الأنشطة - حلقات النقاش

الرؤى الغائبة:

تحديات إعادة تأهيل المناطق المحررة من التنظيمات الإرهابية

الأحد, 20 نوفمبر, 2016

الرؤى الغائبة:


عقد مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة في أبوظبي حلقة نقاشية، يوم الأربعاء (2 نوفمبر 2016)، حول: "إعادة تأهيل المناطق المحررة من الجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط". واستضاف المركز الدكتور ويليام جريش، الأستاذ المحاضر بالجامعة الأمريكية في دبي، ليلقي الضوء على هذه القضية من مختلف الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية.

في بداية الحلقة، أشار جريش إلى عجز الأطراف الفاعلة في مناطق الصراعات عن تقديم تصور لإنهاء الصراعات الأهلية، أو طرح خطة لإعادة تأهيل المناطق المحررة من سيطرة الجماعات الإرهابية، وأرجع ذلك إلى عدة عوامل ترتبط بغياب النموذج السياسي الذي يمكن تطبيقه في هذه الدول، وعدم توفر الأسس الموضوعية لإطلاق خطة مارشال عربية، وتراجع فرص تحقيق العدالة الانتقالية. وجميعها متطلبات أساسية لإطلاق عملية إعادة تأهيل تلك المناطق المنكوبة.

تصدع التجربة الديمقراطية:

طرح ويليام جريش فكرة مركزية مفادها أن النموذج المرجعي الرئيسي لعمليات إعادة تأهيل المناطق المحررة  يتمثل في مشروع مارشال لإعادة إعمار الدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث اعتمد هذا المشروع على ثلاثة أركان رئيسية، وهي: الحكم الديمقراطي، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الانتقالية. وتسبب غياب هذه الأبعاد الثلاثة في مناطق الصراعات في الشرق الأوسط في تعثر عمليات التسوية وإعادة الإعمار. 

ومما يُعمِّق من أزمة غياب رؤى إعادة الإعمار في المناطق المحررة من التنظيمات الإرهابية، عدم قدرة التجربة الديمقراطية في عدد من دول الشرق الأوسط على إحلال السلام. فعندما أعلن بول بريمر (الحاكم المدني في العراق) في عام 2004، أن الانتخابات والديمقراطية سوف تخلق عراقَا مستقرَّا، كان هناك اعتقاد سائد في الغرب بأن الولايات المتحدة قد تنجح في ذلك، أما الآن، فقد اختلفت الأوضاع بصورة كبيرة، فلا يوجد دبلوماسي غربي واحد يعتقد أن "الديمقراطية" تمثل آلية لإعادة الاستقرار للمناطق المحررة من قبضة الجماعات الإرهابية والفواعل المسلحة من غير الدول.

وأدى احتلال العراق إلى تغير النظرة إلى الديمقراطية كحل لأزمات الشرق الأوسط؛ حيث يؤكد جريش أن الحرب الأهلية في العراق قد تزامنت مع الانتخابات البرلمانية التي تم إجراؤها في عام 2005، أي أنها بدلا من أن تكون وسيلة لتحقيق الاستقرار في البلاد فإنها أدت إلى زيادة الاحتقان بين الطوائف المختلفة، خاصةً أنها بدت وسيلةً لتحقيق الهيمنة الشيعية والانتقام من العرب السنة، وهو ما هيأ الظروف في مرحلة تالية لظهور تنظيم القاعدة في العراق ثم "داعش".

أيضًا دلل جريش على رؤيته سالفة الذكر بالانتخابات التي أُجريت في فلسطين في يناير 2006، التي فازت فيها حركة حماس، حيث مَثَّلَ ذلك حدثًا مفاجئًا لتوقعات الدول الغربية التي كانت تعتقد أن حركة فتح هي التي ستفوز، وهو ما أدى إلى تجاهلها لقطاع غزة.

بدورها، فإن الانتخابات الرئاسية المصرية في عام 2012 التي أسفرت عن فوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي، لم تنجح في تحقيق الاستقرار، إذ شهدت البلاد خلال فترة العام التي حكم خلالها توترًا متصاعدًا، ولم يتم استعادة الاستقرار إلا عقب الإطاحة بحكمه، وهو ما شكك مرة أخرى في قدرة الديمقراطية على تحقيق الاستقرار في المنطقة، وفقًا لجريش.

معضلة التنمية الاقتصادية:

أشار جريش في الحلقة النقاشية إلى الارتباط الوثيق بين التنمية الاقتصادية والاستقرار في مراحل ما بعد الصراعات، حيث أعلن الجنرال الأمريكي جون الآن في أكتوبر 2016 أن منطقة المشرق العربي في حاجة إلى خطة مساعدات دولية تماثل خطة مارشال لإعادة إعمار مناطق الصراعات استرشادًا بالتجربتين الألمانية واليابانية.

واعتبر جريش أن الشروع في التنمية يتطلب سلامًا واستقرارًا، وهو شرط يبدو غير متوفر في حالة دول المشرق العربي حتى بعد حسم المعارك عسكريًّا ضد جماعات الإرهاب. إذ يتوقع أن يستمر عدم الاستقرار، والدخول في حلقة مفرغة من الهجمات والعمليات الانتقامية بين الطوائف المختلفة، وهو ما يعني استمرار العنف وإن كان بوتيرة منخفضة، وهو ما لا يوفر الظروف الموضوعية لتحقيق التنمية. وفي ظل هذا الوضع فإن المعونات الدولية ستوجه بصورة أساسية إلى تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، وليس لتحقيق التنمية.

وأضاف جريش سببًا آخر لعرقلة التنمية في المناطق المحررة من الإرهاب، يتعلق باستشراء الفساد، على غرار الحالة العراقية، وهو ما سيعرقل أي محاولة من جانب المنظمات الدولية المانحة أو المستثمرين للاستثمار في المنطقة، وإذا لم يتم الاستفادة من العائدات النفطية في تحقيق التنمية فإن العراق سوف يعاني من تردي الأوضاع الاقتصادية.

تعثر العدالة الانتقالية:

بجانب العوامل السياسية والاقتصادية، فإن السلام يتطلب وجود مصالحة وطنية، وفقًا لجريش، وهو ما لن يتم دون محاكمة عادلة لمن قاموا بارتكاب جرائم، وكما توضح تجربة الحرب العالمية الثانية، فإن موضوع محاكمة مجرمي الحرب سوف يكون موضوعًا مثيرًا للانقسامات، وستُثار أسئلة حول: من هم الأشخاص الذين سيتم محاكمتهم؟ وأمام أية محكمة؟ وعن أية تهم؟. 

وقد يتمثل أحد الحلول في محاكمة مجرمي الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية، ولكن ذلك يتوقف على مدى قبول المجتمع الدولي، وكذلك الأطراف المتنازعة سواء داخليًّا أو إقليميًّا، بل إن عجز هذه المحكمة عن مقاضاة من ارتكبوا جرائم حرب في حالات سابقة سوف يشكك في فاعليتها.

وهنا، يرى البعض، ومنهم جريش، أنه قد يتم الاتفاق على إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة من قام بارتكاب جرائم حرب في سوريا والعراق، بما يمهد الطريق لتحقيق مصالحة وطنية إذا ما تمت محاكمة كل الأطراف المتهمة بارتكاب جرائم، ولكن لا يزال هناك خطر بأن تصبح هذه المحكمة عاجزة ومصابة بالشلل، كما في حالة "المحكمة الخاصة بلبنان"، والتي تم تشكيلها من قبل مجلس الأمن لمحاكمة الأشخاص المتورطين في اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري.

ولتجاوز عوائق العدالة الانتقالية، اقترح جريش تنظيم مؤتمر للسلام على غرار مؤتمر هلسنكي. فبين عامي 1973 و1975، جمع مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا كلا من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وانتهى في النهاية لتوقيع "اتفاقية هلسنكي"، والتي مهدت لتهدئة حدة التوتر أثناء الحرب الباردة، ويتمثل التحدي الرئيسي أمام هذه الفكرة فيمن سيستضيف هذا المؤتمر، والأطراف التي سيتم دعوتها.

مستقبل مناطق الصراعات:

يرى جريش أن فشل التجربة الديمقراطية وغياب أي أفق للتنمية الاقتصادية أو تحقيق العدالة لا يدل فقط على ضبابية مستقبل المناطق المحررة في مراحل ما بعد الصراعات، ولكنه يكشف كذلك عن غياب أي بديل عملي مطروح، بحيث إنه ولأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية لا تختلف نهاية الصراع كثيرًا في تداعياتها الكارثية عن استمراريتها.

من جهةٍ أخرى، اعتبر جريش أن المجتمعات التي سيتم تحريرها من الجماعات الإرهابية أو الفواعل المسلحة من غير الدول، ستكون عرضة للتطرف مرة أخرى، بسبب عدم وجود نظام عادل للحكم يضم كافة طوائف المجتمع، وغياب التنمية الاقتصادية، فضلا عن عدم مقاضاة أو ملاحقة من ارتكبوا جرائم، وبالتالي، فإنه حتى في حالة الإطاحة بداعش، فإن جذور التطرف لن تختفي.

ويطرح جريش سيناريوهين أساسيين لمستقبل منطقة المشرق، يتمثل أولهما في الحفاظ على وحدة الدولتين العراقية والسورية، وما يترتب على ذلك من زيادة وتيرة الاحتقان الطائفي بين السنة والشيعة طالما لم يتم رفع المظالم التي تواجه العرب السنة. أما ثانيهما فيتمثل في إقامة كيان كردي مستقل، وسيترتب على ذلك تصاعد الصراع العرقي بين العرب والأكراد، وفي كلا الحالتين، فلن يتمكن أي طرف من الهيمنة على الطرف الآخر عسكريًّا، وما يترتب على ذلك من انتشار حالة عدم الأمن في الدولتين والدول المجاورة لهما.

ويرى جريش أن تحرير المناطق السورية والعراقية من قبضة داعش سيترتب عليه هروب المقاتلين الأجانب إلى الملاذات الآمنة في المناطق الخارجة عن السيطرة الأمنية في ليبيا وأفغانستان، أو العودة إلى بلدانهم الأصلية لتهديد الأمن والاستقرار في هذه الدول، أما الخيار الثالث فيتمثل في قيام العناصر الإرهابية الهاربة من سوريا والعراق بتنفيذ عمليات إرهابية عشوائية لنشر أكبر قدر من الفوضى والاضطرابات في الإقليم.

واختتم جريش المحاضرة بالتأكيد على استعصاء التحولات في الشرق الأوسط على التنبؤ، ورغم ذلك يمكن القول إن هناك اتجاهين مؤكدين هما: تصاعد أدوار الفاعلين من غير الدول في ظل غياب أي استراتيجية واضحة لدى أيٍّ من الفاعلين الأساسيين للخروج من الأزمة الحالية. أما ثانيهما فيتمثل في تشكل مناطق آمنة محاطة بمساحات من الاضطرابات، وأن الأولى ستلجأ إلى عزل نفسها عن المناطق المضطربة بطريقة يُمكن معها افتراض أن الأراضي المحررة لن يتم إعادة تأهيلها، ولكن سيتم تجاهلها، وترك العنف ينتشر فيها.