الأنشطة - حلقات النقاش.

أبعاد متشابكة:

صراع الغاز في حوض شرق المتوسط
الإثنين، 24 فبراير، 2020
أبعاد متشابكة:

في إطار التعقيدات الجيوسياسية والاقتصادية التي تفرضها قضية الصراع على الغاز الطبيعي بمنطقة حوض شرق المتوسط، عقد مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة ورشة حول صراع الغاز في حوض شرق المتوسط وتأثيراته المحتملة، وذلك يوم الأربعاء الموافق 12 فبراير 2020، وتحدثت في الحلقة الأستاذة لوري هايتيان، خبيرة النفط والغاز الطبيعي، ومدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد حوكمة الموارد الطبيعية بلبنان.

عرفت المتحدثة في البداية منطقة حوض شرق المتوسط والتي نالت اعترافا دولياً وإقليمياً كونها تشمل كلاً من مصر وإسرائيل ولبنان وسوريا وقبرص التركية واليونانية، بالإضافة إلى تركيا واليونان على اعتبار أنهما من بين القوى الرئيسية المحركة للأحداث في حوض شرق المتوسط.

وأضافت المتحدثة أن قضية حوض شرق المتوسط أخذت بعداً دولياً خلال الفترة الأخيرة، خاصة مع تدخل قوى دولية مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية للحد من الصراع الناشب بين بعض أطراف المنطقة، وهو ما يعكس اهتماماً دولياً بما يجري بالمنطقة وهو ما أرجعته هايتيان إلى أسباب جيوسياسية بالأساس، وليس لاعتبارات اقتصادية، حيث يمتلك حوض شرق المتوسط موارد من الغاز الطبيعي لا تتجاوز 2% من الاحتياطيات العالمية.


اكتشافات واعدة:

ارتبط تصاعد الاهتمام الدولي والإقليمي بحوض شرق المتوسط باكتشاف حقل "ظهر" في المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر في عام 2014، والذي تقدر موارده بنحو 30 تريليون قدم مكعبة، وسبقه اكتشاف ثلاثة حقول رئيسية أخرى بإسرائيل- وأهمها تمارا وليفيثيان- بموارد قدرها 35 تريليون قدم مكعبة، فيما تمتلك قبرص موارد من الغاز بنحو 10 تريليونات قدم مكعبة. وجدير بالإشارة أن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية قدرت أن حوض شرق المتوسط لديه موارد نفطية تقدر بنحو 1.7 مليار برميل، و122 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.

وأشارت المتحدثة إلى أن دولاً مثل مصر وإسرائيل بدأت سريعاً في استغلال مواردها من الغاز الطبيعي من أجل تلبية احتياجات السوق المحلي أو تصدير فوائض الإنتاج للأسواق الخارجية، غير أن لبنان وقبرص وسوريا لاتزال تواجه صعوبات في تنمية مواردها من الغاز نظراً للظروف السياسية والاقتصادية الداخلية.

مسارات تعاون:

وكخطوة نحو التعاون المشترك لاستغلال موارد الغاز بشرق المتوسط، أوضحت المتحدثة أن دول المنطقة اتجهت نحو إبرام اتفاقات للتعاون فيما بينها في مجال نقل وتسويق الغاز الطبيعي وذلك على النحو التالي:

1- اتفاقات تصدير إقليمية: بدأت بعض دول المنطقة توقيع اتفاقيات تصدير الغاز الطبيعي للأسواق القريبة منها على غرار إسرائيل التي أبرمت اتفاقيات لتصدير الغاز الخام لكل من الأردن ومصر وذلك بغرض تلبية احتياجات السوق المحلي لهما، أو بغرض إعادة التصدير للأسواق الأوروبية مستفيدة من منشآت البنية التحتية المتطورة بدول الجوار.

2-  خطوط أنابيب إقليمية: واتساقاً مع النقطة السابقة، ظهرت مقترحات عديدة لتدشين خطوط أنابيب إقليمية لنقل الغاز وتسويقه للأسواق الخارجية، مثل خط أنابيب بين إسرائيل وتركيا، وخط آخر بين لبنان وقبرص، بجانب خط أنابيب "شرق المتوسط (إيست ميد)، والذي تم توقيع اتفاقية إنشائه في يناير 2020 والذي سيمتد بين إسرائيل وقبرص واليونان وإسرائيل وصولاً لإيطاليا.

3- منتدى غاز شرق المتوسط: أسست مجموعة من بلدان المنطقة وأوروبا وهي (مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية) في يناير 2019 تكتلاً إقليمياً تحت اسم (منتدى غاز شرق المتوسط) ومقره بالقاهرة بغرض تدشين سوق مشتركة للغاز الطبيعي، وتعزيز الاستخدام المشترك للبنى التحتية مع العلم أن المنتدى يحظى بدعم من أطراف أوروبية متعددة وهذا ما يتضح في مطالب فرنسا مؤخراً بالانضمام للمنتدى.

الصراع التركي-القبرصي:

أكدت المتحدثة أن تركيا تعتبر المحرك الرئيسي للصراع على موارد الغاز في حوض شرق المتوسط، وتدعي أنقرة أن للقبارصة الأتراك حقوقاً سيادية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجزيرة قبرص، وتقع عليها مسؤولية الحفاظ عليها، بينما في حقيقة الأمر ترغب أنقرة في السيطرة على موارد الغاز للجزيرة وتعزيز موقعها كمركز للطاقة إقليمياً، وهذا ما واجه اعتراضاً أوروبيا وأمريكيا شديداً.

وعلى ضوء السابق، تحركت أنقرة بحسب المتحدثة لمواجهة الدعم الأوروبي والأمريكي لمشاريع تعاون الغاز بالمنطقة من خلال التقارب مع المحور الإيراني الروسي، وإرسال سفن للحفر والتنقيب عن موارد الطاقة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا في الأشهر الماضية.  

فضلاً عن ذلك، عقدت أنقرة اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الليبية في نهاية ديسمبر الماضي، والذي من شأنه أن يقطع الطريق أمام تنفيذ خط أنابيب "ميد إيست"، حيث ضم الترسيم الجديد بعض الجزر اليونانية إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا والتي سيمر بها الخط، وعليه ضمناً لا يمكن تنفيذ الخط من دون الحصول على موافقة تركيا.  

تحديات اقتصادية:

أشارت المتحدثة إلى أن عمليات استخراج وتسويق الغاز الطبيعي من منطقة حوض شرق المتوسط تواجه تحديات اقتصادية وتجارية متعددة، وذلك على النحو التالي:

• بيئة عالمية غير مواتية: يوجد فائض من معروض الغاز العالمي في الوقت الراهن مع تدشين مشاريع عديدة لإنتاج الغاز الطبيعي في كثير من دول العالم، وبما سيزيد من حدة المنافسة بين منتجي الغاز، ويضغط على أسعار الغاز الطبيعي في المستقبل. في الوقت نفسه أيضاً، يتحول كثير من كبار مستهلكي الوقود الأحفوري (وبما فيه الغاز الطبيعي) نحو التوسع في استخدام الطاقة المتجددة من أجل تقليل الانبعاثات الكربونية.

• البحث عن أسواق جديدة: يبدو أن هناك مهمة صعبة أمام منتجي الغاز الطبيعي في شرق المتوسط لتسويق الغاز في الأسواق الأوروبية في ظل المنافسة الشديدة مع إمدادات المنتجين الآخرين، مثل روسيا والنرويج وغيرها، والتي تتسم بجاذبية أسعارها مقارنة بغاز شرق المتوسط، كما قد تواجه منافسة قوية أيضاً بالأسواق الآسيوية، مثل الهند والصين مع وفرة المعروض من منتجين آخرين مثل أستراليا وروسيا.

• جاذبية منخفضة لغاز المتوسط: تشير التقديرات إلى أن أسعار توريد غاز شرق المتوسط سترتفع عن المتوسط العالمي للغاز في المستقبل، والأمر الذي يعود لاعتبارين وهما ارتفاع تكلفة استخراج الغاز من شرق المتوسط نظراً لوجود الموارد بالمياه العميقة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف مشاريع نقل وتسويق الغاز على غرار خط أناببيب "إيست ميد" الذي يمتد نحو 2000 كيلو متر للوصول إلى الأسواق الأوروبية وبتكلفة استثمارية قد تتخطى 7 مليارات دولار، فيما أن إنشاء محطات للغاز المسال غير مجدية تجارياً واقتصادياً بالنسبة لبعض المنتجين مثل قبرص نظراً لمحدودية موارد الغاز.

وختمت المتحدثة الورشة بقولها إنه في ظل الصعوبات الاقتصادية والفنية التي قد تلاقيها عملية تنمية موارد الغاز في شرق المتوسط، فلا غنى عن تعزيز التعاون الإقليمي كخطوة جوهرية نحو تلبية احتياجات الأسواق المحلية من الطاقة وكذلك تحسين كفاءة عمليات إنتاج ونقل وتسويق الغاز بالأسواق الدولية، بيد أن ذلك يتطلب تذليل العقبات الجيوسياسية والصراعات القائمة بين بعض أطراف المنطقة.


الكلمات المفتاحية: الغاز