الأنشطة - حلقات النقاش.

أزمة إيفرجيفن:

كيف أدارت مصر حادثة غير مسبوقة في قناة السويس؟
الأربعاء، 31 مارس، 2021
أزمة إيفرجيفن:

توجهت أنظار العالم على مدار الأسبوع الماضي صوب قناة السويس المصرية لمتابعة تطورات أزمة جنوح سفينة الشحن العملاقة "إيفرجيفن". وعلى الرغم من انفراج الأزمة، ونجاح جهود إعادة السفينة إلى مسارها، ما زالت هناك تساؤلات قائمة حول كيفية جنوح السفينة، وكيف تمت إدارة عملية إعادتها لمسارها، وتداعيات الحادثة، وكذلك مدى تأثير ذلك على الترويج للمسارات البديلة، ومدى واقعية هذه المشروعات، خاصة مع طبيعة الحدث المتفرد الذي لم يسبق أن شهدته القناة سابقاً منذ نشأتها من أكثر من 150 عاماً.

في هذا الإطار، نظم مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، ورشة عمل، استضاف خلالها الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي والمالي، لمناقشة طبيعة الأزمة وتداعياتها والدروس المستفادة منها.

توصيف الأزمة:

بدأ "نافع" بتوصيف الحادث واستعراض بعض القواعد الأساسية لحسابات إدارة الأزمة، حيث أشار إلى أن السفينة البنمية "إيفرجيفن" (Evergiven) من أكبر سفن الشحن في العالم، وقدرت حمولتها بنحو 230 ألف طن، ما يقرب من الحد الأقصى المسموح به بقناة السويس، والبالغ 240 ألف طن، ويبلغ طولها نحو 400 متر، وعرضها نحو 59 متراً، مشيراً إلى أن هذا الحادث ليس أول حادث للشركة المالكة للسفينة.

وأضاف "نافع" أن أسباب جنوح السفينة بالمجرى الملاحي للقناة لا يمكن القطع بها في الوقت الراهن، وقد تكون انعكاساً لسلسلة من العوامل، على رأسها قرار طاقم السفينة، وسرعة الرياح وقتها، والتي بلغت نحو 40 عقدة، وعدم وضوح الرؤية، إضافة إلى الطبيعة الصخرية لموقع الحادث عند المدخل الجنوبي لقناة السويس، منوهاً بأن الأيام المقبلة ستكشف عن السبب الحقيقي للحادثة بعد إجراء التحقيقات الكاملة، خاصة وأن هذا الجيل من السفن لديه صندوق أسود. 

وأكد "نافع" أنه لا يمكن تحميل المرشدين بقناة السويس المسؤولية، نظراً لكون آرائهم بقناة السويس تعتبر استرشادية وغير ملزمة بموجب القانون الدولي، ومن ثم تقع مسؤولية اتخاذ القرار الرئيسية على قبطان السفينة.

سيناريوهات التعامل مع الأزمة:

أكد الدكتور "مدحت نافع" أن التعامل مع جنوح السفينة كان محفوفاً بالعديد من المخاطر، التي كان يضعها القائمون على إدارة الأزمة في اعتبارهم خلال التعامل معها، فخطر اختلال توازن السفينة وغرقها بالقناة عند محاولات تحريكها أو تفريغها كان احتمالاً قائماً منذ اللحظة الأولى، وهو السيناريو الكارثي الذي كانت هناك محاولات حثيثة لتجنبه، مشيراً إلى أن هيئة قناة السويس لم يكن بإمكانها تحديد وقت محدد لحل هذه الأزمة، خاصة وأن هناك احتمالات كانت قائمة بإغلاق المجر الملاحي لأكثر من شهر كامل وفق اعتبارات فنية بحتة.

وأضاف "نافع" أن هيئة قناة السويس بذلت جهوداً كبيرة في التعامل مع الأزمة، ولم تتردد في الاستعانة بخبرات محلية وأجنبية متعددة من أجل تعويم السفينة الجانحة في أقل وقت ممكن من أجل تيسير التجارة العالمية، مشيراً إلى أن الهيئة استخدمت نحو 11 قاطرة وعدداً كبيراً من الكراكات من أجل إعادة وضع السفينة في مسارها الطبيعي.

وكشف "نافع" أن إدارة الأزمة اتسمت بالحرفية والكفاءة، حيث اتخذت السلطات المصرية بالشراكة مع الشركة المسؤولة عن السفينة نهجاً تدريجياً في التعامل معها، وذلك في ضوء محددات فنية دقيقة، مثل وزن السفينة، وأحوال الطقس، ولذا تم اتباع مرحلة تلو الأخرى من أجل تقليل المخاطر إلى أقل قدر ممكن، وتجنب سيناريو غرق السفينة بتاتاً. وتمثلت خيارات التعامل مع السفينة في التالي:

1- تعويم السفينة مع الاحتفاظ بالحمولة: تم اتباع هذا السيناريو الأول من قبل السلطات المصرية بالتعاون مع الشركة المسؤولة عن السفينة، إذ جرت محاولات لتعويم السفينة مع الاحتفاظ بحمولتها، وذلك من خلال قطرها وتكريك ما لا يقل عن 20 ألف متر مكعب من الرمال من جوانبها المختلفة. وكان يتم التكريك بحذر بشديد بالقرب من جسم السفينة حتى لا يتسبب ذلك في اختلال توازنها. ولكن مع فشل محاولات التعويم من خلال هذا الأسلوب، تم الانتقال لتطبيق السيناريو التالي.

2- تفريغ السفينة من الوقود والمياه: في هذا السيناريو، تم تفريغ السفينة من الوقود والمياه، وهي عملية ليست يسيرة، إذ إن هناك احتمالاً بأن يختل توازن السفينة أثناء التفريغ وأن تتعرض للغرق. وقد نجحت السلطات المصرية باستخدام نحو 11 قاطرة وعدداً من الكراكات في تعويم السفينة الجانحة في اليوم السابع من الأزمة، ثم تمت إعادة ملئها بالماء والوقود مرة أخرى. 

3- تفريع الحاويات: لم يتم الانتقال إلى هذا السيناريو، والذي يقضي بإفراغ السفينة من حمولتها من الحاويات من أجل تخفيف وزنها، وبالتالي يمكن قطرها بيسر، وهو حل يتطلب في العادة وقتاً طويلاً وتجهيزات مناسبة من أجل تفريع حاويات السفينة بسلامة، والحفاظ على اتزانها.


تبعات الأزمة: 

كشف "نافع" أن حادثة جنوح السفينة بقناة السويس أثرت بشكل فوري على الاقتصاد العالمي، خاصة وأن نحو 12% من التجارة العالمية تمر بالمجرى الملاحي سنوياً، وتسببت في تعطيل مرور أكثر من 400 سفينة ومعظمها شحنات نفطية، على نحو أدى إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية في الأيام الماضية.

وحول تكاليف الأزمة، أوضح "نافع" أن هناك مبالغ كبيرة من التعويضات المالية التي ستدفعها شركات التأمين العالمية لشركات الشحن البحري والموردين اللذين تعطلت رحلاتهم، وهي بذلك ستكون أكثر الخاسرين من الأزمة الأخيرة. ولكن سيتوقف تحديد حجم التعويضات المالية على نتائج التحقيقات الخاصة بالحادث.

مسارات أقل تنافسية: 

على الرغم من استغلال بعض دول العالم الحادث للترويج لمسارات نقل بحرية بديلة، فإن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لقناة السويس يظل أهم عناصر قوتها وتنافسيتها أمام المنافسين الآخرين، وفق ما أكده نافع، مشيراً إلى أنه على مدار التاريخ، حظيت قناة السويس بأهمية جوهرية في الشرق والغرب.

وأوضح "نافع" أن المجرى الملاحي لقناة السويس ما يزال الأكثر تنافسية مقارنة بالمسارات الأخرى، نظراً لعمقه وعرضه الواسعين، بما يسمح بمرور السفن العملاقة. وهناك عامل قوة آخر لقناة السويس، يتمثل في الرسوم التنافسية لعبور المجرى الملاحي لقناة السويس، والذي يتم تقديرها، وفقاً لعدة اعتبارات، بما في ذلك حمولة السفن ونوعيتها ومدة المرور، والجدوى الاقتصادية لمسارات النقل الأخرى.

الدروس المستقبلية:

أشار "نافع" في ختام ورشة العمل إلى أن حادث جنوح السفينة حادث عرضي ومؤقت في نهاية المطاف، ولم يشهد المجرى الملاحي لقناة السويس مثل هذا الحادث منذ افتتاحها في عام 1869، موضحاً أنه على الرغم من التأثير الواسع لحادثة القناة، فإنه نادر الحدوث، وهو عامل مهم ينبغي أخذه في الاعتبار عند التخطيط مستقبلاً لتطوير المجرى الملاحي لقناة السويس، أو تطوير المعايير الإرشادية للسفن.

وعلى الرغم من ذلك، أشار "نافع" إلى أن زيادة تنافسية قناة السويس قد تقتضي مستقبلاً بجانب تعميق المجرى الملاحي، الإسراع في تنفيذ مشروع تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ودعم الخدمات اللوجستية المصاحبة لعبور السفن عبر المجرى الملاحي للقناة. 

الكلمات المفتاحية: قناة السويسأزمة "إيفرجيفن"