الأنشطة - حلقات النقاش.

التهديدات غير التقليدية:

كيف تؤثر الأوبئة على الأمن الدولي؟
الخميس، 13 فبراير، 2020
التهديدات غير التقليدية:

في إطار التحديات التي يفرضها ظهور فيروس كورونا وانتشاره في عدة دول، عقد مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة ورشة عمل حول "التهديدات غير التقليدية: كيف تؤثر الأوبئة على الأمن الدولي؟"، وذلك في يوم الخميس الموافق 6 فبراير 2020، وتحدث في الحلقة الدكتور ناثان تورونتو، المتخصص في شؤون الأمن غير التقليدي، والمدرس بالكلية العسكرية الأمريكية للدراسات العسكرية المتقدمة. 

وأشار المتحدث في بداية الورشة إلى بيان منظمة الصحة العالمية، والذي وصف الوضع الحالي بكونه "حالة طوارئ صحية ذات بعد دولي"، وأكد أنه حتى الآن لم تصنف المنظمة فيروس كورونا على أنه وباء عالمي، كما أن الفيروس لم يتسبب في عدد وفيات كبيرة مقارنة بالأوبئة التي اجتاحت البشرية تاريخياً.

فقد تسببت "الإنفلونزا الإسبانية" في وفاة ما يزيد على 50 مليون شخص في عام 1918، كما تسبب الطاعون الأسود، الذي اجتاح القارة الأوروبية بين عامي 1347 و1352 في موت ما لا يقل عن ثلث سكان القارة، ناهيك عن انتشاره إلى مناطق أخرى حول العالم، وتسبب في القضاء على مدن بأكملها. ولذلك فإن فيروس كورونا لم يصل إلى معدلات الوباء العالمي، كما لا توجد مؤشرات، حتى الآن، ترشح احتمالات حدوث ذلك. 

وأكد "ناثان" أن قدرة مواجهة مثل هذا الفيروس، سوف تكون أفضل بالنظر إلى وجود مؤسسات صحية أفضل، ونظم تكنولوجية أكثر تطوراً، وتأمين صحي قادر على استيعاب أفضل لمثل هذه الحالات مقارنة بالفترات التاريخية السابقة.

محددان رئيسيان لتحديد خطورة الوباء:

أشار المتحدث إلى محددين رئيسيين لقياس مدى خطورة أي أزمة صحية مماثلة:

1- معدل الوفيات: لاتزال معدلات الوفيات من إجمالي المصابين بفيروس كورونا لا تتعدى 2%، بينما تبلغ الوفيات من الأنفلونزا الموسمية 1% في الولايات المتحدة، إلا أن المخاوف المثارة بشأن هذا المحدد ترتبط بعدم شفافية البيانات المتوفرة، خاصة الصادرة من الصين. ولكن في المقابل، فإن الصين أعلنت أن معدل الوفيات وكذلك الاستشفاء من الفيروس بلغت حوالي 5% فقط، وهو ما يعني أن 90% من المصابين قد يعانون من الوفاة، بما يرفع من إجمالي عدد المتوفين من المرض، بينما قدرت دراسة أعدت عن مستشفى كانت تضم مصابين بفيروس أن نسبة الوفيات بلغت حوالي 14%، غير أن هذا المستشفى كان يضم المصابين الأشد مرضاً. 

2- فترة حضانة الفيروس: يعد هذا المحدد هو الأكثر قلقاً في حالة كورونا، خاصة مع طول فترة حضانة الفيروس، أو المدة بين انتقال الفيروس وظهور الأعراض، وهي الفترة التي قدرت بـ 14 يوماً، بل هناك نقاشات جديدة تشير إلى احتمالات وصول المدة إلى 24 يوماً، وهي فترة طويلة وتمثل تحدياً أمام إجراءات احتواء انتشار المرض. 


تحديات احتواء الفيروس:

يواجه احتواء الفيروس تحديات كبيرة، يمكن إجمالها على النحو التالي:  

1- قصور نظم الصحة الحالية في بعض الأقاليم: يمثل أحد التحديات التي يفرضها الفيروس، هو أن بعض الإصابات الخفيفة بفيروس كورونا تشبه حالات البرد العادية، ويلاحظ أن النظم الصحية العامة غير مجهزة لاختبار كل شخص يعاني أعراض الإنفلونزا، ومن ثم فرض الحجر الصحي على جميع المصابين بالمرض، وكل من تعاملوا معه، لمنع انتشاره. وعلى الرغم من هذه الصعوبة، فإن هذا ما يجب فعله لمنع انتشاره.

2- طول فترة تطوير لقاح مضاد للفيروس: يلاحظ أن تطوير لقاح مضاد لأي فيروس يقدر بحوالي 9 – 12 شهراً، وهي فترة طويلة نسبياً، ويتوقع البعض أن يتمكن العلماء من التوصل إلى لقاح للفيروس بعد ثلاثة شهور، خاصة بعدما تبادل العلماء الصينيون التسلسل الجيني للفيروس في قاعدة بيانات عامة في 10 يناير 2020.

3- دور الصين المتأخر في احتواء المرض: أشار تورونتو إلى الدور الصيني السلبي في بداية الأمر، حيث تأخرت في الإبلاغ عن الفيروس فور ظهوره، وهي الفترة المهمة لاحتواء انتشار الفيروس. وفي المقابل، تمكنت بكين من اتخاذ تدابير استثنائية، خاصة القدرة على فرض الحجر الصحي على إقليم هوباي الذي يتضمن في وسطه مدينة ووهان مصدر الفيروس، وهي خطوة ضخمة حيث يضم الإقليم ما يزيد على 50 مليون فرداً، فضلاً عن إنشاء مستشفيات متخصصة في ووهان خلال أيام محدودة.

وعلى الرغم من ذلك، أشار المتحدث إلى خطأ ارتكبته الحكومة الصينية، وهو تباطؤها في تطبيق الحجر، بعد الإعلان عنه، مما دفع عدة ملايين من الأفراد إلى مغادرة المدينة، قبل فرض الحجر عليها، وهو ما يحمل مخاطر امتداد الفيروس إلى مناطق أخرى في الصين، والتي بدأت تشهد بالفعل انتشاراً للمرض. وفي الوقت الحالي، يمكن القول إن هناك تعاوناً ملحوظاً من الجانب الصيني مع منظمة الصحة العالمية ومدها بالمعلومات والبيانات المطلوبة. 


تداعيات الأوبئة على الأمن الدولي:

أشار المتحدث إلى المفهوم الواسع للأمن باعتباره يتضمن أبعاداً اقتصادية وبيئية وسياسية، وفي هذا الإطار حدد ثلاثة تداعيات للأوبئة على الأمن: 

1- الاستقرار السياسي: تتحدى الأوبئة قدرة الأنظمة السياسية على التصدي لمخاطرها، خاصة في الدول النامية التي لا تمتلك بنية تحتية صحية جيدة، مما يثير قلق المجتمع، وقد يدفعه إلى السخط على النظام السياسي القائم. 

2- النمو الاقتصادي: تترك الأوبئة تأثيراً على النمو الاقتصادي، ففي حالة كورونا، على سبيل المثال، تعتبر ووهان من أهم المدن الصناعية، وتسبب انتشار الفيروس في إغلاق المصانع وإيقاف حركة الاقتصاد، مما كبد المدينة خسائر اقتصادية هائلة، وقد تأثرت بورصة شانغهاي، حيث تراجعت بنسبة 8%، كما تراجع النمو الاقتصادي في الصين بحوالي 0.2% في الربع الأول 2020 بسبب كورونا. ومن المتوقع أن تبلغ قيمة الخسائر 62 مليار دولار، كما توقع خبراء أن يتكبد الاقتصاد العالمي خسائر تفوق 160 مليار دولار بسبب الفيروس.

3- الأمن الإنساني: تطرح الأوبئة مخاطر متصاعدة على الأمن الإنساني، خاصة في ظل السمات الحالية للعولمة، وسهولة التنقل من منطقة إلى أخرى، وهو ما ينذر بإمكانية انتقال الفيروس بسهولة نسبية، فعلى الرغم من نشأة الفيروس في الصين، فإنه انتقل إلى حوالي 23 دولة حتى الآن. 

 إدارة الأوبئة:

أشار المتحدث إلى الإجراءات التي يجب على الدول اتباعها في التعامل مع هذه الحالات، والتي تتمثل في التالي:

1- "نظام إدارة المخاطر": يتمتع بالشفافية والقدرة على إتاحة قدر جيد من المعلومات للمجتمع والتواصل مع المؤسسات الدولية والتعاون معها في إدارة الأزمة.

2- "نظام صحي شامل": يمتلك كفاءات مدربة قادرة على التعامل مع هذه الأوضاع، وأخيراً العمل على تطوير علم الأوبئة. 

وختم المتحدث بالإعراب عن توقعاته بإمكانية تراجع تأثير المرض على الاقتصاد العالمي على المدى الطويل، وأشار إلى عدم وجود ما يثبت ارتباط التباطؤ الاقتصادي الحالي بأزمة كورونا فقط، حيث يواجه العالم العديد من الأزمات الأخرى، مثل البريكست، والحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة. أما عن تأثير الكورونا على الاقتصاد الصيني، فإنه توقع أن تكون كلفته عالية، وسوف ترتبط بمدة استمرار الحجر الصحي على المدن الصناعية المهمة، ومن المتوقع أن تتعلم الصين من الحالة الراهنة دروساً مهمة تدفعها لمزيد من الشفافية، إذا تكررت الأزمة نفسها مستقبلاً.  


الكلمات المفتاحية: كورونا