أزمة أوكرانيا التي أصبحت أكثر صخباً مؤخراً، حيث تحاول الولايات المتحدة والدول الأوروبية الممثلة في حلف الناتو، تقويض التوسع الروسي الذي يضر بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية وأدوارها العالمية التي تحاول الحفاظ عليها وعلى نظام دولي أحادي القطبية. وعلى الرغم من ذلك، من مصلحة روسيا الحفاظ على الاستقرار الأوروبي، حيث تمتد روسيا على مساحة 40٪ من مساحة أوروبا. 

في المقابل، طرحت العودة الروسية بمنطقة الشرق الأوسط فرصاً جديدة وشركاء جدداً، حيث تبحث روسيا من جانبها عن فضاءات أخرى، ما دفعها لتطوير عدد من شركات التعاون متعددة الأبعاد عسكرياً وأمنياً، فضلاً عن الشركات في مجال الطاقة والتعاون الاقتصادي والتعاون النووي، وهو ما ظهر في اتفاقات التعاون المتتالية في عدة دول عربية، على رأسها مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات. إلى جانب ذلك، هناك شراكات اقتصادية جديرة بالمتابعة بين روسيا وإيران، وثمة تطور نوعي في العلاقات الروسية العراقية، وكذلك الجزائرية. 

في المقابل، ما زال الجدل دائراً حول العلاقات الروسية مع تركيا. وفيما يتعلق بالعلاقات مع تركيا، تشير د. نورهان إلى أنه رغم التوترات التي تظهر من فترة لأخرى بين الطرفين، فإن هناك مصالح ثابتة تجمعهما ولا يمكن الاستغناء عنها، على رأسها خط السيل التركي، وهو مشروع يحظى باهتمام روسي كبير، غير أن السياسات التركية تمثل نوعاً من الأرق للجانب الروسي في أكثر من ملف.